ملخص
يتصرف دونالد ترمب على أساس أن لا قيود حقيقية على سلطته سوى "حسّه الأخلاقي وعقله"، ما يفتح الباب أمام منطق ابتزاز الحلفاء وتهديد تماسك "الناتو"، بدءاً من غرينلاند وصولاً إلى قابلية تحويل الحماية الأميركية إلى صفقة مشروطة. هذا النهج يخلق فراغاً استراتيجياً تسعى روسيا لاستغلاله عبر اختبار وحدة الحلف وتقويض الثقة بالقانون الدولي، بما يهدد استقرار أوروبا من الداخل أكثر مما يفعل أي نزاع إقليمي.
إن كان هناك درس يمكن استخلاصه من أحداث الأسبوع الماضي، فهو أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجب أن تؤخذ دائماً على محمل الجد. وقد بات واضحاً الآن، في الأقل من وجهة نظره، أنه لا توجد سوى قيود قليلة يمكن أن تمنعه من أن يفعل ببساطة ما يشاء.
وقد أقر ترمب بذلك صراحة خلال مقابلة مطولة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، إذ قال إن القيد الوحيد على سلطاته هو: "حسّي الأخلاقي، وعقلي… إنهما الشيئان الوحيدان القادران على إيقافي".
وعندما سئل عما إذا كانت إدارته تشعر بأنها مقيدة بالقانون الدولي، أجاب: "يتوقف ذلك على تعريفك للقانون الدولي"، ثم أضاف: "لا أحتاج إلى القانون الدولي".
وهذا وحده كافٍ ليكون أمراً مقلقاً، ناهيك عن العواقب الملموسة لهذا النهج التي شهدتها أوروبا هذا الأسبوع.
فقد سارع قادتها، وبحق، إلى الاصطفاف خلف الدنمارك عندما قامت إدارة ترمب بمحاولة جديدة للاستيلاء على غرينلاند. وبالنظر إلى ما سبق، كان ينبغي عليهم أن يتوقعوا ذلك. فبعد وقت قصير من عودته للبيت الأبيض، لم يُخفِ ترمب رغبته في شراء هذا الإقليم شبه المستقل، مما قوبل آنذاك بـ"لا، شكراً على العرض" مهذبة، وبشيء من الضحك العصبي في أوساط حلفائه في حلف شمال الأطلسي.
اليوم، يبدو ترمب "جاداً للغاية" في مسألة الاستيلاء على غرينلاند، على رغم أنها تعود لدولة عضو في "الناتو"، بل إنه لمح إلى إمكان غزوها أو ضمها، غير أن الولايات المتحدة على الأرجح لن تحتاج إلى إرسال قواتها لأنها ببساطة لا تحتاج إلى ذلك. فبموجب اتفاق دفاعي يعود لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تتمركز بالفعل قوات أميركية على الجزيرة. وأكدت الحكومة الدنماركية من جانبها أن قواتها سترد بإطلاق النار إذا تعرضت لهجوم.
وإذا كان هذا هو شكل النظام العالمي الجديد في نظر ترمب، فما الذي قد يحمله المستقبل أيضاً؟
خطر قد يكون أشد من ذلك يتمثل في الطريقة التي يمكن أن يستغل بها ترمب "الناتو" نفسه في حال اندلاع أزمة روسية وشيكة. فبدلاً من أن تهب الولايات المتحدة لمساعدة حليف، كما تنص المادة الخامسة من معاهدة الحلف - حجر الزاوية فيه التي تقضي بأن الهجوم على أحد هو هجوم على الجميع - هل يمكن أن تعرض الحماية فقط إذا وافقت الدولة العضو على نوع من الدفع، وربما حتى التنازل عن أرض؟
ستأتي الحماية بثمن، وربما يطلب مقابلها غرينلاند. وينسجم ذلك تماماً مع نظرة ترمب "التبادلية" للتحالفات، ومع صورته عن نفسه بوصفه صانع صفقات.
إن تصعيداً يتجاوز أوكرانيا لم يعُد كابوساً بعيداً، بل بات احتمالاً واقعياً تستعد له بريطانيا وألمانيا وفرنسا. فروسيا تختبر بالفعل المجال الجوي الأوروبي، بما في ذلك مناطق قريبة من الدنمارك نفسها، عبر اختراقات متكررة بطائرات يقودها طيارون وأخرى مسيّرة. والمناورات العسكرية الروسية تحاكي بانتظام سيناريوهات توغل بري داخل أراضي "الناتو".
ولم تعُد موسكو في حاجة إلى إلحاق هزيمة شاملة بـ"حلف شمال الأطلسي" كي تضعفه. يكفي أن تختبر مدى تماسكه وصلابة إرادته، من خلال اختبار استعداد الولايات المتحدة للقتال من عدمه. فمنذ زمن طويل، تقوم الاستراتيجية الروسية على استغلال تآكل الثقة السياسية وتصدع التماسك الاجتماعي، إذ ما إن تبدو الضمانات مشروطة حتى تنتشر حال عدم اليقين بوتيرة أسرع من تقدم الدبابات أو ترسيخ المعاهدات.
وخلال ولايته الأولى، كان دونالد ترمب يتحدث مراراً عن التحالفات بمنطق الدفع والمقابل، مطالباً حلفاء "الناتو" بتحمل كلفة الدفاع الأميركي عنهم. وفي هذا الأسبوع تحديداً، تساءل علناً عما إذا كان "حلف شمال الأطلسي سيكون موجوداً إلى جانب [الولايات المتحدة] إذا احتجنا إليه حقاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هذا الادعاء يتجاهل حقيقة جوهرية: فالمادة الخامسة لم تفعل سوى مرة واحدة فقط - بطلب من الولايات المتحدة بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) - وقد قوبلت حينها بدعم واسع من أعضاء "الناتو". وإن لا مبالاة دونالد ترمب بهذا السجل التاريخي تقول كل شيء عن نظرته إلى التحالف.
وهذه بالضبط هي النتيجة التي انتظرتها روسيا طويلاً. فأزمة واحدة تتأخر فيها الحماية أو تخضع للمساومة والتفاوض ستكون كفيلة بتأكيد القناعة الراسخة لدى الكرملين بأن التحالف قابل للتصدع من الداخل.
ويُسوّق انشغال دونالد ترمب بغرينلاند على أنه مسألة تتعلق بالأمن القومي، لكن جوهره الحقيقي يتمحور حول النفوذ والهيمنة وتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل. فترمب يطالب بضمان أمني أميركي للحلفاء ويعمل على تطبيعه، لكنه يتعامل مع هذا الضمان على أنه قابل لإعادة التفاوض كلما اندلعت أزمة.
بالنسبة إلى أوروبا، لا يتمثل الخطر الحقيقي في مجرد نقص في القوة النارية، بل في التفكك: دول في الخطوط الأمامية تسارع إلى البحث عن طمأنة، وأخرى تتردد في دفع الثمن، فيما تنشغل جميعها، بصمت، بحساب مدى انكشافها الفعلي. أما الارتدادات الناجمة عن مثل هذا الشرخ - من تفكك سياسي واستقطاب اجتماعي وتزايد قابلية التعرض لتدخل خارجي - فستتبين في نهاية المطاف أنها أكثر زعزعة للاستقرار من أي نزاع إقليمي واحد، بما في ذلك غرينلاند نفسها.
ومع تشكيك دونالد ترمب الصريح في أهمية القانون الدولي، ينتقل عبء الدفاع عنه إلى أطراف أخرى. ففي هذا السياق، تعمل هيئات مثل "جمعية معاهدة الأطلسي" Atlantic Treaty Association على الحفاظ على التماسك السياسي حول المبادئ التأسيسية لـ"الناتو". وبالتوازي، أطلق الدكتور محمد العيسى، الأمين العام لـ"رابطة العالم الإسلامي" Muslim World League، "ميثاق مكة" الذي صادق عليه أكثر من 1200 عالم مسلم، ونص صراحة على رفض العنف السياسي والتطرف التزاماً بأحكام القانون الدولي. وهذا يشير إلى اتجاه متزايد نحو اضطلاع جهات فاعلة غير حكومية وعابرة للحدود بدور صمام أمان مدني في مواجهة سياسات الإكراه.
ذلك لأن هذا الفراغ، حيث تنهار الثقة بين الدول بوتيرة أسرع من قدرة المجتمعات على التكيف، هو بالضبط ما تسعى روسيا إلى استغلاله - ويبدو أن دونالد ترمب مستعد للإسهام في خلقه.
أمير غوربوز هو الشريك الإداري لمؤسسة "ليغارت للمحاماة والاستشارات" في إسطنبول، وعضو في مجلس إدارة "جمعية معاهدة الأطلسي".
© The Independent