ملخص
بينما توجد في مصر 284 مصحة مرخصة لعلاج الإدمان موزعة على المحافظات، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، تنتشر المصحات غير المرخصة من دون الالتزام بأي اشتراطات، وبعيداً من أعين الرقابة. ويشرف على غالبيتها متعافون سابقون من الإدمان، يستغلون شبكة علاقاتهم لجذب زبائن جدد، والوصول إلى قاعدة أوسع، عبر تداول قصص تعاف سريعة بين المدمنين.
"دخلت مصحة لعلاج الإدمان، لكنني هربت منها. لم أكن مريضاً يخضع للعلاج، بل كنت محتجزاً طوال الوقت، مقيداً داخل غرفة تشبه الزنزانة"، بهذه الكلمات يختصر الأربعيني علاء (اسم مستعار) تجربته التي استمرت نحو 60 يوماً، داخل أحد مراكز علاج الإدمان غير المرخصة.
يستعيد علاء تفاصيل ما جرى قائلاً "ما واجهته لم يكن علاجاً بأي معنى، تعرضت للضرب والإهانة، وجرى تقييدي بالحبال لفترات طويلة. لم يكن هناك طبيب يتابع حالتي أو برنامج علاجي واضح، كل ما كان يحدث هو محاولة إذلالي".
حول التأثير الذي خلفته التجربة، يقول الشاب الأربعيني، "خرجت من المصحة، وأنا مصاب بالسكري المزمن، ما جرى هناك لم يكن علاجاً. تعرضت لضغط وإهانة مستمرين، كنت مقيداً طوال الوقت، وكانوا يتعاملون معي كأنني (بهيمة). في لحظة انهيار اعتديت على المشرفين، وهربت عندما شعرت أن الدنيا اسودت في عيني، ولم أعد أحتمل البقاء".
ما رواه علاء الذي ضل طريقه متجهاً إلى المصحات غير مرخصة لا يكشف سوى عن جانب من الوجه القبيح لهذه المراكز، حيث الاحتجاز والتقييد المستمر، وغياب الكوادر الطبية والبرامج العلاجية، والأساليب التي تهدف إلى إذلال المرضى بدل علاجهم. بحسب الشهادات الموثقة هذه المصحات لا تتعامل غالبيتها مع المدمن مريضاً يحتاج إلى رعاية، بل جسد يسيطر عليه بالقوة، مما يجعل الخروج أكثر هشاشة نفسياً وجسدياً.
ويؤكد مسؤولون وأصحاب مصحات ومتخصصون، إضافة إلى متعافين خاضوا التجربة وفشلوا في التعافي، أن هذه المراكز التي تعمل بعيداً من أية رقابة طبية تعتمد غالباً على مدمنين متعافين لإدارة المرضى وفق خبراتهم الشخصية، ويجبر المرضى على البقاء داخل غرف مغلقة، محرومين من أبسط حقوقهم اليومية، بما في ذلك التغذية والتهوية، بينما تستغل المصحات حاجتهم إلى العلاج لتحقيق أرباح.
غياب الكوادر الطبية
عن طبيعة المكان الذي احتجز فيه، وأسلوب التعامل، والمبالغ التي دفعها، يقول علاء لـ"اندبندنت عربية"، "كلفتنا فترة (العلاج) نحو 30 ألف جنيه، قضيتها محتجزاً داخل مكان مغلق أقرب إلى منزل بإحدى المناطق بالشرقية. لا أعرف إن كان من يشرفون عليه أطباء من الأساس، لكنهم كانوا أقرب إلى جزارين"، على حد وصفه. "أخضع حالياً لعلاج السكري بحقن الأنسولين بسبب ما تعرضت له من ضغوط داخل هذه المصحة"، ويضيف علاء "بعد هربي من المصحة عدت إلى تعاطي الحشيش والهيدرو على فترات".
وبينما توجد في مصر 284 مصحة مرخصة لعلاج الإدمان موزعة على المحافظات، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، تنتشر المصحات غير المرخصة من دون الالتزام بأي اشتراطات، وبعيداً من أعين الرقابة. ويشرف على غالبيتها متعافون سابقون من الإدمان، يستغلون شبكة علاقاتهم لجذب زبائن جدد، والوصول إلى قاعدة أوسع، عبر تداول قصص تعاف سريعة بين المدمنين.
