ملخص
يرى حقوقيون ومهتمون بشؤون الهجرة أن المهاجرين الأفارقة السريين الذين يتحينون الهجرة البرية عبر الحدود مع الجزائر، أو عبر سياجات مدينتي سبتة ومليلية، يكابدون ظروفاً معيشية مزرية تكشف عن "اختلالات عميقة في طريقة تدبير قضايا الهجرة على المستويين الإقليمي والدولي".
يواجه العديد من المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ظروفاً إنسانية قاسية قرب الحدود المغربية - الجزائرية، بسبب رداءة الطقس وتزايد موجات البرد الشديد، التي أفضت في الفترة الأخيرة إلى وفاة مهاجرين أفارقة في غابة "رأس عصفور" المحاذية لمنطقة تويسيت الجبلية قرب إقليم جرادة.
ويرى حقوقيون ومهتمون بشؤون الهجرة أن المهاجرين الأفارقة السريين الذين يتحينون الهجرة البرية عبر الحدود مع الجزائر، أو عبر سياجات مدينتي سبتة ومليلية، يكابدون ظروفاً معيشية مزرية تكشف عن "اختلالات عميقة في طريقة تدبير قضايا الهجرة على المستويين الإقليمي والدولي".
"رأس عصفور" يتألم
تتابع جمعيات حقوقية أوضاع المهاجرين غير النظاميين قرب الحدود البرية مع الجزائر، خصوصاً بعد وفاة أكثر من 13 مهاجراً، وفق مصادر حقوقية متطابقة، جراء البرد القارس في تلك المناطق الجبلية، دُفن بعضهم في مقابر إقليم جرادة، بينما جثث آخرين تنتظر التأكد من هوياتهم.
وتعمل الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة على تحديد هويات هؤلاء المهاجرين الأفارقة الضحايا واستكمال جميع الإجراءات القانونية والإدارية والتقنية، قبل دفنهم في مقابر جرادة، آخرهم دفن مهاجر من غينيا كوناكري، يدعى مامادو ديارا، توفي بمنطقة رأس عصفور.
ووفق الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة، فإن غابة رأس عصفور مكان شديد البرودة، ويزداد قساوة في فصل الشتاء، خصوصاً في فترة الليل التي تتسم بطقس بارد حيث تنخفض الحرارة درجات عدة تحت الصفر.
وتبعاً لحسن عماري، رئيس الجمعية المذكورة، فإن المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا يصلون إلى غابة رأس عصفور في رحلة منهكة ومتعبة، في انتظار اقتناص فرصة للهجرة عبر الحدود البرية، غير أنهم يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة تتمثل في انعدام الزاد والغذاء، وهو ما يعرضهم لفقدان القدرة على الحركة، ثم الوفاة بعد ذلك.
من جهتها، تعتزم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (كبرى المنظمات الحقوقية في البلاد)، تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان بالعاصمة الرباط يوم الـ18 من يناير (كانون الثاني) الجاري، حداداً على أرواح المهاجرين الأفارقة ضحايا البرد والإهمال، وأيضاً للتنديد بالظروف غير الإنسانية التي يعيشها هؤلاء المهاجرون، ولمطالبة الحكومة بضمان احترام حقوقهم الأساسية.
كلفة إنسانية جسيمة
يقول في السياق جمال الدين ريان، رئيس مرصد التواصل والهجرة، إن الهجرة غير النظامية للمهاجرين الأفارقة في المغرب، بخاصة أولئك الذين يحاولون اجتياز الحدود أو سياجات مدينتي سبتة ومليلية، تحمل كلفة إنسانية كبيرة تتجلى في معاناة جسدية وصحية شديدة، تفضي أحياناً إلى وفيات، كما حصل أخيراً قرب الحدود المغربية - الجزائرية.
وأفاد ريان بأن هذه الأوضاع تعكس ضعف الحماية الصحية وغياب الدعم الطبي اللازم، ويجعل هؤلاء المهاجرين عرضة للأمراض والوفيات. إلى جانب أنهم يعيشون في ظروف معيشية قاهرة، غالباً في أماكن غير آمنة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية مثل الماء الصالح للشرب والغذاء والمأوى، مما يزيد من معاناتهم اليومية ويحول دون عيشهم بكرامة.
واستطرد الفاعل الحقوقي ذاته بأن المهاجرين الأفارقة غير النظاميين يواجهون أخطار التعرض للعنف من شبكات تهريب البشر والشرطة، وأحياناً من السكان المحليين، إلى جانب تعرضهم للاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، الشيء الذي يعمق أزمتهم الإنسانية.
