Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أبعاد العلاقات الصينية - الإثيوبية من الاقتصاد للسياسة

مرت علاقة بكين بأفريقيا بمراحل متعددة تحول فيها الطابع التجاري التقليدي إلى شراكة استراتيجية

لقاء سابق جمع رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية الصيني (شينخوا)

ملخص

يرى مراقبون أن علاقات إثيوبيا والصين تعمل على دعم وحدة المصالح في ظل التحديات الاقتصادية والجيواستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ورمزية أديس أبابا كمقر للاتحاد الأفريقي يجعلها المحطة الأهم في القارة.

عكست زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى إثيوبيا، خلال يناير (كانون الثاني) الجاري، جوانب جديدة في تطور علاقات البلدين، ضمن زيادة تعزيز التنسيق الاستراتيجي عبر منصات التعاون الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف... فإلى أي مدى تلعب السياسة كرافد نشط إلى جانب الاقتصاد بين أديس أبابا وبكين، وما آثار التنسيق الاستراتيجي بينهما على الواقع الإقليمي والدولي؟

انطلقت العلاقات الصينية -  الإثيوبية بدوافع اقتصادية حققت إنجازات عديدة، ومعلوم أن بكين استطاعت وعبر سياستها في مساعدة الدول الأفريقية اقتصادياً، أن تحقق قبولاً وثقة الإنسان الأفريقي، مما أوجد لها نفوذاً في القارة السمراء متجاوزاً للعديد من الدول الكبرى، ولا تزال علاقاتها متمددة في أرجائها.

مرت علاقة الصين بإفريقيا بمراحل عدة تحول فيها الطابع التجاري الحضاري التقليدي تدريجاً إلى شراكة استراتيجية، وكان منتدى التعاون الصيني - الأفريقي أساساً للعلاقة المتطورة بين الطرفين على العهد الحديث. وجاء المنتدى بمبادرة مشتركة بين الصين والدول الأفريقية، ومثّل إطار تعاون اقتصادي مع دول القارة بهدف توثيق وتعميق التعاون بين الجانبين لتحقيق التنمية الاقتصادية ومواجهة تحديات العولمة.

وتأسس رسمياً عقب المؤتمر الوزاري الأول للتعاون بين الصين والدول الأفريقية الذي شهدته بكين خلال الفترة من 10 إلى الـ12 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2000، وحضره إضافة للزعيم الصيني رؤساء دول أفريقية، والأمين العام للأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية والإقليمية ورجال أعمال.

وتشير نشأة المنتدى إلى تطور في حجم المبادلات التجارية بين الطرفين من 10.6 مليار دولار عام 2000 إلى 201.1 مليار دولار عام 2014، مما يجعل الصين الشريك التجاري الأول مع أفريقيا، متفوقة على الولايات المتحدة وفرنسا اللتين ظلتا ولفترات طويلة في مقدمة التجارة الخارجية مع دول القارة. وعلى المستوى الإحصائي شهدت الاستثمارات الصينية في أفريقيا انتعاشة كبيرة بعد عام 2000 بلغت 30 مليار دولار في عام 2014، أي أكثر من 60 مرة عما كان عليه الأمر قبل إحياء المبادرة.

ظروف ملائمة للتعاون الدولي

توالت المنتديات ضمن العلاقة المتنامية بين الصين والدول الأفريقية، كان آخرها المنتدى التاسع الذي شهدته بكين في سبتمبر (أيلول) عام 2024 بمشاركة 53 دولة أفريقية، وخرج بخطة عمل شملت 10 مبادرات شراكة على مدى تسعة أعوام قادمة في مجالات تنموية مختلفة. وفي حين وعدت الصين بتقديم دعم مالي يتجاوز 50 مليار دولار، بلغ حجم التبادل التجاري بين بكين والقارة في عام 2024 نحو 295.6 مليار دولار.

ووصف غيرت غروبلر سفير جنوب أفريقيا السابق لدى إسبانيا واليابان الأستاذ فخري في معهد الدراسات الأفريقية في جامعة تشجيانغ، "الشراكة الأفريقية - الصينية بأنها مسعى متبادل المنفعة مع إمكانات هائلة لمزيد من النمو". وقال خلال مقابلة مع وكالة أنباء "شينخوا" الصينية في سبتمبر 2024 إن "جوهر التعاون بين الجانبين هو المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة"، مضيفاً أنه "في الوقت الذي حقق فيه التعاون بين الجانبين منافع ملموسة للشعوب في أفريقيا والصين، خلق أيضاً ظروفاً أكثر ملاءمة للتعاون الدولي".

وأكد "أنه ينبغي النظر إلى هذا في ضوء الخلفية التي تميز عالم اليوم، الذي يواجه تحديات متعددة ومعقدة بصورة متزايدة"، مبيناً أنه "نتيجة لذلك، تسعى أفريقيا والصين إلى تعزيز الوحدة والتعاون مع دول الجنوب العالمي الأخرى، بهدف العمل معاً للتصدي للتحديات والدفع من أجل نظام دولي أكثر مساواة وعدلاً وعقلانية".

 

وأشار "إلى أن منجزات التحول الاجتماعي والاقتصادي في الصين التي كانت بمثابة مصدر إلهام للعديد من الدول الأفريقية التي أظهرت اهتماماً كبيراً بالتعلم من أفضل الممارسات التي تستخدمها بكين وتطبيقها"، معيداً التذكير بإظهار دول القارة السمراء استعدادها للعمل مع الصين من أجل التنفيذ المشترك لمبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، التي اقترحتها بكين، من بين مبادرات أخرى".

وأوضح "أن هذه المبادرات تهدف إلى تحسين التنمية الاقتصادية العالمية، وممارسة التعددية الحقيقية، وزيادة تمثيل الجنوب العالمي في الحوكمة العالمية وإعلاء صوته، وحماية المصالح المشتركة للبلدان النامية، والتفاهم وتوسيع توافق الآراء وتعزيز الصداقة ودفع التعاون من خلال التشاور المتسم بالمساواة".   

محطة مهمة

برزت إثيوبيا ضمن مقدمة الدول ذات الأولوية في الانفتاح الصيني على القارة الأفريقية بحيثيات الثقل الحضاري والسياسي، إلى جانب الإمكانات الاقتصادية المتعددة التي تملكها. وتنظر بكين إلى أديس أبابا كونها نموذجاً أفريقياً للتعاون المنشود في جاهزية التطور بحكم الثقل السكاني والامكانات المتنوعة إلى جانب جدية التفاعل والضمانات في حيثيات الاستقرار والمصداقية، وكان السفير الصيني لدى أديس أبابا تشين هاي قال في يناير من عام 2025 إن عمل جار بين البلدين على تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة والثابتة بين البلدين في مختلف المجالات، مشدداً على أن التعاون الحالي وصل إلى مستوى غير متأثر بالمتغيرات.

وتأكدت ثقة أديس أبابا بالشريك الصيني بحيثيات التعاون المتمدد الذي تشير إليه بنى تحتية ومعطيات تنموية لا تغفلها الحياة الإثيوبية في حجم المشاريع الصينية التي غشيت العديد من مرافق الحياة في هذا البلد، إلى جانب ظروف سابقة شهدتها أديس أبابا خلال حربها في تيغراي بين عامي (2020-2022) أكدت خلالها المواقف الصينية السياسية الراسخة على مبادئ التعاون الحقيقي في مختلف الظروف.

جاءت زيارة وزير الخارجية الصيني إلى أفريقيا خلال الفترة من 8 - لـ12 من يناير الجاري ضمن جولة زيارات شملت إضافة إلى إثيوبيا، الصومال وتنزانيا وليسوتو، ومثلت أديس أبابا إحدى المحطات المهمة، حيث اتفق الطرفان على زيادة تعزيز التنسيق الاستراتيجي عبر منصات التعاون الثنائية والإقليمية ومتعددة الأطراف.

وأكد وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، "أن أديس أبابا تولي أهمية كبيرة لشراكتها الاستراتيجية القوية والشاملة في كل الظروف مع بكين، موضحاً أن العلاقة ترتكز على تاريخ طويل من الصداقة والتضامن والاحترام المتبادل. وأعرب عن تقدير إثيوبيا للدعم الصيني المستمر لجهود التنمية، مجدداً التزام بلاده بزيادة تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين."

