Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني اختلاف ترمب عن أسلافه في التعامل مع إيران؟

ظلت السياسة تجاه طهران منذ عام 1979 متأرجحة بين ثلاثة مواقف أساسية

ترمب هو أول رئيس أميركي يوجه ضربات عسكرية مباشرة لإيران (أ ف ب)

ملخص

استخدم الرؤساء الأميركيون سياسة الإكراه عبر إجراءات عدائية مثل العقوبات الاقتصادية أو القوة العسكرية لإجبار قادة إيران على إجراء تغييرات جوهرية، وربما لإسقاط النظام، وهو ما اتبعه الرئيس جورج دبليو بوش والرئيس ترمب في دورته الرئاسية الأولى وفي عامه الأول من دورته الثانية.

منذ سقوط نظام الشاه في إيران وتولي الثورة الإسلامية الحكم عام 1979، تأرجحت السياسة الأميركية تجاه طهران بين ثلاثة مواقف أساسية، هي المشاركة بالحوار لتسوية الخلافات، أو احتواء النظام للحد من سلوك إيران العدائي في المنطقة، أو الإكراه عبر استخدام إجراءات اقتصادية وعسكرية لإجبار قادة النظام على إجراء تغييرات جوهرية، وربما لإسقاط النظام، لكن ترمب الذي شارك جورج دبليو بوش سياسة الإكراه، كان الرئيس الوحيد من بين ثمانية رؤساء أميركيين متعاقبين الذي استخدم القوة العسكرية المباشرة ضد إيران، وهو يهدد الآن باستخدامها مجدداً، وقد يحاول إسقاط النظام إذا لم يحقق أهدافه الاستراتيجية على رغم صعوبة ذلك، فما أبرز جوانب الاختلاف مع أسلافه؟ ومن أين يكتسب هذه الرغبة المحمومة للقيام بخطوة جريئة من شأنها، حسبما يرى، أن تحل مشكلة كثيراً ما أحبطت الرؤساء الأميركيين السابقين؟    

عود على بدء 

في الـ30 من مارس (آذار) الماضي، أي بعد نحو شهرين ونصف الشهر من عودته إلى البيت الأبيض، صرح دونالد ترمب قائلاً "إذا لم يتوصل الإيرانيون إلى اتفاق، فسيكون هناك قصف لم يروا مثله من قبل"، مما عكس رغبة الرئيس الأميركي في إعادة تشكيل منطقة الخليج وفقاً لرؤيته لإجبار إيران على الخضوع غير المشروط لمطالبه السياسية، وبعد أقل من ثلاثة أشهر نفذ ترمب تهديده بقصف المنشآت النووية الإيرانية الثلاث بقاذفات بي-2 الشبحية، ليصبح بذلك أول رئيس أميركي يوجه ضربات عسكرية مباشرة لإيران، مثلما كان في دورته الرئاسية الأولى أول رئيس يتخذ قراراً بقتل أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين وهو قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وأحد المقربين من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

الآن يعود ترمب لتوجيه إنذارات وتهديدات حاسمة للإيرانيين بأنه سيقصف قوات الأمن التي تقتل المتظاهرين في المدن الإيرانية المختلفة، والذين يحتجون على تردي أوضاعهم الاقتصادية وسوء الخدمات والفساد ونقص المياه، وسط توقعات متباينة بأن قصف إيران هذه المرة قد يستهدف إسقاط النظام الذي يطالب به المتظاهرون، وهي خطوة لم يقدم عليها الرؤساء الأميركيون السبعة الآخرون الذين تولوا حكم الولايات المتحدة منذ 47 عاماً، حين بدأ قادة الثورة الإسلامية بتولي الحكم في إيران.

القرار الذي يواجه ترمب الآن حول ما إذا كان سيحاول الإطاحة بحكومة غير ودية، واجهه قادة عسكريون سابقون في دول مثل العراق وكوبا، وكانت له عواقب كارثية، وقد يؤدي إلى تصعيد الصراع وزعزعة استقرار الشرق الأوسط، لكن الإدارة الأميركية أبدت في الوقت ذاته إشارات بأنها منفتحة لجني نتائج دبلوماسية للأزمة الحالية، إذا أظهرت طهران رغبة في التفاوض حول البرنامج النووي، الذي تريد واشنطن امتثالاً واضحاً بالتوقف عن التخصيب النووي على الأراضي الإيرانية والكشف عن مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب لمستوى 60 في المئة.

