ملخص
استعار الفول السوداني الأسماء القديمة للمحاصيل المشابهة، فصار يعرف باسم "جوجيا" في لغة الهوسا، و"نجوجو" في السواحيلية، و"نجوبا" في الكونغو. ومع مرور الزمن، تلاشت ذاكرته الأميركية الجنوبية، ولم يعد محصولاً وافداً، بل أصبح في غرب أفريقيا والسودان جزءاً من الهوية الغذائية اليومية. ويرى كثر أن المنتج الحديث من الفول السوداني ليس سوى إعادة تغليف معاصرة لفكرة عرفها المطبخ السوداني منذ عقود طويلة، وفي تلك القصص المتداولة تكمن المفارقة، نبات عبر المحيطات بوصفه غريباً، ثم انتهى به الأمر سودانياً.
كما لا يشير "التمر الهندي" إلى أن أصوله الهند، وكذلك "الفلفل الحبشي" الذي ارتبط اسمه بالحبشة، على رغم أنه وصل إلى أفريقيا من الأميركيتين بعد القرن الـ16، يبدو الفول السوداني مثالاً على الأسماء التي يختفي مصدرها خلف الاسم السائد. فالأسواق العالمية رسخت عبر قرون انطباعاً بأن السودان هو الموطن الأول لهذه الحبة الزيتية، بينما تكشف الدراسات الزراعية والتاريخية عن أن الفول السوداني لم يولد في أفريقيا أصلاً، بل في السفوح الدافئة لجبال الأنديز بين بوليفيا والأرجنتين الحالية، قبل 4 آلاف عام حيث استأنسته شعوب أميركا الجنوبية قبل وصول الأوروبيين بقرون طويلة.
ومع القرن الـ16 بدأت رحلته العالمية ضمن ما يعرف بـ"التبادل الكولومبي"، حين حمل البرتغاليون والإسبان المحاصيل الجديدة عبر المحيطات، من الذرة والكسافا إلى التبغ والفول السوداني، غير أن هذه الحبة الصغيرة امتلكت ميزة اقتصادية استثنائية، سهلة التخزين، وقادرة على التكيف مع المناخات الحارة، مما جعلها مثالية للاقتصاد الاستعماري الصاعد. ومع توسع تجارة الرقيق، دخل الفول السوداني سريعاً في قلب المنظومة التجارية الجديدة، إذ استُخدم غذاءً رخيصاً على متن السفن الأوروبية في الرحلات الطويلة عبر الأطلسي، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مادة استراتيجية للمصانع الأوروبية، خصوصاً الفرنسية، التي احتاجت إلى زيوته بكثافة خلال القرن الـ19.
هوية غذائية
في السياق قال المؤرخ الأميركي المتخصص في تاريخ الطعام تشارلز بيري "عندما أدخل البرتغاليون الفول السوداني إلى غرب أفريقيا، كان الناس في أنحاء أخرى من العالم، يجدون صعوبة في تقبل فكرة نبات يدفن قرون بذوره في الأرض، لكن أفريقيا رحبت به ترحيباً حاراً، لوجود محاصيل أخرى عديدة تقوم بالوظيفة نفسها. كان أهمها فول الصويا البري المعروف أيضاً باسم فول بامبارا، لذلك اندمج الفول السوداني بسرعة في النظم الغذائية المحلية. ومع الزمن، نسي الناس أصوله البعيدة، كما يحدث مع كثير من الأطعمة التي تعبر البحار ثم تتحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية". وأفاد بيري بأن الفول السوداني تفوق سريعاً على المحاصيل المحلية المماثلة بسبب غناه بالزيت والبروتين وسهولة استخدامه، "ففي حين لا تتجاوز نسبة الزيت في بعض الأنواع التقليدية نحو ثمانية في المئة، تصل في الفول السوداني إلى قرابة 50 في المئة، مما جعله أكثر ملاءمة للطحن، والتحميص، وصناعة العجائن والزيوت والكعكات الشعبية". وأورد أن مناطق واسعة من غرب أفريقيا، لا سيما السنغال وغينيا وغامبيا، أعيد تشكيلها اقتصادياً في عهد الاستعمار لخدمة زراعته وتصديره، حتى غدا محصولاً يعيد رسم العلاقات والعمل والتجارة، "ثم استعار الفول السوداني الأسماء القديمة للمحاصيل المشابهة، فصار يعرف باسم جوجيا في لغة الهوسا، ونجوجو في السواحيلية، ونجوبا في الكونغو، ومع مرور الزمن، تلاشت ذاكرته الأميركية الجنوبية، ولم يعد محصولاً وافداً، بل أصبح في غرب أفريقيا والسودان جزءاً من الهوية الغذائية اليومية".
