Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرأة الحديدية في بنغلاديش... حياة خالدة ضياء وموتها

تركت إرثاً سياسياً متشابكاً بين نضال من أجل الديمقراطية واتهامات بفتح الطريق للفساد والمتطرفين

يرفع أنصارها ملصقات تحمل صورتها وهم ينوحون على وفاتها خارج مستشفى "إيفركير" في دكا، 30 ديسمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

تعد رحلة خالدة ضياء من ربة منزل عادية إلى أن تلقب بـ"المرأة الحديدية في بنغلاديش" فصلاً مهماً في التاريخ السياسي لجنوب آسيا، إذ لم تكن حياتها مجرد قصة سلطة وسياسة، بل قصة كفاح نابعة من مأساة شخصية غيرت المشهد السياسي في بنغلاديش إلى الأبد. وكانت ضياء ثاني رئيسة وزراء في العالم الإسلامي بعد بينظير بوتو، وأظهرت قدراتها القيادية في مجتمع محافظ.

تركت شخصية خالدة ضياء، التي هيمنت على الحياة السياسية في بنغلاديش لأكثر من ثلاثة عقود، وكانت ثاني رئيسة وزراء في العالم الإسلامي بعد بينظير بوتو، ورئيسة الحزب الوطني البنغلاديشي، وراءها إرثاً سياسياً حافلاً بالجدل والمقاومة والتقلبات غير المسبوقة، وكانت تعتبر صديقة مخلصة لباكستان.

وقد أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن حزنه العميق لوفاتها الشهر الماضي، قائلاً "كانت السيدة ضياء صديقة مخلصة لباكستان. تقف حكومتي وشعب باكستان إلى جانب شعب بنغلاديش في هذه اللحظة العصيبة".

وتعد رحلة خالدة ضياء من ربة منزل عادية إلى أن تلقب بـ"المرأة الحديدية في بنغلاديش" فصلاً مهماً في التاريخ السياسي لجنوب آسيا، إذ لم تكن حياتها مجرد قصة سلطة وسياسة، بل قصة كفاح نابعة من مأساة شخصية غيرت المشهد السياسي في بنغلاديش إلى الأبد. وكانت ضياء ثاني رئيسة وزراء في العالم الإسلامي بعد بينظير بوتو، وأظهرت قدراتها القيادية في مجتمع محافظ.

من العزلة إلى السياسة

ولدت خالدة ضياء في عائلة بوتال في الـ15 من أغسطس (آب) 1945 بولاية البنغال في الهند قبل تقسيم شبه القارة الهندية، وقضت سنواتها الأولى بعيداً من السياسة، وفي عام 1960 تزوجت خالدة من ضياء الرحمن الذي كان نقيباً في الجيش الباكستاني، وأصبح في ما بعد رئيساً لبنغلاديش.

خلال حرب عام 1971 بين الهند وباكستان، والتي أسفرت عن انفصال بنغلاديش عن باكستان، لم يكن وضع خالدة ضياء سوى أنها زوجة ضابط في الجيش، ثم السيدة الأولى التي أمضت معظم وقتها حبيسة المنزل تربي أطفالها. ولم يكن أحد ليتوقع في ذلك الوقت أن هذه المرأة الخجولة القليلة الكلام، التي التزمت الصمت حتى في المناسبات، ستشاهد في يوم من الأيام وهي تهتف بشعارات مناهضة للديكتاتورية في شوارع بنغلاديش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليلة الـ30 من مايو (أيار) عام 1981 كانت نقطة تحول في حياة السيدة ضياء، حين اغتيل زوجها ورئيس بنغلاديش آنذاك ضياء الرحمن في انقلاب عسكري بمدينة شيتاغونغ البنغالية، هذه الحادثة أجبرت ضياء على الخروج من عزلتها والانتظام في العمل السياسي، إذ كان حزب بنغلاديش الوطني الذي أسسه ضياء الرحمن يعاني الفوضى في ظل انعدام القيادة، لتصبح زوجته نائبة رئيس الحزب عام 1983، ثم تولت قيادته الكاملة كرئيسة له عام 1984.

اعتقد النقاد في بادئ الأمر أنها لن تستطيع تحمل مشاق السياسة، لكن مقاومتها للديكتاتورية العسكرية للجنرال حسين محمد إرشاد فاجأت الجميع، حيث خرجت إلى الشوارع وتحملت التعذيب ووضعت رهن الإقامة الجبرية أكثر من مرة، لكنها رفضت الخضوع للديكتاتورية، فيما نشطت منافستها الشيخة حسينة واجد خلال هذه الفترة ضمن حركة استعادة الديمقراطية، والتي انتهت بسقوط الجنرال إرشاد عام 1990.

صراع النساء على العرش

بعد سقوط الديكتاتورية بفضل نضال خالدة ضياء وحسينة واجد، تقابلت السيدتان في أول سباق انتخابي عام 1991 الذي شكل نقطة فارقة في تاريخ البلاد، تفوقت ضياء على منافستها واجد لتصبح أول رئيسة وزراء في تاريخ بنغلاديش، وتميزت ولايتها الأولى (1991- 1996) بإصلاحاتها الاقتصادية واهتمامها بتعليم المرأة، إذ كانت سياستها بجعل التعليم الابتدائي للفتيات مجانياً وإلزامياً بمثابة ثورة اجتماعية.

لكن السياسة البنغلاديشية وقعت خلال هذه الفترة ضحية لـ"الصراع على العروش". فقد تحول الخلاف السياسي بين الشيخة حسينة من حزب رابطة عوامي، وخالدة ضياء من الحزب الوطني البنغلاديشي، إلى تنافس شخصي. وتناوبت السيدتان على السلطة، وأثناء وجودهما في المعارضة شلتا البلاد بالإضرابات والاحتجاجات. وقد أدى هذا التنافس المرير إلى انقسام المجتمع البنغلاديشي إلى فصيلين متناحرين.

وفي عام 2001، انتخبت خالدة ضياء رئيسة للوزراء للمرة الثانية بفوز ساحق بعدما شكلت تحالفاً انتخابياً مع الجماعة الإسلامية، مما لاقى انتقادات حادة من الأوساط العلمانية وأيضاً من الجارة الهند. وبينما شهدت ولايتها الثانية نمواً اقتصادياً سريعاً، واجهت حكومتها في الجانب الآخر اتهامات التطرف والفساد، وكان أخطرها تلك التي تثار حول ابنها طارق رحمن مما ألحق ضرراً بالغاً بسمعة خالدة ضياء السياسية.

واجهت بنغلاديش بعد سقوط حكومتها عام 2006 أزمة سياسية، إذ تم تشكيل حكومة تصريف أعمال مدعومة من الجيش، وشكل هذا التغيير بداية سقوط خالدة ضياء التي ألقي القبض عليها وعلى أبنائها بتهم فساد، وواجهت هزيمة ساحقة في انتخابات 2008 بعد إطلاق سراحها، على يد الشيخة حسينة.

وتوالت المصائب السياسية والشخصية في تلك الفترة على السيدة، إذ توفي ابنها الأصغر عرفات رحمن كوكو في المنفى، مما شكل صدمة كبيرة لها، وفي عام 2018 حكم عليها بالسجن في قضية فساد "مؤسسة ضياء للأيتام". كانت تلك الأيام المريرة الفترة الأصعب في حياتها السياسية، حيث أرهقتها الأمراض والعزلة وأصابتها بكسر في جسدها. بدت وكأنها استسلمت لحكم القدر إلا أن مؤيديها ظلوا يرون فيها المثابرة.

تدهورت صحة السيدة خالدة ضياء في المعتقل، إذ كانت تعاني أمراض الكبد والقلب والكلى، ورفضت حكومة الشيخة حسينة السماح لها بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وهو ما اعتبره الحزب الوطني البنغلاديشي انتقاماً سياسياً.

أطلق سراحها لاحقا بكفالة، ثم سمح لها بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج، ومثلما توالت المصائب عليها قبل أعوام، جاء الفرج مزيناً بالبشارات واحدة تلو الأخرى، إذ أسقطت المحكمة قضايا الفساد الكبرى المرفوعة ضدها عام 2024 بعد إطاحة حسينة واجد.

زمن المفارقات العجيبة

يعتبر أنصار خالدة ضياء قائدتهم "أم الديمقراطية" ورمزاً للقومية البنغلاديشية التي دافعت عن هوية مستقلة واستقلال بنغلاديش في مواجهة النفوذ الهندي. وقد حظيت بشعبية جارفة بين سكان الريف البنغلاديشيين والمحافظين.

من جهة أخرى يتهمها منتقدوها بتعزيز الفساد خلال فترة حكمها، وإدخال المتطرفين الدينيين إلى التيار السياسي السائد، وتقويض العملية الديمقراطية بمقاطعة البرلمان. وقد أدى خلافها المستمر لعقود مع الشيخة حسينة إلى خلق حال من عدم الاستقرار السياسي في بنغلاديش.

مع ذلك، لا ينكر أحد أن خالدة ضياء كانت أحد رموز ومهندسي بنغلاديش الحديثة. فهي المرأة التي لم توحد حزباً منقسماً بعد وفاة زوجها فحسب، بل قادت إحدى أقوى حركات النضال السياسية في البلاد لثلاثة عقود. وتبقى حياتها شاهدة على أن السياسة ليست مجرد أرض ممهدة، بل مليئة بالأشواك، حيث يتبع الصعود هبوط، وغالباً ما يكون السجن والعزلة مصير من يصل إلى السلطة.

ومن المفارقات العجيبة أن خالدة ضياء ثابرت حتى في رحيلها، إذ أبت أن ترحل على رغم مرضها الشديد من دون أن ترى سقوط منافستها حسينة واجد إثر ثورة شعبية عارمة بعد حكم من "قبضة حديدية" دام أكثر من عقدين. وتصدر نبأ وفاة السيدة عناوين الصحف في وقت تستعد بلادها لإجراء أول انتخابات عادلة بعد أعوام طويلة، ويبرز فيها ابنها طارق رحمن كمرشح قوي للرئاسة.

يمثل رحيل خالدة ضياء نهاية فصل طويل مضطرب وعاطفي في تاريخ السياسة البنغلاديشية. سيذكرها التاريخ كقائدة رفضت الاستسلام حتى في أحلك الظروف، حتى لو كان ذلك على حساب حريتها وصحتها.

المزيد من تقارير