وإذا استجابت القيادة الإيرانية لهذه المطالب تحت الضغط الأميركي بالقصف، سيكون ترمب قد أثبت للمرة الثالثة أنه نجح في ما فشل فيه أسلافه، مستعيناً باستراتيجية مختلفة تتجاوز الإكراه وتصل إلى حدود محفوفة بالأخطار.

سياسة متأرجحة

ظلت السياسة الأميركية تجاه إيران منذ عام 1979 متأرجحة بين ثلاثة مواقف أساسية، أولها المشاركة مع قادة إيران عبر حوارات دبلوماسية على أمل التوصل إلى تسوية شاملة تُحدث تغييراً جوهرياً في سلوك إيران، الذي ترفضه الولايات المتحدة والغرب عموماً وغالبية دول منطقة الخليج، كذلك سعت سياسة المشاركة إلى تعزيز المعتدلين بين قادة إيران لضمان استدامة هذه التغييرات.

وكانت سياسة الاحتواء هي الموقف الأميركي الثاني تجاه إيران طوال العقود الأربعة الماضية، على رغم أن الرؤساء جيمي كارتر ورونالد ريغان وبيل كلينتون وباراك أوباما اتبعوا سياسة المشاركة في أوقات مختلفة.

أيضاً استخدم الرؤساء الأميركيون سياسة الإكراه عبر إجراءات عدائية مثل العقوبات الاقتصادية أو القوة العسكرية لإجبار قادة إيران على إجراء تغييرات جوهرية، وربما لإسقاط النظام، وهو ما اتبعه الرئيس جورج دبليو بوش والرئيس ترمب في دورته الرئاسية الأولى وفي عامه الأول من دورته الثانية.

ومع ذلك، فشلت جهود الاحتواء والمشاركة الأميركية في تحقيق تغيير شامل في سلوك إيران، ويرجع ذلك أساساً إلى عرقلة المتشددين الإيرانيين لها، كذلك فشلت الجهود الأميركية في إكراه إيران على إحداث تغيير جوهري، ويرجع ذلك أساساً إلى أن النظام لا يزال قوياً نسبياً على الصعيد الداخلي، وبسبب جغرافية إيران وقدراتها المتنوعة على الرد، مما يجعل العمليات العسكرية الكبيرة باهظة الكلفة.

تطور البرنامج النووي الإيراني

على رغم أن الخلافات الأميركية - الإيرانية تمحورت حول مواضيع عدة من بينها دور إيران المزعزع للاستقرار في العالمين العربي والإسلامي، ومحاولاتها تصدير الثورة للخارج، فضلاً عن ميليشياتها الوكيلة في المنطقة وبرنامج الصواريخ الباليستية والمسيرات، فإن قلب النزاع الأساس تمثل في البرنامج النووي الإيراني بخاصة خلال الأعوام الـ20 الماضية، إذ شهدت النزاعات دورة مفرغة ومتصاعدة من انعدام الثقة والاتهامات المتبادلة في شأن البرنامج النووي، والتي لم تحل إلا من خلال خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 والمعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني، التي انسحب منها ترمب من جانب واحد في عام 2018.

بدأ البرنامج النووي الإيراني لأول مرة عام 1958، كجزء من مبادرة الرئيس دوايت أيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، إذ زودت الولايات المتحدة إيران التي كانت آنذاك حليفاً قوياً بأول مفاعل نووي لها، إضافة إلى أول إمداداتها من اليورانيوم المنخفض التخصيب، إذ رأت واشنطن خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي أن الطاقة النووية السلمية ضرورية لتنمية إيران، لأن احتياطات النفط الكبيرة في البلاد لن تدوم إلى الأبد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، أوقف المرشد الأعلى آنذاك، آية الله الخميني هذا البرنامج، واصفاً إياه بأنه "رجس غربي"، لكن بعد وفاة الخميني عام 1989 استكشف قادة إيران الجدد إمكان استئناف البرنامج بعد الحرب التي استمرت ثمانية أعوام مع العراق، الذي أبدى زعيمه صدام حسين اهتماماً بالحصول على الطاقة النووية وسط مخاوف غربية واتهامات بأنه كان يسعى أو يمتلك أسلحة دمار شامل، غير أن الجدل حول القدرات العراقية جعل القادة الإيرانيين يسعون إلى امتلاك التكنولوجيا النووية لتكون رادعاً لأي "عدوان عراقي محتمل".

وبينما كانت إيران ولا تزال طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، التي تضمن حقها في الحصول على المواد الانشطارية والتكنولوجيا الحيوية من السوق الدولية، إلا أن الولايات المتحدة منعت الوصول إلى هذه المواد بالقوة، ولهذا تحول برنامج إيران النووي في تسعينيات القرن الماضي إلى العمل السري، واعتمد على شبكات غير مشروعة ومنشآت سرية، مما زاد من شكوك الولايات المتحدة في شأن النيات الحقيقية للبرنامج.

لكن حتى قبل انخراط إيران في تدشين برنامجها النووي كانت العلاقات متوترة على الدوام مع كل إدارات الرؤساء الأميركيين الذين تعاملوا بصورة مختلفة، وفقاً لتطور العلاقة والمستجدات على الأرض، وهو ما تشير إليه سياسات الرؤساء الأميركيين الثمانية منذ عام 1979 وحتى اليوم.

جيمي كارتر (1977-1981)

كانت العلاقة الاستراتيجية الطويلة الأمد بين واشنطن ونظام شاه إيران، محمد رضا بهلوي، اختباراً لمدى اهتمام كارتر بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان، فقد كانت إيران في عهد الشاه قلعة ضد النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط، ولم يبذل كارتر جهداً كبيراً للضغط على بهلوي لوقف قمع الاحتجاجات المطلبية التي بدأت عام 1977 بسبب تدهور الاقتصاد، مما أدى إلى تحول هذه الاحتجاجات إلى إضرابات عمالية على مستوى البلاد.

وفي حين أصبحت قبضة الشاه على السلطة ضعيفة، إلا أن كارتر استمر في دعم الشاه علناً وسراً خوفاً من احتمال سيطرة آية الله الخميني على السلطة، وهو رجل الدين الشيعي البارز الذي نفاه الشاه قبل عقدين، وكان له دور كبير في تأجيج الاحتجاجات.

وفي محاولة يائسة لمنع الخميني من الوصول إلى السلطة، أرسل كارتر الجنرال روبرت هويزر من حلف "الناتو" إلى إيران لتقييم قدرات الجيش الإيراني على تنفيذ انقلاب، وأشارت تقارير هويزر والاستخبارات الأميركية إلى أن الجيش كان مستعداً للانقلاب، ومع ذلك كان انهيار النظام سريعاً، إذ عجز جنرالات الشاه عن فعل شيء على رغم وعودهم لهويزر، فيما غادر بهلوي البلاد إلى منفاه بالقاهرة في يناير (كانون الثاني) 1979، تاركاً رئيس الوزراء شهبور بختيار مسؤولاً.

في البداية، راود كارتر الأمل في أن تتمكن حكومة ما بعد الثورة بقيادة مهدي بازركان، الذي عينه الخميني، من إقامة علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، لكن السلطة الحقيقية كانت بيد الخميني، الذي عاد إلى إيران في فبراير (شباط) 1979، ووصف أميركا بأنها "الشيطان الأكبر".

لأشهر عدة، قاوم كارتر الدعوات لمنح الشاه حق اللجوء في الولايات المتحدة، ولكن بعد علمه بإصابة بهلوي بسرطان الغدد الليمفاوية، سمح له كارتر بتلقي العلاج في مدينة نيويورك في أكتوبر (تشرين الأول) 1979 وهو ما أثار غضباً واسعاً في إيران ودفع مجموعات ضخمة من الطلاب الإيرانيين في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران، حيث احتجزوا 52 رهينة مدة امتدت طوال الفترة المتبقية من ولاية كارتر، وكانت بالنسبة إلى الأميركيين التحدي الأبرز في السياسة الخارجية خلال فترة رئاسته.

سعى فريق كارتر إلى حل دبلوماسي، ولكن بحلول أبريل (نيسان) 1980، ومع تعثر المفاوضات، كان الرئيس مستعداً لتنفيذ عملية إنقاذ عسكرية انتهت بكارثة، إذ تعطلت طائرات هليكوبتر عدة خارج طهران بسبب عاصفة رملية، وقُتل ثمانية من أفراد القوات الخاصة عندما تحطمت طائرتهم المروحية، واستولت إيران على معدات ومعلومات استخباراتية أميركية وبثت صور هذه الفوضى على شاشات التلفزيون، لتصبح عملية الإنقاذ الفاشلة نقطة اللاعودة في رئاسة كارتر الذي خسر انتخابات الرئاسة عام 1980 أمام رونالد ريغان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رونالد ريغان (1981-1989)

ورث ريغان أزمة الرهائن الإيرانيين من جيمي كارتر، لكنه تمكن عبر ما وُصف بسياسة الاحتواء من إطلاق سراح الرهائن فور توليه منصبه في يناير 1981، وسط شبهات بتعاون سري ووعود بصفقة محتملة مع الإيرانيين كي يخسر كارتر الانتخابات.

بعد فترة وجيزة، تورطت إدارة ريغان في فضيحة إيران-كونترا، حين باعت أسلحة سراً إلى إيران في انتهاك لحظر أميركي مفروض على طهران، في صفقة تستهدف تأمين تدخل إيران لدى حلفائها لإطلاق سراح رهائن أميركيين كانوا محتجزين في لبنان، بينما كانت إدارة ريغان تمول في الوقت ذاته متمردي الكونترا في نيكاراغوا لإسقاط حكومة السندنيستا اليسارية هناك، مما ألحق ضرراً بالغاً برئاسته بعد انكشافها عام 1986، على رغم نفيه العلني الأولي.

أدى تعامل ريغان مع إيران بمخطط سري غير مشروع لتبادل الأسلحة مقابل الرهائن، إلى انخفاض كبير في معدلات شعبيته، على رغم أنه ظل يتمتع بشعبية عامة وفاز بفترة رئاسية ثانية، ومع ذلك ظلت تلك لحظة حاسمة ومثيرة للجدل في رئاسته.

جورج بوش الأب ( (1989-1993)

كانت سياسة جورج أتش بوش الأب تجاه إيران استمراراً لسياسة الاحتواء التي انتهجتها إدارة ريغان، إذ اعتبرت إيران التهديد الأكبر للمصالح الأميركية في منطقة الخليج العربي، ولجأت إلى فرض العقوبات للضغط على النظام الإيراني، وقد أقر الكونغرس عام 1992 قانون منع انتشار الأسلحة بين إيران والعراق، الذي فرض عقوبات على المواد التي يمكن استخدامها لتطوير أسلحة متطورة، كذلك سعت الإدارة إلى بناء علاقة مع العراق لموازنة النفوذ الإيراني.

على رغم النهج المتشدد، لمح بوش إلى إمكان تحسين العلاقات بخطاب تنصيبه عام 1989، قائلاً "حسن النية يقابل بحسن نية"، في إشارة إلى إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين في لبنان من قبل "حزب الله" المدعوم من إيران، إذ كانت الإدارة منفتحة على تحسين العلاقات في حال جرى حل هذه القضية.

بيل كلينتون (1993-2001)

حافظ الرؤساء الأميركيون منذ عهد كلينتون إلى حد كبير على سياسة هدفها مواجهة طموحات إيران النووية ودعمها أنشطة صنفتها الإدارات الأميركية المتتالية بأنها إرهابية، واستخدم الرؤساء العقوبات والاحتواء، وإن كان ذلك بأساليب مختلفة.

وعلى رغم الجهود المستمرة للاحتواء، التي تتخللها فترات من الحوار أو التصعيد، فرض كلينتون عقوبات كبيرة، مثل حظر مشاركة الشركات الأميركية في قطاع النفط والاستثمار وتقييد التجارة للحد من نفوذ طهران، ووقع على قانون منع الانتشار النووي الإيراني عام 2000، الذي يجيز اتخاذ إجراءات عقابية ضد الكيانات التي تساعد برامج أسلحة الدمار الشامل الإيرانية بهدف منع الانتشار النووي، وجرى ترسيخ خط أحمر ثابت ضد امتلاك إيران السلاح النووي، وهو موقف اشتركت فيه الإدارات الرئاسية التالية على رغم الاختلافات الحزبية.

جورج بوش الابن (2001-2009)

تندرج حقبة جورج دبليو بوش ضمن العلاقة الأميركية - الإيرانية الطويلة والشائكة، إذ انتقلت سياسة الاحتواء المزدوج في عهد كلينتون إلى زيادة الضغط في عهد بوش، فقد اتسمت العلاقات الأميركية - الإيرانية بالتوتر وبخاصة بعد أن أدرج بوش، في خطاب شهير، إيران (إلى جانب العراق وكوريا الشمالية) ضمن ما أطلق عليه "محور الشر"، مما يشير إلى معارضة شديدة للتهديدات التي يُنظر إليها على أنها صادرة من إيران.

وبينما وصف بوش إيران بأنها دولة راعية للإرهاب وطالبها بإنهاء برنامجها النووي، شارك الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي (في بداية ولايته) المرشد الأعلى علي خامنئي في تشكيل سياسات إيران، إذ قدم خاتمي انفتاحاً أولياً على الحوار مع واشنطن، إلا أن التواصل الجوهري ظل محدوداً، إذ حافظت إدارة بوش الابن إلى حد كبير على موقف متشدد، مما أدى إلى استمرار ديناميكية معقدة في العلاقات مع الولايات المتحدة.

نظرت إدارة بوش إلى إيران كخصم رئيس، وركزت على الاحتواء ومنع انتشار الأسلحة النووية ومكافحة الإرهاب، وهو ما يمثل تناقضاً صارخاً مع فترات سابقة اتسمت بتفاؤل أكبر في مجال التعاون بين البلدين، فقد كانت القضية النووية الإيرانية نقطة خلاف رئيسة، إذ ضغطت الولايات المتحدة من أجل فرض عقوبات دولية وعمليات تفتيش على طهران، كذلك اتهمت إدارة بوش إيران بدعم الإرهاب، لا سيما ضد القوات الأميركية في العراق وضد إسرائيل.

باراك أوباما (2009-2017)

ركز نهج الرئيس باراك أوباما تجاه إيران على استراتيجية مزدوجة المسار تجمع بين العقوبات والدبلوماسية، التي أدت في النهاية إلى خطة العمل الشاملة المشتركة الذي يعرف باسم (الاتفاق النووي الإيراني).

بدأ أوباما التحول إلى الدبلوماسية خلال حملته الانتخابية عام 2008، إذ دعا إلى الحوار بدلاً من الإكراه لمعالجة البرنامج النووي الإيراني، بهدف فتح قنوات الاتصال، واتبعت إدارته استراتيجية عرفت باسم "المسار المزدوج" بمعنى فرض عقوبات اقتصادية متزايدة الشدة، مع منح إيران في الوقت ذاته خيار الانخراط في محادثات للوفاء بالتزاماتها الدولية.

وقع أوباما على قانون العقوبات والمساءلة وسحب الاستثمارات الشاملة ضد إيران عام 2010، الذي استهدف بشدة قطاع النفط الإيراني وشل الاقتصاد، لكن ذروة سياسته تمثلت في خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، وهي اتفاقية بين مجموعة "5+1" وإيران، التي استهدفت ضمان الطبيعة السلمية البحتة للبرنامج النووي الإيراني مقابل رفع شامل للعقوبات.

وبموجب أحكام الاتفاقية، وافقت إيران على إزالة 98 في المئة من مخزونها من اليورانيوم المخصب وتفكيك ثلثي أجهزة الطرد المركزي، وبهذا جرى تمديد ما يسمى "فترة الاختراق" أي الوقت اللازم لتجميع ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي، من شهرين إلى عام أو أكثر، وأيضاً جرى وضع نظام تحقق دولي غير مسبوق يسمح بالوصول طوال أيام الأسبوع وعلى مدى الساعة إلى المنشآت النووية الرئيسة، على أن تعود العقوبات تلقائياً في حال انتهاك إيران الاتفاقية.

جادل بعض المتخصصين بأن الاتفاقية كانت الخيار الأفضل المتاح، إذ منعت سباق تسلح نووي فوري وحرباً محتملة في الشرق الأوسط، بينما أثار آخرون مخاوف جدية حول بنود انتهاء صلاحية الاتفاقية التي سمحت بانتهاء القيود الرئيسة بعد 10 إلى 15 عاماً، وما إذا كانت إيران ستلتزم بالكامل، بينما أشار آخرون إلى حالات اعتبرت فيها إيران تتحايل على الاتفاقية.

دونالد ترمب (2017-2021)

تتمثل مقاربة دونالد ترمب تجاه إيران خلال ولايته الأولى، في حملة "الضغط الأقصى" والانسحاب من الاتفاق النووي الذي اعتبره غير كافٍ وفرض عقوبات مشددة تستهدف شبكات النفط والقيادة الإيرانية (بما في ذلك المرشد الأعلى خامنئي) لإجبار طهران على تقديم تنازلات، وفي الوقت ذاته فتح الباب أمام استئناف المفاوضات المباشرة، وإن كانت متعثرة في كثير من الأحيان، للتوصل إلى اتفاق جديد، بهدف كبح طموحات إيران النووية ونفوذها الإقليمي، وهي سياسة استمرت وتكثفت في ولايته الثانية التي بدأت عام 2025.

ومن خلال المحادثات المباشرة مع إيران كسر ترمب نمطاً سائداً منذ فترة طويلة، على رغم مواجهة رفض إيراني متكرر للتفاوض من دون رفع العقوبات، وبينما عارضت إسرائيل المحادثات الأميركية - الإيرانية بسبب مخاوفها في شأن البرنامج النووي الإيراني، استمرت المواجهة الإقليمية عبر الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، ووصلت المواجهة ذروتها حين أمر ترمب بقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس عبر طائرة مسيرة في مطار بغداد، وهو تطور لم يحدث من قبل مع أي رئيس أميركي، إذ كان اختباراً صادماً أثار مخاوف كثير من المتخصصين والمسؤولين من تداعياته في الشرق الأوسط نظراً إلى نفوذ سليماني الواسع في سوريا والعراق ولبنان حينذاك، لكن الرد الإيراني بقصف أماكن سكن محصنة للقوات الأميركية في قاعدة عين الأسد بالعراق كانت خطوة محسوبة للغاية تجنبت التصعيد مع الولايات المتحدة، إذ تبين أن الإيرانيين أبلغوا الأميركيين بموعد الرد الإيراني، مما أدى إلى إصابة عشرات الجنود الأميركيين بإصابات ارتجاجية طفيفة من دون سقوط أي قتيل.

جو بايدن (2021-2025)

ركز نهج الرئيس جو بايدن تجاه إيران على إحياء الدبلوماسية النووية (الاتفاق النووي)، لكنه واجه تحديات مع إيران التي اتسمت سياستها بالحزم، مما أدى إلى توترات وفرض عقوبات وردود فعل على التحركات الإقليمية، وهو نهج يختلف عن نهج الرؤساء السابقين مثل ترمب الذي انسحب من الاتفاق، وأوباما الذي تفاوض عليه.

سعى بايدن إلى إعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي الإيراني بهدف كبح برنامجها النووي من خلال الدبلوماسية، في تراجع عن قرار ترمب بالانسحاب، لكنه واجه عقبات، وانخرط في محادثات غير مباشرة، وسهل عمليات لتبادل الأسرى الأميركيين والغربيين المحتجزين في إيران مقابل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لدى كوريا الجنوبية بقيمة 6 مليارات دولار.

في الوقت ذاته، واصلت إدارة بايدن استخدام العقوبات كوسيلة ضغط، لكنها عرضت أيضاً تخفيف العقوبات كجزء من اتفاقات نووية محتملة، وعلى رغم الجهود المبذولة، لم يجرِ التوصل إلى عودة كاملة للاتفاق النووي، وظلت الأنشطة النووية الإيرانية ونفوذها الإقليمي نقاط خلاف رئيسة مع إدارة بايدن، مع عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية منذ عام 1980.

الولاية الثانية لترمب (2025-2026)

 شكلت سياسات ترمب تحولاً كبيراً عن إدارة بايدن السابقة، التي اتبعت الدبلوماسية، فقد استأنف ترمب خلال ولايته الثانية الضغط والمحادثات، مستهدفاً مبيعات النفط إلى الصين، مع استمرار التركيز على الانتشار النووي والسلوك الإقليمي.

تناقض نهج "الضغط الأقصى" الذي اتبعه ترمب مع الجهود الأميركية الأوسع على مدى عقود، التي غالباً ما استخدمت العقوبات لمواجهة الأنشطة النووية والإقليمية لإيران، فقد ركزت استراتيجية ترمب على الإكراه الاقتصادي والمشاركة المباشرة للتوصل إلى اتفاق أمني نووي وإقليمي أكثر شمولاً مع إيران.

وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية، استخدم ترمب الإكراه العسكري حين قرر توجيه ضربة عسكرية في يونيو (حزيران) 2025 ضد المنشآت النووية الإيرانية الثلاث في نطنز وفوردو وأصفهان، بعدما رفضت إيران تقديم تنازلات تقضي بوقف التخصيب على أراضيها، وهو ما جعل ترمب مختلفاً عن أسلافه الذين ترددوا دوماً في المغامرة بصراع عسكري مع إيران.

بعد فترة وجيزة من انتهاء الهجمات على المواقع النووية الإيرانية، أعلن ترمب منتصراً أن المنشآت النووية الإيرانية قد دمرت تدميراً شاملاً وكاملاً، وهو استنتاج شكك فيه كثير من المتخصصين الذين اعتبروا أن القصف ألحق أضراراً جسيمة بالمنشآت النووية الإيرانية من دون التأكد من تدميرها بالكامل.

وعلى رغم اغتيال إسرائيل عدداً من العلماء النوويين الإيرانيين، فإن المعرفة النووية الواسعة لإيران وقدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي والغموض المحيط بمكان وجود مخزونها من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة ورغبة القيادة الإيرانية في مواصلة البرنامج النووي، ظلت من بين القوى الدافعة وراء تحركات ترمب الحالية تجاه طهران التي لا تنفصم عن سياق التظاهرات في شوارع المدن الإيرانية.

ماذا سيفعل ترمب؟

لا يزال لدى ترمب ثلاثة أعوام للتعامل مع إيران، لكن الأزمة الحالية قد تكون لحظة الحسم التي ستشكل إيران في المستقبل، صحيح أن ترمب جاء إلى السلطة واعداً بسياسة خارجية "أميركا أولاً" ونفوراً من "الحروب الحمقاء" التي لا نهاية لها في الشرق الأوسط، إلا أنه يبدو أكثر ميلاً الآن إلى فكرة إصدار أوامر للقوات الأميركية بالتحرك، وهو احتمال أثار قلق بعض أشد مؤيديه.

قد لا يعرف أحد ما سيفعله ترمب، لكن ما يريده واضح وهو الاستسلام غير المشروط في ما يتعلق بالملف النووي، كان مطلبه في الصيف الماضي ولا يزال حتى الآن، هو إنهاء التهديد النووي الإيراني الذي كافح الرئيسان باراك أوباما وجو بايدن لاحتوائه.

وإذا كان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي رفض هذا الاحتمال رفضاً قاطعاً في السابق، إلا أن خطورة اللحظة الحالية قد تأتي بما لم يكن متصوراً من قبل، لكن إذا استمر خامنئي في رفضه مع تهديد المصالح والقواعد الأميركية بالاستهداف، فسيكون الجميع أمام سيناريوهات مفتوحة، تخضع فيها لجاذبية متوافرة لدى ترمب للقيام بخطوة عسكرية جريئة تحل مشكلة كثيراً ما أحبطت الرؤساء السابقين، إذا كان النظام الإيراني ضعيفاً وجاهزاً لإطاحته، لكن في السيناريو الأسوأ، قد يكرر ترمب خطأ بوش الابن وينزلق في خضم حرب بلا نهاية تماثل غزو العراق قبل أكثر من 20 عاماً، حين نجحت القوات الأميركية في إطاحة نظام صدام حسين بسرعة، لكنها ورطت الولايات المتحدة في حرب استمرت أكثر من ثمانية أعوام، وكانت لها تداعيات لا تزال أصداؤها تتردد في المنطقة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير