Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إما الهروب أو الموت... مراكز لـ"تعذيب المدمنين" في مصر

معظمها غير مرخص وغياب الرقابة والإشراف الطبي يعرضان المرضى للخطر ومطالبات برلمانية بشن حملات تفتيشية

أعلنت وزارة الصحة المصرية إغلاق 4 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان بمحافظة الشرقية شمال القاهرة (أ ف ب)

أن يكتشف رب الأسرة إدمان ابنه المخدرات، هي صدمة كبرى، ما إن يفيق من سكرتها حتى يبدأ في التفكير بشكل عملي، ويكون أول ما يهتدي إليه هو اللجوء إلى مراكز علاجية لإنقاذ ولده والحفاظ على حياته، لكن الكثير من تلك المراكز غير مرخصة، وتتبع أساليب غير آدمية في العلاج، وقد يصل الأمر إلى التعذيب، ومن ثم يكون مصير المدمن هو الموت وليس العلاج، في أغلب الأحيان، وفق ما كشفت عنه عديد من الوقائع المتكررة في مصر.

وتجذب إعلانات ممولة على مواقع التواصل الاجتماعي للمصحات أسر المدمنين لإيداع أبنائهم على أمل العلاج، وتبدأ رحلة الاستنزاف المادي، بعد إقناعهم بضرورة إيداعهم لأشهر عدة في المصحة، التي عادة ما تكون في مناطق على أطراف المدن بعيداً من الرقابة، لكن المدمن المريض يفاجأ بغياب الأطباء وعدم اتباع أساليب علمية في العلاج، وكثيراً ما تُستخدم أساليب الضرب والكي وغيرها من التعذيب، وفق شهادات ناجين من تلك المراكز، ما يدفع المرضى للهرب، قبل أن يفقدوا حياتهم.

الهرب من المصحة

في يناير (كانون الثاني) الماضي، داهمت قوات الأمن المصري "فيلا" بمنطقة أبو النمرس جنوب محافظة الجيزة، بعد أن أدارها مالكها كمركز طبي لعلاج الإدمان من دون ترخيص، وتبين احتجازه 85 من متعاطي المواد المخدرة بداخلها، وإعطاؤهم عقاقير من دون استشارة طبية، وذلك نظير مقابل مادي، وفقاً لبيان وزارة الداخلية المصرية.

وأقر المحتجزون خلال تحقيقات الجهات الأمنية أنهم جاؤوا للمكان عن طريق أسرهم رغماً عنهم، وأن القائمين على إدارة المكان يقيدونهم بالحبال ويعتدون عليهم بالضرب. وأشار الأمن المصري إلى أنه بمواجهة المتهمين اعترفوا بإدارة المكان كمنشأة طبية لعلاج الإدمان مقابل مبالغ مالية شهرية، ومزاولة مهنة الطب والصيدلة من دون ترخيص، وصرف أدوية للنزلاء من دون استشارة طبية، وأن الحبال والعصي المضبوطة تستخدم في تكبيل النزلاء، وإجبارهم على تناول الأدوية المهدئة للسيطرة عليهم.

ومن الوقائع الشهيرة لمصحات علاج الإدمان، كانت غرق كريم شقيق المطرب رامي صبري، في ترعة المريوطية بمحافظة الجيزة، في أثناء محاولة الهرب من مصحة بمنطقة البدرشين، في يوليو (تموز) العام الماضي. وذكرت تحريات الأجهزة الأمنية حينها أن المتوفى جرى إيداعه في المصحة رغماً عنه قبل 24 ساعة فقط من محاولته الهرب التي انتهت إلى غرقه، وأغلقت الجهات الأمنية المصحة.

ضرب وتعذيب

وأرجع المشرف العام على الخط الساخن بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، أحمد كتامي، لجوء أسر المدمنين للمصحات المخالفة، إلى اعتقادهم بأن المستشفيات الحكومية تحتجز المريض، ولديها طابور طويل للانتظار، إضافة إلى ارتفاع أسعار المصحات الخاصة المرخصة، مستدركاً، "إلا أن تكلفة تلك المصحات غير المرخصة لا يعد قليلاً، ويتراوح بين 3 و10 آلاف جنيه شهرياً، 160 و532 دولاراً أميركياً".

وفي مطلع يونيو (حزيران) الجاري، أعلنت وزارة الصحة المصرية إغلاق 4 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان بمحافظة الشرقية شمال القاهرة، خلال حملة تفتيشية، حيث خلت من الاشتراطات الصحية والفرق الطبية، ويديرها أشخاص غير مؤهلين، وكان يعالج بداخل تلك المراكز 129 شخصاً، منهم من ظهرت عليه آثار تعذيب وضرب بـ"الكرباج". وتتكرر دائماً في تلك الأماكن الشكاوى من التعرض للصعق بالكهرباء والضرب والربط بالحبال والإجبار على القيام بأعمال التنظيف، ولجأ شاب للانتحار هرباً من تلك الأوضاع في عام 2019. ويجرم قانون الصحة النفسية احتجاز مريض الإدمان رغماً عنه.