وتتعددت الأسباب التي تدفع شريحة واسعة من المدمنين إلى اللجوء إلى المصحات غير المرخصة، إذ يقول أيمن حسام، معالج إدمان بإحدى الجهات الحكومية ومتعاف سابق من الإدمان "العلاج الإلزامي ونقل المدمنين بالإجبار عبر هذه المصحات من منازلهم غالباً ما يكون الحل الذي يلجأ إليه الأهل غير القادرين على إقناع أبنائهم بالعلاج طواعية، وتلجأ هذه الأسر لمن يعملون في المصحات غير المرخصة لنقل ذويهم المدمنين وشحنهم بالقوة لتلقي العلاج".
ثغرة مستغلة
حين توجهت "اندبندنت عربية" إلى أحد المسؤولين في صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، الذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، لسؤاله حول ما إذا كان المدمن في المراحل المتقدمة يمتلك الوعي والإدراك الكافيين للموافقة على العلاج، أجاب "لا يمكن قبول العلاج إلا بموافقته، حتى لو كانت هذه الموافقة ضمنية"، ويضيف المصدر أن الصندوق لا يعتمد العلاج القسري، وإن جرى اللجوء إليه أخيراً في حالات محددة وبشروط صارمة، بينما في المصحات غير المرخصة، حيث ينقل المرضى قسراً، ويقيد بعضهم لشحنهم إلى المصحات.
وبحسب ما يؤكده المصدر هذا هو الفارق الجوهري بين المرخص وغير المرخص، إذ "يشترط العلاج داخل الصندوق موافقة المريض وقدومه برغبته، حتى وإن كانت تلك الرغبة محدودة بنسبة واحد في المئة".
تواصلنا مع أستاذ علاج السموم والإدمان بجامعة القاهرة نبيل عبدالمقصود، الذي يمتلك إحدى المصحات المرخصة، وبسؤاله عن الثغرة المتعلقة بضرورة موافقة المدمن على الخضوع للعلاج، قال "هي مدارس، الأصل أن يكون العلاج برغبة المريض، إلا إذا كانت هناك خطورة حقيقية في تصرفاته. في هذه الحالات يحصل بعضهم على إقرار من أقاربه من الدرجة الأولى، لكنني شخصياً لا أعمل بهذه الطريقة، ولا أقبل سوى المريض الذي لديه رغبة في العلاج. وأختار من أريد، حتى أضمن وجود نية حقيقية للتعافي".
وتمثل مسألة موافقة المدمن على العلاج عقبة رئيسة في مواجهة الإدمان، خصوصاً في المراحل المتقدمة التي يفقد فيها الفرد الوعي والإدراك الجزئي أو الكلي، نتيجة تأثير المواد المخدرة على الدماغ ووظائفه العقلية. وفي حين يشترط في غالبية الحالات بالمصحات المرخصة وجود موافقة المدمن الواعية قبل بدء أية خطة علاجية، لضمان التزامه بالإجراءات وضمان فعالية العلاج، وهو شرط يحمي حقوقه القانونية والصحية. فإن هذا الشرط، على رغم أهميته، يفتح الطريق أمام الأهل الذين لا يستطيعون إقناع أبنائهم بالخضوع للعلاج طواعية، فيتجهون إلى المصحات غير المرخصة التي تتجاوز شرط الموافقة، وتذهب لإحضار المدمن بالقوة. وبهذا، تتحول المصحات غير المرخصة إلى خيار متاح للعائلات الباحثة عن حل عاجل، على رغم الأخطار الجسيمة الناتجة من غياب الرقابة والإشراف الطبي.
لا تسأل عن البروتوكول العلاجي
يوضح مصدر في صندوق مكافحة وعلاج الإدمان لـ"اندبندنت عربية" أن البروتوكولات العلاجية في الأساس متشابهة، لا سيما في مرحلة سحب السموم التي تستغرق الأيام الـ10 الأولى، إذ توجد إجراءات متفق عليها تتعلق بالسلامة والصحة المهنية وحقوق المريض، إضافة إلى أسس العلاج نفسها، والمصحات المرخصة لا تحصل على الترخيص إلا بعد اعتماد بروتوكولاتها وصورتها العامة، والتأكد من توافر معايير الصحة والسلامة المهنية بصورة كاملة، بينما تعمل المصحات غير المرخصة "تحت بير السلم"، غالباً من دون وجود أطباء أو استشارات طبية حقيقية، ولا بروتوكول علاجي معتمد.
ويضيف أن العلاج داخل المراكز المرخصة يفرض نظاماً صارماً يشمل مواعيد للحضور، والاستيقاظ والنوم، وممارسة الرياضة، وتنظيم الوقت، وهو ما لا يتقبله كثير من المدمنين بطبيعة مرضهم الذين يتجهون إلى غير المرخص.