تحول تدريجي
ينظر كثر من السودانيين إلى رحلة الفول السوداني مع الشوكولاتة بفخر شديد، وبوصفها قصة صعود مذهلة لمحصول ظل طويلاً مرتبطاً بالأسواق الشعبية والريف، قبل أن يتحول إلى أحد أعمدة صناعة الحلويات العالمية. ففي الولايات المتحدة خلال مطلع القرن الـ20، كان الفول السوداني يباع في عربات الشوارع والسيرك ومحطات القطارات باعتباره وجبة زهيدة للعمال والمسافرين، بينما كانت الشوكولاتة الخارجة من المصانع الحديثة تتحول تدريجاً من سلعة أرستقراطية أوروبية إلى منتج جماهيري واسع الانتشار، لكن التحول الحقيقي بدأ عندما اكتشف صناع الحلوى أن الملوحة الطبيعية والزيوت الكثيفة في الفول السوداني يمنح الكاكاو والسكر توازناً نادراً بين الحلاوة والدسم والملوحة. ومن أوائل المنتجات الشهيرة في هذا المجال حلوى "غوبرز" الكلمة ذات الجذر الأفريقي، التي ظهرت عام 1925، وهي حبات فول سوداني محمصة مغطاة بالشوكولاتة. غير أن الثورة الكبرى جاءت مع الأميركي هاري بورنيت ريس، العامل السابق في مصانع شركة "هيرشي".
ففي عام 1928، وبينما كان يبحث عن حلوى رخيصة وسهلة الإنتاج خلال سنوات الكساد الاقتصادي، ابتكر أكواب الشوكولاتة المحشوة بزبدة الفول السوداني، التي عرفت لاحقاً باسم "ريسز". وكانت تباع أولاً بسنت واحد فقط تحت اسم "بني كبز"، قبل أن تتحول إلى أشهر حلوى بالفول السوداني في الولايات المتحدة، ثم إلى صناعة بمليارات الدولارات.
مقارنات لافتة
في السودان، تجاوز الفول السوداني منذ زمن طويل حدود كونه محصولاً زراعياً، ليصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية. فمنذ أواخر القرن الـ19، ومع توسع زراعته في كردفان ودارفور والجزيرة، صار السودان أحد أكبر مراكز تصديره إلى مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية، حتى ترسخ اسمه بوصفه "الفول السوداني".
عاد هذا التاريخ إلى الواجهة عبر نقاشات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتجادل المستخدمون حول أصل التسمية، هل ارتبط الاسم فعلاً بالسودان بسبب كثافة صادراته التاريخية؟ أم لأن التجار العرب تعرفوا إليه للمرة الأولى عبر الأسواق السودانية؟ وتنتشر تدوينات تستعيد صورة "الدكوة"، الاسم الشعبي الأشهر لمعجون الفول السوداني في السودان، والذي يدخل في السلطات الشعبية، وبعض وصفات "التقلية" المحلية، وعلى نحو خاص يبدأ البحث عنه وتخزينه مع اقتراب عيد الأضحى، فلا تخلو مائدة سودانية منه، ممزوجاً مع الفلفل الحار إلى جانب أطباق اللحم.
وتداولت حسابات مهتمة بالتراث الغذائي مقارنات لافتة بين "الدكوة" السودانية وزبدة الفول السوداني المعروضة اليوم على أرفف المتاجر العربية والغربية. ويرى كثر أن المنتج الحديث ليس سوى إعادة تغليف معاصرة لفكرة عرفها المطبخ السوداني منذ عقود طويلة. وفي تلك القصص المتداولة تكمن المفارقة، نبات عبر المحيطات بوصفه غريباً، ثم انتهى به الأمر سودانياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أثر متراكم
تبدو قصة الفول السوداني اليوم أقرب إلى الحكايات التي رافقت محاصيل مثل السكر والقطن والبن، نبات صغير في شكله، لكنه حمل عبر القرون أثقال اقتصاد عالمي كامل تشكل بين الإمبراطوريات والموانئ وأسواق الرقيق وسلاسل العمل القسري. فخلف بساطة الحبة المحمصة التي نتناولها اليوم، تختبئ خرائط معقدة من التبادل التجاري، والهجرات القسرية، والتحولات الزراعية التي أعادت تشكيل أذواق الشعوب ولغاتها معاً.
ومثلما تحول السكر من مادة دوائية نادرة إلى عصب الاقتصاد الاستعماري، ثم إلى عنصر يومي على كل مائدة، كذلك انتقل الفول السوداني من موطنه الأصلي في أميركا الجنوبية إلى أفريقيا، ثم إلى أوروبا والعالم العربي، جائلاً باسمه الذي رسخ في الأذهان. وفي كل محطة من هذه الرحلة، كان يعاد تعريفه من جديد، غذاء للفقراء حيناً، ومحصولاً تصديرياً حيناً آخر، ومكوناً صناعياً في قلب صناعة الحلويات العالمية لاحقاً.
ربما لهذا السبب، لا تبدو حفنة الفول السوداني اليوم مجرد تسلية غذائية عابرة، بل لحظة اتصال خفية بتاريخ طويل. ففي السوق السودانية أو أي سوق أخرى، لا يتم التعامل مع محصول زراعي فحسب، بل مع أثر متراكم لتراث غذائي تحرك عبر البحار والحقول والمصانع، يمكن أن يعبر عن ذاكرة مختصرة للتجارة العالمية، تختبئ في طعم بسيط، لكنها تحمل في داخلها قصة بشر وطرق وقرون من التحول المستمر.