ولفت ريان إلى أن "هؤلاء المهاجرين غالباً ما يعيشون في حالة من اللاشرعية القانونية، مما يحرمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والعمل والرعاية الصحية، ويجعلهم يعيشون في خوف مستمر من الترحيل أو الاعتقال"، مردفاً أن رحلة الهجرة غير النظامية تترافق مع أعباء نفسية كبيرة تتمثل في القلق والخوف والاكتئاب، خصوصاً مع تكرار حالات الفشل في اجتياز الحدود أو التعرض للاعتقال.
وذهب ريان إلى أن التقارير الأخيرة سجلت حالات وفاة متكررة بسبب البرد القارس قرب الحدود المغربية - الجزائرية، كذلك وثقت منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية أوضاع المهاجرين المزرية وغياب الحماية القانونية، بينما تقدم الشهادات الميدانية لمهاجرين سابقين وحاليين أدلة على "العنف والاستغلال الذي يتعرضون له أثناء محاولتهم العبور"، مبرزاً أن "هذه الكلفة الإنسانية الجسيمة تفرض على الجهات المعنية اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لحماية حقوق هؤلاء المهاجرين وضمان ظروف حياة كريمة لهم".
غياب سياسات منصفة للهجرة
من جهته، يرى عبد الإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، أنه من "زاوية إنسانية، تبرز إشكالية اعتماد مقاربات قائمة أساساً على الردع والإبعاد في حق المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بدل الحماية والمواكبة".
ويشرح الخضري قائلاً: "ترحيل المهاجرين إلى مناطق نائية، أو تركهم لمواجهة البرد القارس والصحراء من دون مأوى أو إسعاف، أمر يتنافى مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني ومع القيم الكونية لحقوق الإنسان".
واسترسل الحقوقي نفسه بأن "المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء يواجهون هشاشة مضاعفة نتيجة الفقر، والصدمات النفسية والتمييز وغياب أي سند قانوني أو اجتماعي، ما يزيد من احتمال تعرضهم للاستغلال أو الموت في صمت".
هذه المآسي، يكمل المتحدث، "دليل على أن قضية الهجرة ليست قضية أمنية فقط، بل هي قبل كل شيء قضية إنسانية وحقوقية. فالمسؤولية مشتركة تتحملها دول العبور ودول الاستقبال في آن، كذلك المجتمع الدولي الذي لم ينجح بعد في إرساء سياسات عادلة ومنصفة للهجرة والتنمية".
وخلص الخضري إلى أن "استمرار سقوط الضحايا في المناطق الحدودية يشكل مساساً بمبدأ عالمية حقوق الإنسان، ويستدعي مراجعة عاجلة للسياسات المعتمدة، بما يضمن وضع كرامة الإنسان وحماية حياته في صلب أي مقاربة للهجرة، بعيداً من منطق التجريم والتهميش".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختلالات عميقة
ومن منظور حقوقي، شدد الخضري على أنه لا يمكن النظر إلى وفاة مهاجرين من دول أفريقيا، قرب الحدود المغربية -الجزائرية، بأنها حوادث عرضية أو وقائع معزولة، بل هي تعبير مأساوي عن وضع إنساني شديد الهشاشة، كذلك تؤشر على اختلالات عميقة في طريقة تدبير قضايا الهجرة على المستويين الإقليمي والدولي.
وتابع مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان "نحن أمام أشخاص اضطروا إلى مغادرة بلدانهم هرباً من الفقر والنزاعات وانعدام الاستقرار، ليجدوا أنفسهم عالقين في مناطق حدودية قاسية، محرومين من أبسط شروط العيش الكريم ومن أي حماية فعلية".
وزاد الخضري بأن هؤلاء المهاجرين، مهما كان وضعهم القانوني، يظلون أشخاصاً يتمتعون بحق في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية، وهي حقوق مكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا تسقط بسبب الدخول غير النظامي للبلاد، أو غياب الوثائق".
وأكمل المتحدث بأن "وفاة مهاجرين نتيجة البرد أو الجوع أو العطش تطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الدول بواجبها في حماية الأشخاص الموجودين على أراضيها أو الخاضعين لولايتها الفعلية، خصوصاً عندما يكونون في وضعية هشاشة قصوى".
واسترسل الخضري بأن "المناطق الحدودية، بخاصة في السياق المغربي - الجزائري، تحولت عملياً إلى فضاءات معزولة، بعيدة من أعين الرقابة الحقوقية والإعلامية، إذ يجد المهاجرون أنفسهم محاصرين بين سياسات أمنية متشددة وواقع جغرافي ومناخي قاس". وأردف أنه "في مثل هذه الفضاءات، لا يمارس العنف فقط بصورة مباشرة، بل أيضاً عبر الإهمال وغياب التدخل الإنساني، وهو ما يمكن اعتباره شكلاً من أشكال العنف البنيوي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى إزهاق الأرواح من دون محاسبة واضحة".