ويمتلك صندوق مكافحة وعلاج الإدمان 34 مركزاً علاجياً يقدم خدماته بالمجان تماماً، وبحسب المصدر العائق في الغالب ليس مادياً، إنما في فترات الانتظار، كاشفاً عن أن الصندوق قدم خدمات علاجية لأكثر من 160 ألف مريض خلال عام 2025 عبر 34 مركزاً، في وقت تستقطب فيه المصحات غير المرخصة المرضى في مقابل مبالغ زهيدة، ما يترتب عليه أوضاع إيواء "غير آدمية"، مؤكداً في المقابل أن المراكز المرخصة تعمل بطاقتها الكاملة، ولا توجد بها أماكن شاغرة.
رصدت "اندبندنت عربية" عبر محركات البحث التقليدية تعدد وقائع ضبط المصحات غير المرخصة، وكان أبرزها في ديسمبر 2025، عندما أظهر مقطع فيديو هرباً جماعياً لعشرات النزلاء من مصحة غير مرخصة في المريوطية بالجيزة. وأكدت وزارة الصحة المصرية لاحقاً أن المنشأة تمارس نشاطاً غير قانوني وتنتحل صفة منشأة طبية من دون ترخيص، مخالفة لقانون المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 وقانون الصحة النفسية رقم 71 لعام 2009.
ولم تمر أيام على البيان حتى اندلع حريق في مصحة أخرى في بنها أسفر عن مصرع وإصابة عدد من الأشخاص، وتشير بيانات الوزارة إلى إغلاق أكثر من 112 منشأة غير مرخصة خلال النصف الأول من 2025 في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والإسماعيلية والفيوم.
العودة للإدمان
يروي مصطفى، (اسم مستعار) ابن عمة أحد المدمنين، كيف دخل قريبه مصحة غير مرخصة وخرج منها بحال أسوأ مما كان عليه. ويقول لـ"اندبندنت عربية" إن التغير بدأ بعد خروجه من المصحة، إذ أصبح منعزلاً تماماً، وانقطعت علاقاته بأصدقائه، وبدا مشتتاً على الدوام.
قبل إدخاله المصحة، بحسب مصطفى، لم يكن قريبه في وعيه الكامل نتيجة تعاطيه مخدر الشبو. "كان يعيش في عالم من الخيال، يتقمص شخصيات غير حقيقية، مرة ضابط، ومرة مستشار، وأحياناً رئيس جامعة، ويدخل على الناس ويتحدث إليهم كأنه مسؤول". ويضيف أن حالته تطورت إلى سلوك عنيف وخطر، "تعدى بالضرب على والدته، وكاد يقتلها، وخنق شقيقه، وأمسك بسكين عندما حاولنا الدخول عليه الغرفة، مما دفع الأسرة للبحث عن أي مكان يقبله للعلاج".
يقول مصطفى "استعنا بأشخاص لتقييده ونقله بالقوة إلى مصحة غير مرخصة، في مقابل ألف جنيه يومياً" على رغم ذلك، يؤكد مصطفى أن تجربة المصحة لم تحقق تعافياً. "ما زال تائهاً طوال الوقت، وعاد يتعاطى المخدرات بعد خروجه. أنا لا أرى أنه تعالج، لكن والدته لا تعلم بعودته للمخدرات، وما زالت تصرف له أدوية العلاج".
"زادت صفاته السلبية، أصبح يخاف من أي شيء. مشيته تغيرت، شكله تغير، أسلوبه وكلامه تغيرا، وجسده يرتعش طوال الوقت. شخصيته لم تشهد هذا التحول حتى خلال المرحلة المتقدمة من الإدمان، لكن التغير الكامل حدث بعد خروجه من المصحة".
بحسب مصطفى، يصرف له دواء هالوبيريدول لعلاج الهلاوس المرتبطة بالتعاطي، إلى جانب دواء بيبيريدين لتقليل الآثار الجانبية، في محاولة للسيطرة على أعراض لم تعالج داخل المصحة.
من داخل المصحات غير المرخصة
تقول مشرفة سابقة في إحدى المصحات غير المرخصة، لـ"اندبندنت عربية"، إنها عملت داخل المكان لمدة ثلاثة أشهر فقط، لكنها شهدت خلالها ممارسات لم تكن تتخيل وجودها. وتوضح أنها لم تحتمل الاستمرار بعد ما رأته من إهمال وسوء معاملة ممنهجة.
تروي أن الطعام كان سيئاً إلى حد غير آدمي، ووجبات رديئة بكميات غير كافية، أحياناً يحرم المرضى من الأكل تماماً، على رغم أن مرحلة التوقف عن التعاطي تتطلب تغذية جيدة. وتقول إن الإدارة لم تكن تهتم بذلك، وكان الحل الدائم هو أدوية مهدئة أو منومة، بهدف إسكات المرضى وإبقائهم تحت السيطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحسب شهادتها، كانت المصحة تضم مخصصة للفتيات "كانوا يكسرون ثقتهم في أنفسهم عمداً"، وتضيف أن المرضى يتعرضون لاستغلال مادي، تشرح المشرفة السابقة أن المدمن يصل إلى المصحة وهو في حالة نفسية سيئة، وحين يبدأ التعافي يكون في حاجة إلى تأهيل نفسي واجتماع يساعده في استعادة قدرته على التعامل مع الناس والحياة. لكن ما يحدث، وفق روايتها، هو العكس تماماً. "كانوا يهدمون ما تبقى فيهم نفسياً، حتى يظلوا مرتبطين بالمصحة، فاقدين الثقة في أنفسهم". وتشير إلى أن أقل كلفة شهرية للإقامة كانت 15 ألف جنيه، في مقابل خدمة تصفها بأنها تفتقر لأبسط أسس العلاج والرعاية.
"العالم يواجه تصاعداً مستمراً في معدلات الإدمان، بينما يعاني نقصاً حاداً في عدد الأسرة المخصصة للعلاج"، يقول عبدالرحمن حماد، المدير السابق لوحدة الإدمان بمستشفى الصحة النفسية بالعباسية، مفسراً أن تقرير المخدرات العالمي يقدر أن كل سبعة مرضى إدمان يتاح لهم سرير علاجي واحد فقط على مستوى العالم، بينما تصل النسبة في أفريقيا إلى سرير واحد لكل 11 مريضاً.
ويتابع حماد "كثير من الأسر تفاجأ باكتشاف إدمان أحد أفرادها، وتصاب بصدمة تدفعها للبحث سريعاً عن أي مكان متاح للعلاج، غالباً عبر معارف أو وسطاء، بخاصة مع فترات الانتظار الطويلة داخل المصحات المرخصة، سواء في القطاع الحكومي أم الخاص".
شبكة علاقات المدمنين المتعافين
في حين يقول المدمن المتعاف أيمن حسام، الذي يعمل مشرفاً علاجياً بأحد الجهات الحكومية، "مشكلة المصحات غير المرخصة تكمن في أن همها الأساس هو المكسب وليس العلاج. وإذا كانت إجراءات الترخيص سهلة، لتمكن كثيرين من إنشاء مراكز قانونية مع رقابة فعالة. وتتطلب وجود فريق علاجي كامل يشمل أطباء واختصاصيين وتمريضاً، إضافة إلى مدمن متعاف. بينما المصحات غير المرخصة تتجنب هذه التكاليف، وتعتمد على التداوي الذاتي أو خبرة مدمن متعاف، وتبحث غالبيتها عن المكسب فقط، لتتحول في النهاية إلى غرف احتجاز مزدحمة بأسرة متكدسة فوق بعضها، مع غياب الاهتمام بالنظافة الشخصية".
“المصحات غير المرخصة غالباً غير آدمية من ناحية ظروف الإقامة، وأماكن الإقامة غير مريحة، وعدد كبير من النزلاء يضطرون إلى مشاركة غرفة صغيرة، وكلفة الإقامة قد تصل إلى 3 آلاف جنيه في الشهر، أي نحو 100 جنيه في اليوم، وهو مبلغ غير كاف حتى لتغطية الدواء أو الطعام أو السجائر. غالبية المصحات تضع المياه على الوجبات لزيادتها، والأطعمة الأساسية بصورة محدودة، وفق شهادات النزلاء، مما يتطلب تسهيل إجراءات الترخيص للرقابة عليها".
وانتقل بحديثه إلى بعض متطلبات الرقابة في المصحات المرخصة "التركيز يكون على التهوية ومساحة الغرف وعدد الأسرة، وأمور أخرى بسيطة، لكن مهمة ومنها استخدام دش المياه من دون وصلة للحد من أخطار الانتحار، وعدم الاعتماد على الزجاج في أماكن مكشوفة، وأن تكون طفايات الحريق معلقة وليس على الأرض، هذه الإجراءات لا تلتزم بها غالبية المصحات غير المرخصة".
ويشرح أستاذ علاج السموم والإدمان بجامعة القاهرة نبيل عبدالمقصود، الذي يمتلك إحدى المصحات المرخصة، أن من بين الاشتراطات الأساسية للترخيص أن يكون المكان مطابقاً لمعايير السلامة، بما يشمل سلامة المبنى، وتأمين المرضى والعاملين، وتوفير التخصصات الطبية المطلوبة، لكن بعض من يتجهون إلى إنشاء مصحات غير مرخصة يستخدمون مسارات غير قانونية لعجزهم عن تطبيق الشروط كاملة.
"من يلجأون للعلاج لا تكون لديهم دراية بإجراءات الترخيص، لكنهم يقارنون بين فروق الأسعار، والمصحات غير المرخصة لا تعتمد على أطباء متخصصين، بل على خبرات شخصية، وغالباً ما يديرها مدمنون متعافون. ومواجهة هذه الظاهرة تتطلب تغليظ العقوبات على من ينشئون مصحات غير مرخصة، مع تطبيقها بصورة سريعة ورادعة".
المشكلة تكمن وفق عبدالمقصود في أن بعض من ينشئون مصحات لا يمتلكون المؤهلات أو المواصفات التي تطلبها وزارة الصحة، ولا تتوافر لديهم المقومات اللازمة للحصول على الترخيص.
وهو ما يذهب إليه أيضاً المدير السابق لوحدة الإدمان بمستشفى الصحة النفسية بالعباسية عبدالرحمن حماد الذي أوضح لـ"اندبندنت عربية" أن المصحات غير المرخصة تقدم خدماتها من دون استيفاء المعايير أو الحد الأدنى من الاشتراطات القانونية، ومن دون موافقة الجهات المختصة، في مخالفة جسيمة. "انتشارها يعود لكون أن العلاج وفق الاشتراطات الصحيحة مكلفاً، يحتاج إلى فريق علاجي متكامل من أطباء واختصاصيين وتمريض، ومكان مجهز يوفر رعاية صحية مناسبة، وهو ما لا تلتزم به هذه المصحات، فتقدم خدمات أقل كلفة ومن دون انتظار طويل".
ويوضح حماد أن الترخيص السليم يتطلب موافقات من النقابات المختصة، والمجلس القومي للصحة النفسية، وإدارة العلاج الحر، إلى جانب توافر فريق علاجي كاف مقارنة بعدد المرضى، وأماكن جيدة التهوية، وطعام مناسب، ومعايير مكافحة العدوى، وإتاحة الأدوية النفسية. ويضيف "كثير من المصحات غير المرخصة لا توفر هذه الشروط، وإذا حاولت الالتزام بها سترتفع كلفة الخدمة".
ويختم حماد بالقول "من الضروري تسهيل وتسريع إجراءات الترخيص للمصحات التي تستوفي المعايير وتقنين أوضاعها، خصوصاً مع تعدد الجهات المانحة للتراخيص. بعض المستشفيات الحكومية لا تسمح بالحجز من دون رغبة المريض في حالات صحية حرجة، مثل الجرعات الزائدة، وتشترط موافقته، وهو أمر بحاجة إلى حلول".
سيطرة على الورق
وبينما يؤكد مسؤولون في مصحات مرخصة وجود عجز في توفير أماكن للعلاج، يشدد المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبدالغفار على أن عدد المصحات المرخصة كاف جداً. ويضيف لـ"اندبندنت عربية" أن من يلجأون إلى المصحات غير المرخصة يفعلون ذلك خوفاً من الوصمة، ويفضلون التوجه إلى أماكن مجهولة حتى لا يعلم أحد بأمرهم.
وأوضح عبدالغفار أن وزارة الصحة تشرف على العلاج داخل المصحات المرخصة، ويخضع البروتوكول العلاجي للمتابعة، في ظل وجود عدد كاف من الجهات الرقابية، تشمل المجلس القومي للصحة النفسية، والأمانة العامة للصحة النفسية، والإدارة المركزية للعلاج الحر والتراخيص.
وبسؤاله عن أسباب ارتفاع أعداد المصحات غير المرخصة وعدم ضبطها، قال "عدد ضباط المرور كاف، فهل يضبطون كل من يسير من دون رخصة؟ (بالطبع لا). يتم ضبط المخالفة عند إيقاف المخالف، لكن المشكلة أن الناس تذهب إلى أماكن من دون أن تسأل أصلاً عما إذا كانت مرخصة أم لا".
بينما يلقي متحدث وزارة الصحة مسؤولية التحقق من التراخيص على عاتق العائلات عند اختيار مركز العلاج، تبقى حالات مثل علاء أسرى تجاربهم داخل المصحات غير المرخصة، ويعود بعضهم تدريجاً للإدمان. ومع تزايد الحاجة الملحة إلى العلاج، تتجه العائلات نحو مراكز تفتقر للرقابة الطبية، فتفتح هذه المصحات أبوابها مجدداً مستغلة الحاجة بوعود التعافي السريع وأساليب منخفضة الكلفة.