وأشاد بمبادرة الصين المقترحة حول "توقعات السلام والتنمية في القرن الأفريقي"، مسلطاً الضوء على أهميتها في معالجة تحديات الأمن الإقليمي والتنمية والحوكمة." وكرر جيديون "التزام إثيوبيا بالمضي قدماً في الشراكة الإثيوبية - الصينية من خلال الأطر المتعددة الأطراف الرئيسة، بما في ذلك (مبادرة الحزام والطريق)، و(منتدى التعاون الصيني - الأفريقي)، ومجموعة (بريكس بلس)، والأمم المتحدة".

وضمن النتائج التي تمخضت "تعزيز الشراكة الاستراتيجية" إلى مستوى أعمق والتركيز على تعاون طويل الأمد في كافة المجالات. وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، "إن زيارته لأفريقيا تمثل أول رحلة خارجية له في العام الجاري، مما يعكس تضامن الصين وشراكتها الاستراتيجية. وأعاد التأكيد على التزام بكين الثابت بتعزيز شراكتها الشاملة مع أديس عبر مجالات تعاون متعددة."

وحدة المصالح

زيارة المسؤول الصيني إلى أديس أبابا ضمن جولته الأفريقية، وما أضافته من تعميق علاقات البلدين في الجوانب الشاملة، تصب كتأكيد على وحدة المصالح وعدم تجزئتها، في ظل التحديات الاقتصادية والجيواستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وما يربطها من مصالح، سواء في إثيوبيا أو جيبوتي أو الصومال وكافة المنطقة الإقليمية. وتتطلع الصين إلى تحقيق أهداف سياسية تتجاوز التنمية الاقتصادية في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتقاطع مصالحها مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والتحركات والمطامع الإسرائيلية المتجددة التي تستهدف المنطقة.

وتتوسع أطر العلاقة إلى الجوانب السياسية في حيثيات مطالب إثيوبيا بالمنفذ البحري كهدف حيوي تسعى إلى تحقيقه أديس أبابا بكافة السبل. وفي المقابل ما تنشده الصين من تعزيز موقفها على الصعيد الدولي، وتحديداً تجاه مطلبها القومي في شأن عودة تايوان وهدف الصين الواحدة، وتحقيق تمدد سياسي أفريقي داعم لها على المستوى الدولي وفي الأمم المتحدة، وكافة المنظمات والفعاليات الداعمة لسياساتها ومصالحها. وبينما اتفق الجانبان على تعميق التنسيق الاستراتيجي لدفع المصالح المشتركة على المستويات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف، جددت إثيوبيا من جانبها التزامها دعم مبدأ الصين الواحدة.

الأكثر موثوقية

وقال يوسف ريحان الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية، إن "زيارة وزير الخارجية الصيني الأخيرة إلى دول أفريقية تعد مهمة وتضع العلاقات مع القارة من جانب بكين في مقدمة العلاقات الاستراتيجية التي وضعت لبنتها الأولى قبل 70 عاماً من التواصل المستمر والعلاقات الثنائية البناءة. وكما هو معلوم فإن الصين تحتل مكانة متقدمة من بين الدول الصناعية الكبرى ذات الاقتصاد المنطلق بقوة والذي حاز ثقة الكثير من الدول النامية في مناطق عدة من العالم وفي مقدمتها أفريقيا التي تتمتع باهتمام كبير من قبل الشريك الصيني الذي أثبتت التجارب أنه الأكثر موثوقية والقدرة على تنفيذ الكثير من المشاريع الضخمة في مجال البني التحتية علي وجه الخصوص كمشاريع الطرق والسكك الحديدية والكهرباء".

ولفت الانتباه إلى ما "تتميز الصين به في علاقاتها مع الآخرين بممارسة الحياد الإيجابي في الشؤون الداخلية للدول وتحترم قرارات الشعوب وتقيم علاقات مع الحكومات بما يعود بالنفع على الجميع من دون فرض شروط مسبقة أو التدخل في الشأن الداخلي للدول وهو ما أكسبها ثقة الجميع. ومن الجانب الآخر فإن مثل هذه الشراكات المتبادلة يصدق فيها وصف الشراكات الذكية لأنها تنشئ علاقة بين ملاك الموارد وملاك التكنولوجيا وفق صيغة تشاركية متميزة مختلفة جملة وتفصيلاً عن علاقات أفريقيا بأطراف أخرى دولية تقليدية عجزت عن خلق معادلة مماثلة تشجع على التنافس".