علاج خاطئ

ويشير أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، سعيد عبد العظيم، إلى أن مراكز علاج الإدمان الخاصة تغيب عنها الرقابة للتأكد من وجود إشراف طبي، وبرنامج يحقق هدف الإقلاع عن الإدمان، حيث تتحول إلى "تجارة" لتحقيق مكاسب على حساب حياة هؤلاء الأشخاص، ولفت إلى أنه أحياناً تتسرب مواد مخدرة للخاضع إلى العلاج، ما قد يؤدي لمصرعه، بسبب تناول كميات كبيرة من المخدرات بعد فترة انقطاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما يؤكد مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، علاء عثمان، أن المراكز غير المرخصة تعالج المريض بشكل خاطئ، من خلال الاعتماد الكلي على علاج إجباري، وذلك على عكس اتباع العلاج التطوعي في الأماكن المعتمدة، وهذا يفسر وجود أسوار في الأماكن غير المرخصة التي "لا تعي أنه على مستوى العالم يكون العلاج بلا أسوار، وأن الدافع في العلاج هو رغبة المريض وتحفيزه".

وبحسب عثمان، فإن الخط الساخن للصندوق، استقبل نحو 50 ألف شخص في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى أبريل (نيسان) الماضيين، واستقبلهم 28 مركزاً علاجياً تابعين للصندوق في 17 محافظة على مستوى الجمهورية، موضحاً في تصريحات صحافية أن أغلب المتعاطين تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة، بنسبة نحو 40 في المئة، بينما بدأ 38 في المئة التعاطي بين العشرين والثلاثين من العمر.

وأوضح عثمان أن نسبة تعاطي المواد المخدرة في مصر بلغت 5.9 في المئة، متراجعة بشكل ملحوظ عن النسب التي سجلتها قبل 7 سنوات، إذ كانت قد وصلت لأعلى معدلاتها عام 2014، بحدود 10 في المئة للشريحة العمرية من 15 لـ 60 سنة، بينما بلغت نسبة الإدمان 2.4 في المئة، ودعا عثمان المواطنين لعدم التوجه لتلك المصحات غير المرخصة التي قد تودي بحياة ذويهم، مؤكداً أن صندوق علاج الإدمان يضمن للمقبلين على العلاج جميع سبل الحماية والسرية التامة لحين التخلص من الإدمان نهائياً.

التفتيش

وتشن وزارة الداخلية وإدارة المؤسسات العلاجية غير الحكومية التابعة لوزارة الصحة حملات على مراكز علاج الإدمان غير المرخصة، كان آخرها إعلان أجهزة الأمن بمحافظة الجيزة قبل أيام غلق 7 مراكز وضبط المسؤولين عنها.

لكن عضو مجلس نقابة الأطباء خالد أمين أكد في تصريحات صحافية، أن قطاع العلاج الحر بوزارة الصحة لديهم مشكلة في عدد العاملين به، ما يجعل التفتيش على العيادات والمراكز الطبية تحدث بنسب قليلة نسبياً، على الرغم من كونها الجهة المنوطة في الضبطية القضائية على منتحلي ومزوري صفة أطباء.

كما يتلقى صندوق مكافحة وعلاج الإدمان اتصالات من مواطنين يخبرونهم بوجود مصحات غير مرخصة، يعلمون بشأنهم من صراخ المرضى، وينسق الصندوق مع جهات الأمن لمداهمتها، كما يجري العاملون في الصندوق التابع لوزارة التضامن الاجتماعي عمليات تفتيش على مراكز علاج الإدمان، حيث جرى تفتيش 84 مركزاً خلال عام 2019، وفق تصريحات صحافية للمشرف العام على الخط الساخن بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان.

اشتراطات السلامة

ويحدد القانون ضوابط لمطابقة المراكز للشروط الصحية، ومنها أن يكون المركز الخاص به وحدة سكنية مستقلة، وغرف كشف جيدة الإضاءة والتهوية وكاملة التجهيزات، ومكان مخصص للانتظار مناسب للمرضى ومكتمل الخدمات، ويكون مدير المركز طبيباً ومالكه طبيباً ومن يعمل به أطباء.

وهناك اشتراطات خاصة بالسلامة في مراكز علاج الإدمان والطب النفسي، مثل وجود قضبان حديدية على المنافذ، وألا يوجد بها آلات حادة يمكن أن يستخدمها المريض في الإضرار بنفسه، وعدم وجود أسلاك كهربائية أو حبال يمكنه خنق نفسه بها، ولا بد من وجود جرس أو تلفون داخل الحمام، وفي حالة وجود علاج بجلسات كهربائية يشترط وجود غرفة للرعاية المركزة تجنباً للطوارئ.

العقوبة

ويعاقب القانون المصري من يزاول نشاطاً طبياً قبل الحصول على ترخيص بغلق المنشأة، ويجوز للقاضي أن يوقع غرامة لا تقل عن ألف جنيه (53.26 دولار) ولا تزيد على 50 ألف جنيه (2663 دولاراً)، كما يعاقب القانون من أدار منشأة طبية سبق الحكم بغلقها من دون زوال سبب الغلق بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (532.6 دولار) ولا تزيد على 20 ألف جنيه (1065 دولاراً) أو بإحدى العقوبتين.

ووصلت أصداء ظاهرة المراكز غير المرخصة لعلاج الإدمان إلى البرلمان المصري، حيث وصفها محمد عبدالله زين، عضو مجلس النواب، بالكارثة التي أدت لزيادة عدد المدمنين، مؤكداً أنها متاجرة بهؤلاء الشباب، وذلك في طلب إحاطة قدمه لرئيس المجلس حنفي جبالي لتوجيهه إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، مطالباً بشن حملات مفاجئة ومكثفة على مثل هذه المراكز التي تدمر صحة الشباب من المدمنين، ومشدداً على ضرورة تطبيق أشد العقوبات على المخالفين.