ملخص
كشف "مؤشر التعاون العالمي 2026" في نسخته الثالثة، والذي أطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، عن ثبات نسبي في مستوى التعاون الدولي على رغم الضغوط المتصاعدة.
أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" الإصدار الثالث لـ"مؤشر التعاون العالمي 2026"، وقال المنتدى في تقريره إن "مستوى التعاون العالمي الإجمالي حافظ على استقراره على رغم الضغوط المتواصلة، غير أن شكله يشهد تحولات واضحة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والنزاعات وتزايد حالة الانقسام التي تُضعف آليات العمل متعدد الأطراف التقليدية".
ووفقاً للمؤشر شهدت المؤشرات المرتبطة بالتعددية تراجعاً ملحوظاً، في حين واصلت صور التعاون الأكثر مرونة وصغر الحجم نموها، مثل تدفقات البيانات، وتجارة الخدمات، وبعض تدفقات رأس المال، بما في ذلك خلال عام 2025.
ويقيس "مؤشر التعاون العالمي" مستوى التعاون الدولي عبر خمسة مجالات رئيسة، أو ما يُعرف بالركائز الخمس: التجارة ورأس المال، والابتكار والتكنولوجيا، والمناخ ورأس المال الطبيعي، والصحة والرفاه، والسلام والأمن.
التجارة ورأس المال
أشار "مؤشر التعاون الدولي 2026" إلى أن التعاون في هذا المجال شهد حالة من الاستقرار من دون نمو يُذكر، مع بقائه أعلى من مستويات عام 2019، لكن مع تغير في طبيعته، فقد ارتفعت أحجام تجارة السلع بوتيرة أبطأ من نمو الاقتصاد العالمي، واتجهت التدفقات نحو شركاء أكثر تقارباً سياسياً.
في المقابل، أظهرت تجارة الخدمات وبعض تدفقات رأس المال زخماً متزايداً، لا سيما بين الاقتصادات المتقاربة، خصوصاً عندما تسهم في تعزيز القدرات المحلية، ومع تصاعد الحواجز أمام النظام التجاري متعدد الأطراف، برزت تحالفات أصغر من الدول عبر مبادرات مثل "شراكة مستقبل الاستثمار والتجارة".
وتشير أحدث قراءة للمؤشر إلى إنه ورغم أن أحجام التجارة كادت تواكب نمو الاقتصاد العالمي، بما في ذلك خلال عام 2025، فإن العلاقات التجارية تشهد إعادة تشكيل ملموسة.
وتبقى تجارة السلع، التي تمثل الركيزة التاريخية لهذا المحور، أبطأ نمواً من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما أدى إلى تراجع طفيف في هذا المؤشر، غير أن الأهم من حجم التجارة هو تركيبتها، ففي ظل الضغوط التي يتعرض لها النظام التجاري متعدد الأطراف، تشهد خريطة الشركاء التجاريين إعادة توزيع واسعة.
وتشير أبحاث معهد "ماكينزي" العالمي إلى أن تجارة السلع تتراجع بين الدول المتباعدة جيوسياسياً، وتتجه بدلاً من ذلك نحو شركاء أكثر تقارباً سياسياً، وقد انخفض متوسط "لمسافة الجيوسياسية"للتجارة العالمية في السلع بنحو 7 في المئة ما بين عامي 2017 و2024.
وعززت الدول النامية والصين حصتها من صادرات الصناعات التحويلية، ففي عام 2024، ارتفعت صادراتها بنحو 276 مليار دولار، أي ما يعادل خمس نقاط مئوية، واستحوذت الصين على أكثر من نصف هذا النمو، وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات التجارية قدراً من التنويع، مع تراجع مؤشر تركّز التجارة بنحو واحد في المئة، مما يشير إلى أن التجارة العالمية تعيد توزيع نفسها داخل شبكات متقاربة سياسياً، مع تنويع الشركاء في الوقت ذاته.
وقال المؤشر إن سلسلة الإعلانات الأميركية في شأن الرسوم الجمركية في عام 2025 قد أثارت تساؤلات حول مستقبل التجارة العالمية، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن هذه التطورات لم تؤدِ إلى انكماش بقدر ما دفعت إلى مزيد من إعادة التشكيل، فقد قُدّر نمو أحجام التجارة العالمية بنحو 2.4 في المئة في 2025، وإن كان ذلك من دونوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي البالغة 3.2 في المئة.
وفي المقابل، تراجعت الواردات الأميركية من الصين بنحو 20 في المئة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، بينما ارتفعت الواردات من شركاء أكثر تقارباً جيوسياسياً في أوروبا وآسيا.
ووفقا للمؤشر فقد واصلت تدفقات رأس المال والخدمات اتجاهها الصعودي، مدفوعة بسعي الدول إلى استقطاب الخبرات ورؤوس الأموال لتعزيز قدراتها المحلية، فقد ارتفعت التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود بشكل متواصل منذ عام 2022، مع نمو ملحوظ في استثمارات المحافظ المالية ومخزون الاستثمار الأجنبي المباشر، وشهدت مشاريع الاستثمار الجديدة "غرينفيلد" قفزة في القطاعات الاستراتيجية، مثل أشباه الموصلات، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وبطاريات المركبات الكهربائية، والمعادن الحيوية، في إطار سعي الدول لبناء قدراتها بالتعاون مع شركائها المقربين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالمقارنة مع التجارة، تراجعت المسافة الجيوسياسية للاستثمار الأجنبي المباشر بوتيرة أسرع بنحو الضعف، مع توجه الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في وقت تراجعت فيه حصة الصين من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المعلنة من 9 في المئة خلال الفترة 2015–2019 إلى 3 في المئة حسب في الفترة 2022–2025، وقد تعززت هذه الاتجاهات بشكل أكبر في عام 2025.
وواصلت تجارة الخدمات نموها للعام الخامس على التوالي منذ عام 2020، مدفوعة أساساً بالخدمات الرقمية، مثل خدمات تكنولوجيا المعلومات، والسفر، وخدمات الأعمال المهنية والتقنية، وتشير تقديرات منظمة التجارة العالمية لعام 2025 إلى استمرار النمو بوتيرة معتدلة، مع بقاء الخدمات الرقمية قوية رغم عودة السفر والنقل تدريجاً وسط حالة من عدم اليقين السياسي.
وعلى غرار معظم المحاور الأخرى، سجلت المؤشرات المرتبطة بالتعاون متعدد الأطراف التراجع الأكبر، فقد انخفضت المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 10.8 في المئة في عام 2024، متأثرة بتراجع الدعم لأوكرانيا، وانخفاض المساعدات الإنسانية، وضعف الإنفاق على اللاجئين.
ولم تتجاوز سوى أربع دول هدف الأمم المتحدة المتمثل في تخصيص 0.7 في المئة من الدخل القومي الإجمالي للمساعدات، وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى احتمال تراجع إضافي يتراوح ما بين 9 في المئة و17 في المئة في عام 2025.
أما الهجرة العمالية الدولية، التي سجلت نمواً متواصلاً منذ عام 2020، فقد تكون على أعتاب نقطة تحول، فعلى رغم زيادة المخزون العالمي للعمالة المهاجرة في عام 2024، ظهرت مؤشرات تباطؤ، مع تراجع تدفقات الهجرة الجديدة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بنسبة 4 في المئة، وفي عام 2025، سُجل انكماش حاد، إذ انخفض صافي الهجرة إلى الولايات المتحدة وألمانيا بنحو 65 في المئة و39 في المئة على التوالي مقارنة بعام 2024.
وعلى رغم أن عام 2025 جلب توترات جديدة، فإن الاتجاه العام بقي منسجماً مع السنوات السابقة، إذ تحدث راجع طفيف في حصة تجارة السلع من الاقتصاد العالمي، وزيادة في تدفقات رأس المال، وتشديد القيود على الهجرة.
وقد رأى نحو 85 في المئة من أعضاء المجالس الاستشارية المشاركين في الاستطلاع أن التعاون يشهد تراجعاً عاماً، بينما أشار 40 في المئة من التنفيذيين إلى أن الحواجز المتزايدة أمام التجارة وتنقل الكفاءات ورأس المال تعيق أعمالهم.
في المقابل، أفاد 60 في المئة بأن التأثير في في فيات لم تكن سلبية بشكل جوهري حتى الآن، ما يعكس قدرة كثير من المؤسسات على إعادة تكييف استراتيجياتها في عالم تجاري أكثر اضطراباً.
الابتكار والتكنولوجيا
يركز محور الابتكار والتكنولوجيا في "مؤشر التعاون العالمي" على عناصر التعاون الدولي القادرة على تسريع الابتكار وإنتاج تقدم تكنولوجي ذي أثر إيجابي، إذ ارتفع المؤشر العام للتعاون في هذا المجال بنحو 3 في المئة على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادة تدفقات البيانات وتجارة سلع وخدمات تكنولوجيا المعلومات.
ووفقاً للمؤشر فقد زادت خدمات تكنولوجيا المعلومات وتدفقات الكفاءات، وتضاعف حجم النطاق الترددي الدولي أربع مرات مقارنة بما قبل جائحة كوفيد-19، في المقابل، توسعت القيود على تدفقات الموارد والتقنيات والمعرفة الحيوية، خصوصاً (وإن لم يكن حصرياً) بين الولايات المتحدة والصين، ومع ذلك، ظهرت صيغ جديدة للتعاون، شملت الذكاء الاصطناعي، وبنية الجيل الخامس، وغيرها من التقنيات المتقدمة بين الدول المتقاربة.
وفي عام 2025، أدى احتدام سباق الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من الارتفاع في الأنشطة العابرة للحدود، فقد بلغت الإعلانات عن استثمارات "غرينفيلد" في مراكز البيانات مستويات قياسية، قُدرت بنحو 370 مليار دولار عالمياً في عام 2025، مقارنة بنحو 190 مليار دولار في عام 2024.
ومن المتوقع أن تسهم هذه المشاريع الجديدة في زيادة مماثلة لتدفقات سلع وخدمات تكنولوجيا المعلومات عبر الحدود (بما في ذلك الرقائق الإلكترونية والمكونات الرقمية ومعدات الاتصالات والخدمات التقنية)، على المدى القريب والمتوسط.
المناخ ورأس المال الطبيعي
ووفقاً للمؤشر سجل التعاون في هذا المجال نمواً، لكنه لا يزال دون مستوى الطموحات العالمية، فقد أسهمت زيادة التمويل وسلاسل الإمداد العالمية في دفع نشر التقنيات النظيفة إلى مستويات قياسية بحلول منتصف عام 2025، واستحوذت الصين على نحو ثلثي الإضافات في الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية، في حين عززت اقتصادات نامية أخرى جهودها.
ومع تعقّد المفاوضات متعددة الأطراف، تتجه مجموعات من الدول، مثل الاتحاد الأوروبي ورابطة "آسيان"، إلى الجمع بين أهداف خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.
الصحة والرفاه
أشار المؤشر إلى أن التعاون الدولي في مجال الصحة والرفاه قد حافظ على استقراره، مع بقاء النتائج الصحية صامدة في الوقت الراهن، غير أن المساعدات تتعرض لضغوط شديدة، ولم ينخفض مستوى التعاون العام، جزئياً بسبب استمرار تحسن المؤشرات الصحية بعد انحسار الجائحة، إلا أن هذا الاستقرار يخفي هشاشة متزايدة، إذ أدت الضغوط على المنظمات متعددة الأطراف إلى تراجع تدفقات الدعم، وانكماش حاد في المساعدات الإنمائية للصحة، مع مزيد من التشديد خلال عام 2025، وهو ما أثر بصورة خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
السلام والأمن
وفقاً للمؤشر واصل التعاون في مجال السام والأمن تراجعه، إذ انخفضت جميع المؤشرات المرصودة إلى ما من دونمستويات ما قبل جائحة كوفيد-19، فقد تصاعدت النزاعات، وارتفع الإنفاق العسكري، وتعثر أداء آليات الحل متعددة الأطراف في احتواء الأزمات، وبحلول نهاية عام 2024، بلغ عدد النازحين قسراً حول العالم مستوى قياسياً قدره 123 مليون شخص، ومع ذلك، خلقت هذه الضغوط المتزايدة دافعاً لتعزيز صور جديدة من التعاون، بما في ذلك عبر آليات حفظ السلام الإقليمية.
وخلص تقرير "دافوس" إلى أن التحديات والفرص الكبرى لا يمكن معالجتها على مستوى الدول منفردة، داعياً القادة إلى استشراف التحولات المقبلة، وإعادة رسم خريطة الانخراط الدولي، وتعزيز القدرة على الصمود من خلال بناء قدرات جديدة، وإيجاد أطر تعاون ملائمة لكل قضية على حدة.
وقد جرى اختيار الركائز الخمس الأساسية للتواصل العالمي في المؤشر وهي التجارة ورأس المال، الابتكار والتكنولوجيا، المناخ ورأس المال الطبيعي، الصحة والرفاه، والسلام والأمن، نظراً لتأثيرها المباشر في التنمية العالمية واعتمادها الصريح على التعاون بين الدول والاقتصادات.
ويستند تحليل المؤشر إلى 41 مؤشراً تقيس إما أفعالاً تعاونية ملموسة، مثل تدفقات السلع وتبادل الملكية الفكرية، أو نتائج أوسع للتعاون، مثل متوسط العمر المتوقع، ويغطي المؤشر الفترة من 2012 إلى 2024، مع اعتماد عام 2020 كعام مرجعي لإبراز التحولات التي سبقت جائحة كوفيد-19 وتلك التي نتجت منها.