وعلى رغم ذلك الحياد فإن أخذ العلاقة أبعاد سياسية واستراتيجية مع بعض الدول كإثيوبيا يمثل للصين والأطراف المتعاونة معها أهمية لأجل حفظ مصالح لا تغفل التحولات التي يشهدها العالم، بخاصة في منطقة حساسة كمنطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

وتابع، "إثيوبيا تحتل المرتبة الأولى من الاهتمام الصيني في دول شرق أفريقيا لمساحتها الواسعة ولتنوع الموارد فيها ولضخامة سكانها ومحادتها لعدد من الدول الأفريقية وللتسهيلات التي تقدمها مما يجعلها منطقة جذب كبير للاستثمارات الصينية وسوق واعدة تتوفر فيها الكثير من فرص النجاح، ومن ثم فإن تمدد العلاقة معها وتحولها إلى شراكة شاملة يعطي حقيقة الأبعاد التي يؤملها الطرفان، ومن ناحية أخرى فإن رمزية أديس أبابا كمقر للاتحاد الأفريقي يجعلها المحطة الأهم في القارة".

تطور نوعي

الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية محمد حسب الرسول يرصد تطوراً نوعياً في العلاقات الصينية - الإثيوبية، إذ تجاوزت الاقتصاد نحو تنسيق سياسي أعمق، قائلاً "أديس أبابا ليست محطة بروتوكولية في زيارة وزير الخارجية الصيني، بل إعادة تموضع لبكين يجعل من إثيوبيا شريكاً محورياً بثقلها الإقليمي، وكونها عاصمة سياسية لأفريقيا، والسياسة رافد نشط للاقتصاد في الرؤية الصينية، محصنة مصالحها في بيئة متقلبة بضمانات عبر شراكات سياسية طويلة الأمد... ويعزز تنسيق الطرفين المتكامل حضور بكين في القرن الأفريقي بنفوذ دبلوماسي هادئ، يدعم الاستقرار والمؤسسات الإقليمية، مؤثراً في الأمن والتنمية من دون عسكرة مباشرة تجاه ما يحدث في القضايا الإقليمية والدولية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال، "سعي الصين إلى توسيع شركاء الجنوب العالمي، يدعم رؤيتها لإصلاح الحوكمة الدولية وتعددية الأقطاب. فإثيوبيا في النظرة الصينية حلقة وصل تحول اقتصاد بكين إلى نفوذ سياسي، وهذا ما تكشفه زيارة وانغ الأخيرة. وتشير علاقات البلدين من خلال الاتفاقات والتفاهمات التي توصل لها الطرفان إلى مرحلة جديدة تدمج السياسة مع الاقتصاد لتثبيت نفوذ صيني إقليمياً ودولياً عبر شراكات مستقرة تحفظ بها المصالح".

حدود صينية

الخضر هارون أحمد سفير السودان السابق لدى الولايات المتحدة عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة أفريقيا العالمية قال بدوره إن "التجربة أكدت أن الثقل السياسي الصيني يصعب تحويله إلى قوة فاعلة متى ما كانت هناك تقاطعات وتجاذبات قوية تمثل مصالح قوى أكثر تأثيراً في منطقة مهمة كمنطقة البحر الأحمر، فالقلق مُتنامٍ في مصر والسعودية من التمدد الإماراتي - الإسرائيلي، ومواقف دوائر معادية في الغرب تحركها عدوات حضارية تجاه المنطقة، وذلك كله يصب لمصلحة إثيوبيا وطموحاتها في الحصول على منفذ بحري، في صوماليلاند وعصب."

وختم هارون بقوله، "المصلحة محققة للصين من الزاوية الاقتصادية، لكن بكين لن تجعل ذلك مطية لإثارة شكوك مصر والسعودية حيث لها مصالح هناك فتلك خسارة اقتصادية لها بالتأكيد. والحسابات الاقتصادية واضحة جداً للصين. وبكين تنتفض فقط عندما يتعلق الأمر بتايوان وجنوب الباسفيك. هذا فضلاً عن أن إثيوبيا في ظل ما تقدم ليست في حاجة لسند أكثر يأتي من تفاهمات استراتيجية وسياسية من الصين فلديها ما يكفيها من ذلك السند. ستستفيد أديس أبابا قطعاً اقتصادياً من بكين في بناء المطارات والطرق وغير ذلك، لكن لا أعتقد أن الصين ستتجاوز تلك المضامير."

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير