ملخص
بعد عام على عودته إلى البيت الأبيض، يقلب دونالد ترمب النظام العالمي رأساً على عقب عبر نهج أحادي يركز على القوة والمصالح، فقد شن عملية عسكرية في فنزويلا أطاحت بمادورو، وهدد بالسيطرة على غرينلاند وضرب إيران، مع انسحاب واشنطن من عشرات الهيئات الدولية، ومراقبون يحذرون من عصر "إمبريالية جديدة" يعيد تشكيل السياسة الدولية بصورة دائمة، فيما يرى البعض أن النظام القديم لم يعد صالحاً.
بعد عام واحد على عودته إلى البيت الأبيض، يقلب دونالد ترمب النظام العالمي المنبثق عن الحرب العالمية الثانية رأساً على عقب، وقد يترك خلفه عند انتهاء ولايته الثانية عالماً مختلفاً تماماً عن الذي نعرفه.
بدأ الرئيس الأميركي الذي سيبلغ الـ80 سنة في يونيو (حزيران) المقبل، العام الجديد بسلسلة من التحركات الهجومية التي تتحدى بصورة صريحة النظام القائم منذ عقود والذي كانت الولايات المتحدة من أبرز مهندسيه ورعاته.
ففي الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري، أمر بشن عملية عسكرية على فنزويلا، الدولة الغنية بالنفط، قامت خلالها قوات خاصة أميركية بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو، عدو الولايات المتحدة منذ أعوام، ونقله إلى نيويورك لمحاكمته، في عملية خلفت أكثر من 100 قتيل.
وهدّد ترمب منذ ذلك الحين باستخدام القوة ضد دول صديقة وعدوة على السواء، فواصل التأكيد على نيته السيطرة على غرينلاند، الجزيرة ذات الحكم الذاتي والتابعة لحليف أطلسي هو الدنمارك، وهدد بضرب إيران التي تشهد تظاهرات حاشدة تواجهها السلطات.
ولوح بتحرك عسكري في كولومبيا والمكسيك، ولو أنه تراجع على ما يبدو عن ذلك بعدما تحادث مع رئيسي البلدين.
"عالم تحكمه القوة"
تخلى الرئيس الأميركي الذي شن حرباً جمركية مستخدماً الرسوم كسلاح، عن أساليب الحكم التقليدية، فعمد إلى التفرد بالقرار في تطبيق سياسته "أميركا أولاً".
وفي هذا السياق، سحب بلاده من عشرات الهيئات الدولية بما فيها وكالات تابعة للأمم المتحدة، وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مبرّراً ذلك، إن "الكثير من المنظمات الدولية باتت الآن تخدم مشروع عولمة يستمد جذوره من وهم ’نهاية التاريخ‘ الذي سقطت صدقيته"، في إشارة إلى رؤية ما بعد الحرب العالمية الثانية لعالم يسوده الاستقرار ويحكمه نظام ديمقراطي مبني على التوافق.
وأعلن ستيفن ميلر، مهندس حملة ترمب المعادية للهجرة الذي يتصاعد دوره في السياسة الخارجية الأميركية بصفته مساعداً لكبيرة موظفي البيت الأبيض، أن الوقت حان لتخطي "المجاملات الدولية".
وقال في مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، "نعيش في عالم، في العالم الحقيقي... الذي تحكمه القوة، يحكمه النفوذ، وتحكمه السلطة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا مبادئ سامية
في معرض كلامه عن "الواقعية البراغماتية" في السياسة الخارجية، قال موفد الرئيس وصهره جاريد كوشنر أخيراً متحدثاً لشبكة "سي بي إس"، إن ذلك يتطلب "أحياناً تغليب المصالح على القيم".
وأدّت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية دوراً قيادياً في إرساء المؤسسات الدولية، بدءاً بالأمم المتحدة وصولاً إلى الحلف الأطلسي، وكلها مؤسسات ندد بها ترمب معتبراً أنها غير منصفة لبلاده.
وسبق أن اتُهم الكثير من الرؤساء الأميركيين بالنفاق، ومن أبرز الأمثلة على ذلك عام 2003 حين تجاوز الرئيس جورج بوش الأمم المتحدة لاجتياح العراق، لكن الفرق بحسب بعض المراقبين هو أن ترمب لا يتظاهر حتى باعتناق مبادئ سامية مثل نشر الديمقراطية.
ففي فنزويلا، وبعدما وصف روبيو وغيره من المسؤولين الأميركيين على مدى أعوام مادورو بأنه رئيس غير شرعي، أعلن ترمب أنه يعتزم التعامل مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي أصبحت رئيسة بالوكالة، متجاهلاً المعارضة.
وهدفه الأول المعلن في هذا البلد بعد خلع الرئيس، هو السيطرة على النفط، وتوعد باستخدام القوة لفرض مطالبه على البلد.
"إمبريالية جديدة"
حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن النهج الأميركي الجديد قد يشكل بداية لعصر من "الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة"، بعد أربعة أعوام على بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، وقال ماكرون إن الولايات المتحدة قوة "تتخلى تدرجاً عن بعض حلفائها وتتفلت من القواعد الدولية التي كانت تروج لها حتى وقت قريب".
ورأت الباحثة في معهد بروكينغز ميلاني سيسّون، أن الولايات المتحدة نجحت لفترة طويلة في تحقيق أهدافها "من غير أن تضطر إلى أن تهاجم وتجتاح وتحتل". وقالت، "نجحنا عموماً في الحصول على ما نريد، في غالب الأحيان بواسطة أدوات نفوذ أخرى، تُستخدم من خلال منظمات وتحالفات دولية".
لكنها لفتت إلى أن قوى أخرى ستحذو بالتأكيد الآن حذو الرئيس الأميركي وستسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة.
ورأت أن ترمب "يعيد تشكيل السياسة الدولية بصورة مستديمة"، مضيفة "لا أعتقد أنه سيكون هناك إعادة بناء للنظام العالمي لما بعد الحرب كما نعرفه".
غير أن دبلوماسياً من دولة حليفة رأى أن الوقت حان للتغيير حتى لو أن الوسائل الأميركية قد تبدو صادمة.
وقال الدبلوماسي، طالباً عدم ذكر اسمه، "بدا واضحاً أن النظام العالمي لم يكن صالحاً، حتى لو كنا ندعي العكس".