ملخص
بعد عام على سقوط نظام الأسد، تكشف الرحلة من بيروت إلى دمشق عن تحول الطريق من مسار للخوف والابتزاز إلى معبر أقل توتراً، وإن بقيت بعض الممارسات القديمة حاضرة على الجانب اللبناني. شهادات سائقين وصحافيين وعسكريين ترسم صورة لطريق كان محكوماً بالحواجز والفساد، قبل أن تنكشف خلفه منظومة قمع وجرائم موثقة داخل دمشق ومحيطها. اليوم، يبدو الطريق أكثر انفتاحاً وأمناً، فيما يختبر العابرون معنى جديداً للعبور، وسط تغير في الرموز والسلوك الأمني ومزاج الناس.
كانت أمي تصرخ وتبكي كأنني ذاهبة إلى حرب لا إلى مدينة، لم تكن تبالغ، كانت تعرف أن الطريق إلى دمشق، في ذاكرة اللبنانيين والسوريين معاً، ليس إسفلتاً يربط عاصمتين بقدر ما هو امتحان للنجاة من المزاج الأمني.
خرجت من بيروت محملة بثقل دموعها وأسئلتها، ثم فوجئت بأن الطريق في بداياته بدا كأنه نزهة إلى الجبل: هواء شتوي صاف، وانعطافات هادئة، وهدوء يربك الخوف القديم. عند معبر المصنع، بدت دمشق أقرب مما تخيلت، ساعة واحدة فقط تفصل بين معبر يشبه العتبة وبين مدينة كانت تصنف لعقود "بعيدة"، لأنها محكومة بالحواجز لا بالخرائط.
في المقعد الخلفي كان ركاب سوريون وصلوا للتو عبر مطار رفيق الحريري الدولي، قادمين من ألمانيا وروسيا، يتحدثون بحماسة مفاجئة عن "التنظيم" عند ختم الجوازات، وعن بلد "تغير كثيراً" قبل الوصول إليه حتى في التفاصيل التي لا تقاس بالأمن وحده.
"لوغو" (شعار) العلم الجديد، والصقر الأخضر الذي رأوه "رائعاً" على الأوراق واللافتات، كأن الرموز تحاول أن تسبق الواقع بخطوة. وبين جملة وأخرى، كانت دمشق تطل علينا ببرودتها القاسية، برد جعل أحدهم، وهو قادم من موسكو، يضحك قائلاً إن صديقاً حذره "هنا أبرد من العاصمة الروسية"، لم أكن أعرف إن كنت أدخل مدينة أم أدخل رواية جديدة عن بلد يبدل جلده بسرعة، فيما نحن ما زلنا نتحسس أثر الخوف في أصابعنا.
عند الدخول إلى الجانب السوري قادمة من لبنان، تغير الإيقاع. لم يكن التفتيش عنيفاً، لكنه كان متكرراً. فتحت حقيبتي أكثر من مرة، أعيد ترتيب محتوياتها، ثم أغلقت، ثم فتحت مجدداً. في إحدى المرات، نزلت من السيارة بنفسي، مدفوعة بخوف بسيط لكنه صادق: أن أفقد شيئاً لا أستطيع تعويضه، أو أن أترك خلفي تفصيلاً صغيراً يضيع في الزحام.
في تلك اللحظة، أدركت أن الطريق لم تعد فقط معبراً بين بلدين، بل مساحة اختبار نفسي أيضاً، اختبار للثقة، والقدرة على ترك الخوف خلفك، حتى ولو اضطررت إلى إغلاق حقيبتك بيديك، مرة أخيرة، قبل أن تتابع الطريق.
عبور ميسر ورشوة لا تزال حاضرة
خلال رحلتي من بيروت إلى دمشق، شاهدت بأم العين كيف كان السائق يقدم مبلغاً مالياً على الجانب اللبناني، وتحديداً عند نقاط الجمارك، لتسهيل المرور من دون تفتيش السيارة. لم يكن المشهد خافياً، لكنني لم أتمكن من توثيقه بالفيديو، لا بسبب غموض ما جرى، بل بسبب حساسيته وسرعة حصوله. عندها، سألت السائق حسن عما يجري، ومن هنا بدأت تتضح الصورة.
يقول حسن، وهو سائق لبناني اعتاد سلوك هذا الطريق لسنوات، إن "هذه الممارسة كانت شائعة على الجانب اللبناني، إذ يسمح بتمرير الشاحنات في مقابل مبالغ تدفع مباشرة، من دون إخضاع الحمولة للتفتيش"، مشيراً إلى أن "الأمر لم يكن استثناء، بل جزءاً من آلية غير معلنة لتسهيل العبور".
ويضيف أن "الرحلة، بعد تجاوز الجانب اللبناني، كانت تمر عبر سلسلة حواجز تابعة للفرقة الرابعة (التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس السابق بشار الأسد) داخل سوريا، إذ كانت الطريق الدولية بأكملها خاضعة لسيطرتها"، لافتاً إلى أن "التوقيف كان القاعدة، وما يطلب من المسافرين كان يخضع لتقدير العناصر والضباط على الحواجز".
ويستعيد حسن حادثة أوقف فيها أحد العناصر شاباً كان يسافر بمفرده، وطلب منه تسليم هاتفه المحمول. حاول الشاب الاستفسار عن السبب، مؤكداً أن حمل الهاتف مسموح وأنه قادم من الخارج ولا يعرف التعليمات المعمول بها في سوريا، إلا أن العناصر أصروا على مصادرة الهاتف بأسلوب وصفه حسن بـ"القاسي والمهين"، من دون تنظيم محضر أو تقديم أي تفسير واضح.
ولا يصف حسن هذه الواقعة كحادثة فردية، بل كجزء من نمط أوسع من التعسف. ويشير إلى حالات كان فيها الطريق الدولي بين دمشق وبيروت يغلق لساعات، لأن أحد الضباط قرر السير قرب مقر إقامته، مما أدى إلى توقف الحافلات والسيارات، وبين ركابها مسافرون متجهون إلى مطار بيروت. "كانت الطائرات تقلع، والناس تبقى عالقة على الطريق"، كما يقول.
وفي ما يتصل بالفساد، يلفت حسن إلى أن "الرشاوى على الجانب اللبناني لا تزال قائمة حتى اليوم"، في حين يؤكد أن "الوضع تغير جذرياً على الحدود السورية بعد سقوط النظام". ويروي أنه سمع همساً من أحد الضباط السوريين الجدد بأن ما كان سائداً سابقاً لم يعد ممكناً، ويقول "زمان الضابط كان يعيش من الطريق، أما اليوم فإذا أراد أن يؤمن يوميته، يفعل ذلك من عمله لا من العابرين".
ويختم حسن بالقول إن "الطريق واحدة، لكن الذهنية تغيرت: النظام السابق لم يكن بحاجة إلى ضربك دائماً، كان يكفي أن يذكرك بأنك بلا قيمة".
طريق الخوف
خلال سنوات نظام الأسد السابق، لم يكن الطريق بين بيروت ودمشق مجرد معبر حدودي، بل مساراً يومياً للابتزاز والانتهاك، إذ تحولت الحواجز إلى أدوات سلطة تمارس على العابرين باسم الأمن.
"حاجز المالبورو"
في هذا السياق، يروي الصحافي الاستقصائي اللبناني مروان حيدر أن "الطريق الدولي بين بيروت ودمشق كان يضم أحد أبرز حواجز الفرقة الرابعة، المعروف باسم ’حاجز المالبورو‘"، موضحاً أن "الحاجز كان يفرض على القادمين من لبنان تقديم علب سجائر بدل المال للسماح لهم بالمرور، في إطار ممارسات ابتزاز ممنهجة، إذ كانت السجائر تجمع يومياً وتوزع بين الضباط والعناصر، قبل أن يعاد بيعها على بسطات قريبة من الحاجز".
ويشير حيدر إلى أن "ما تلا سقوط النظام كشف عن حجم الفساد البنيوي الذي كان سائداً داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك تخزين كميات كبيرة من الأموال"، مؤكداً أن "هذه الممارسات تعكس طبيعة نظام حول الأجهزة الأمنية إلى أدوات للقمع والاستغلال، بعيداً من أي إطار قانوني أو مؤسساتي".
ما خلف الجدران
بدوره، يروي حيدر أن ما شاهده في دمشق بعد سقوط النظام السوري كشف عن حجم الانتهاكات التي مورست على مدى سنوات، مشيراً إلى أن بعض المواقع التي دخلها شكلت "مسارح جرائم موثقة لا يمكن تجاهلها،" موضحاً أنه في الـ12 من ديسمبر (كانون الأول) 2024، دخل مع فريق إعلامي إلى مجمع الفروع الأمنية في كفرسوسة، وتحديداً ما يعرف بـ"الفرع 215"، بعد الحصول على إذن خاص نظراً إلى تصنيف المكان "مسرح جريمة". ويلفت حيدر إلى أن "المجمع يضم ستة إلى سبعة مبان، يناهز عدد طوابق كل منها ثمانية، ويشكل ما يشبه مدينة أمنية مغلقة"، مضيفاً أن "أول ما يلفت الانتباه داخل المكان هو الروائح العالقة، إلى جانب غرف مليئة ببطاقات الهوية الشخصية، إذ شوهدت نساء يفتشن بين الهويات بحثاً عن أبنائهن أو أقاربهن المفقودين". كما اطلع حيدر على غرف التحقيق في الطوابق العليا، قبل النزول إلى الزنازين، إذ تبين وجود محتجزين قضى بعضهم نحو 30 عاماً داخل هذه المراكز، ومن بينهم لبنانيين، مشيراً إلى أن تمثالاً للرئيس السوري السابق حافظ الأسد داخل المجمع "جرى تحطيمه خلال الجولة، في دلالة رمزية على سقوط الحقبة التي ارتبطت بهذه الانتهاكات".
في سياق متصل، تحدث حيدر عن زيارته إلى قرية "نجها"، الواقعة على مقربة من دمشق، واصفاً إياها بإحدى أكبر مسارح الجريمة التي اعتمدها النظام السابق. ويوضح أن "الموقع كان يستخدم كمقبرة مدنية، إذ عثر على أخاديد طويلة حفرت في الأرض لدفن أعداد كبيرة من الضحايا يومياً، بعد نقلهم من سجن صيدنايا ومن فروع أمنية أخرى، عبر رمي الجثامين في الخنادق ورشها بالكلس ثم ردمها، قبل فتح خنادق جديدة في اليوم التالي، ويقدر عدد المدفونين في الموقع بعشرات الآلاف".
شهادة من داخل الميدان
وما بين الجغرافيا الوعرة والإمكانات المحدودة، يقدم مصدر من داخل الميدان شهادة تكشف كيف أدير ضبط الحدود في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً، وما الذي كان يمكن السيطرة عليه وما كان يتجاوز الأجهزة اللبنانية بفعل السياسة قبل الأمن.
ويشير المصدر إلى أن "الوحدات العسكرية تمكنت، خلال تلك المرحلة، من فرض مستوى مرتفع من السيطرة الميدانية، ولا سيما في البقاع الغربي، إذ كان تهريب الصهاريج شبه معدوم منذ عام 2018 بفعل غياب المسالك الصالحة وحصر العبور بمعبر "المصنع" الشرعي، فيما اقتصر التهريب على عمليات محدودة وبكميات صغيرة من الوقود أو السجائر أو بعض الأجهزة الكهربائية، وهي كميات لا تقارن بعملية تهريب منظمة واحدة تتم عبر المعابر بتواطؤ داخلي"، كاشفاً في المقابل عن "ضبط حالات دخول خلسة عبر المعبر نفسه وتوثيق مخالفات داخل ساحات الشحن"، مؤكداً أن "الخلل لم يكن في القرار بل في بعض المنفذين الذين جرت محاسبة عدد منهم"، لافتاً إلى أنه "لم تسجل خلال تلك الفترة أية عمليات تهريب مخدرات عبر هذا القطاع، مما يرجح وجود مسارات أخرى خارج نطاق المسؤولية المباشرة".
أما بالنسبة إلى نطاق "معبر المصنع"، فيوضح أن "هذا النطاق لا يقتصر على الطريق نفسه، بل يشمل كامل الحرم الأمني والإداري واللوجستي المحيط به، على غرار حرم المطار، وهو ما ينطبق أيضاً على المعابر الكبرى الأخرى بين البلدين، كمعبري العبودية والقاع"، مشيراً إلى أن "التحدي الأساس لم يكن داخل المعابر، بل في اتساع النطاق الحدودي المحيط وسهولة اجتيازه سيراً على الأقدام أو على الدواب، في ظل غياب عوائق طبيعية حاسمة، إذ يمتد نطاق المسؤولية لأكثر من 80 كيلومتراً، مما يجعل تغطيته الكاملة مستحيلة عددياً، ويفرض الاعتماد على إدارة ذكية للموارد بدل الانتشار الكثيف".
ويضيف "الوحدات اعتمدت على دوريات تكتيكية ذكية تقوم على الحركة المقصودة ثم التوقف المفاجئ وترك عناصر على الأرض لساعات، مما أربك المهربين وخلق ردعاً نفسياً دائماً، وجعل هذه الآلية من أكثر أساليب الضبط الميداني فعالية"، موضحاً أن "مقاربة العمل اعتمدت على أربعة محاور متكاملة شملت العمليات الميدانية، والتدريب والتجهيز، وتطوير البنى التحتية، والدعم اللوجستي، بالتوازي مع تعاون دولي وتنسيق وثيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، بهدف ضبط الحدود، والحد من التهريب، والدفاع عن الأراضي اللبنانية من أي اعتداء مسلح".
عراقيل النظام السوري السابق
ويكشف عن أنه "ما كان يعرقل عملنا فعلياً هو الجانب السوري المقابل خلال فترة النظام السابق"، مشيراً إلى أنه "في أكثر من مناسبة، ثبت لدينا أن عناصر من الجانب الآخر كانوا يسهلون التهريب أو يؤمنون الحماية للمهربين، لدينا توثيق بالكاميرات لحالات دخول مهربين إلى مراكز عسكرية سورية".
ويروي أنه "في إحدى المرات، أوقفنا مهرباً تبين أنه ضابط برتبة نقيب في الجيش السوري. كما حصلت اشتباكات محدودة عندما حاولوا منعنا من توقيف مهربين، وعلى رغم الاجتماعات والشكاوى والتقارير عبر قنوات التنسيق الرسمية، لم يتغير الواقع في تلك المرحلة". أما المواد المهربة، فيشير إلى أنها "كانت بمعظمها مواد حياتية: سجائر، ومازوت، وبنزين، وغاز، وبكميات صغيرة، نظراً إلى طبيعة الأرض التي لا تسمح بمرور صهاريج أو شحنات كبيرة. أما اليوم، الوضع مختلف كلياً، وهناك تشدد واضح من الجهة المقابلة، لكن التهريب كظاهرة لا يمكن القضاء عليه نهائياً، بل الحد منه فقط".
أما في مجال البنى التحتية، فيقول "كانت التحديات كبيرة، المراكز الحدودية كانت في مناطق نائية تفتقر إلى الكهرباء والمياه والخدمات. المسافة بين مركز وآخر قد لا تتجاوز 500 متر، لكنها تتطلب أحياناً نصف ساعة سيراً على الأقدام بسبب التضاريس. الهدف الأساس كان شق الطرق وربط المراكز ببعضها، عملنا ضمن الأملاك العامة، وشققنا طرقات، وأنشأنا أكثر من 12 مهبطاً للطوافات لخدمة أكثر من 30 مركزاً، لتأمين الإسناد والإخلاء السريع عند الحاجة، كما زودنا بآليات خاصة للعمل في الثلوج وفتح الطرقات شتاء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختبار معنى جديد للعبور
بعد عام على سقوط النظام السوري، لم يعد طريق بيروت – دمشق يحمل ثقل الحواجز التي كانت تسرق الوقت والطمأنينة، بل صار طريقاً يسير فيه العابرون بلا خوف ظاهر، فيما تتبدل الرموز وتخف حدة السلطة، ويبدأ الناس في اختبار معنى جديد للعبور.
في هذا السياق، يقدم براء عبيد، الصحافي الذي هجر سابقاً من الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري قبل أن يعود لدمشق مع بداية مرحلة التحرير، شهادة موازية تكمل الصورة، مؤكداً أن "طريق بيروت – دمشق لم يعد يشبه ما كان عليه في السنوات الماضية، لا في تفاصيل العبور ولا في منطق السيطرة الذي كان يحكمه".
وأوضح أن "الطريق في السابق كان يعج بالحواجز غير النظامية، التي كانت تتبع لتشكيلات متعددة، من ألوية وكتائب وضباط، وتعمل خارج أي إطار مؤسساتي واضح". وكانت هذه الحواجز، بحسب وصفه، "تمارس عمليات ابتزاز وسلب أموال واحتجاز عابرين إلى حين دفع مبالغ مالية في مقابل السماح لهم بالمرور، مما جعل الطريق مسرحاً لحوادث متكررة وخطرة، في ظل حالة من الفوضى وانعدام الأمان، كما كان الحال في عدد من الطرق في المناطق الشرقية آنذاك".
وأشار إلى أن "الوضع اليوم مختلف تماماً، إذ بات الطريق من دمشق إلى الحدود اللبنانية، ومن بيروت إلى دمشق، خالياً من الحواجز بصورة كاملة". الطريق، وفق شهادته، "مفتوح وسالك وآمن حتى الوصول إلى الحدود، من دون وجود نقاط تفتيش أو عوائق تعوق حركة العبور".
اختفاء صور صدمت لعقود
في سياق متصل، تحدث عبيد عن "تغيرات لافتة على المستوى الرمزي والبصري، أبرزها اختفاء صور الرئيس السابق بشار الأسد واللافتات المرتبطة بها، إضافة إلى تغير اللباس العسكري وآليات التفتيش". وأكد أن "هذه المظاهر لم تستبدل بصور أو رموز جديدة بالطريقة نفسها، بل اختفت من المشهد العام، مما انعكس تراجعاً لحالة الترهيب التي كانت سائدة سابقاً". وأضاف أن "العناصر العسكرية باتت اليوم تبعث على الطمأنينة بدل الخوف، بخلاف ما كان يرافق رؤية الزي العسكري في السابق، الذي كان يذكر المواطنين بالانتهاكات والجرائم".
أما على مستوى البنية العسكرية والإدارية، فأشار إلى أن "البلاد شهدت تحولاً كبيراً خلال سنة واحدة بعد التحرير. ففي السابق، كانت كل جهة أو لواء أشبه بتشكيل مستقل، تحكمه الولاءات والتحزبات، مع وجود انقسامات داخلية متشابكة، مما جعل مؤسسات الدولة أقرب إلى تجمعات نفوذ ومصالح، إذ كان المال قادراً على شراء الولاءات وتغيير القرارات".
وأوضح عبيد أن "هذا الواقع تغير اليوم باتجاه تكتل حكومي واحد، يعمل ضمن تسلسل إداري واضح، وتخضع مختلف الجهات لإطار حكومي جامع، من دون وجود التشكيلات السابقة المعروفة"، معتبراً أن "هذا التحول، الذي تحقق خلال عام واحد، يعد إنجازاً ملاحظاً، مقارنة بتجارب دول أخرى احتاجت سنوات طويلة لتحقيق مستوى مشابه من إعادة التنظيم".
وختم بالإشارة إلى "تغير ملاحظ في مزاج الناس وخطابهم العام، إذ بات المواطنون اليوم أكثر قدرة على التعبير عن شكواهم ومطالبهم، بما في ذلك انتقاد أخطاء تصدر عن بعض العناصر العسكرية، والمطالبة بمعالجتها". ولفت إلى أن "الحكومة تظهر قدرة أكبر على ضبط الأوضاع واحتواء الإشكالات وطمأنة المواطنين، في وقت كانت فيه مثل هذه المطالب شبه محرمة خلال الحقبة السابقة". وأكد أن "المطالب اليوم باتت تتركز على تحسين الأوضاع المعيشية، في ظل تقاطع أكبر بين مطالب الناس وتوجهات الحكومة، بهدف تحقيق مصلحة الوطن، خلافاً لما كان سائداً سابقاً من تغليب مصالح الفئات النافذة".
بدوره، يشير الناشط السوري عمر حريري إلى أن "الطريق بين بيروت ودمشق لم يعد يشهد وجود حواجز كما كان الحال سابقاً"، موضحاً أنه "لا توجد حالياً سوى نقطة تفتيش أمنية روتينية، وهو أمر طبيعي على أي طريق دولي". وأكد أن "عناصر الفرقة الرابعة لم تعد موجودة أساساً على هذا المحور، بخلاف ما كان عليه الوضع في السابق، إذ شكلت تلك الحواجز مصدر خوف وترهيب للمسافرين".
وفي ما يتعلق بالمشاهد الجديدة على الطريق، لفت حريري إلى أن "اختفاء صور الرئيس السابق بشار الأسد يعد أمراً طبيعياً في ظل المرحلة الجديدة، كما أن تغير اللباس العسكري يدخل في الإطار نفسه"، موضحاً أن "اللافتات المنتشرة على الطريق تعود لأعمال هندسة الطرقات التي تشرف عليها وزارة النقل، إذ جرى تجديد العواكس والإشارات المرورية واللافتات الطرقية، في سياق تحسين البنية التحتية للطريق".
أما عن التوازنات الأمنية على الحدود بعد سقوط النظام، فرأى حريري أن "تقييم التغيرات الأمنية بصورة دقيقة لا يمكن أن يتم إلا من خلال الاحتكاك المباشر على خطوط الحدود، إذ تنتشر العناصر العسكرية"، مشيراً إلى أن "تعاطي العناصر الحدودية في المعابر الرسمية يوصف بالجيد، من دون تسجيل ممارسات سلبية لافتة".
وفي ما يخص المزاج العام للناس، أكد حريري أن "الأجواء تغيرت نحو الأفضل مقارنة بالمرحلة السابقة"، لافتاً إلى أن "المطالب الأساسية للمواطنين اليوم تتركز على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد".