Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فنزويلا على طريقة ترمب: هل تتكرر أخطاء العراق وأفغانستان؟

 هيكل السلطة القائم في كراكاس يلقي بظلال أخطاء أسلاف الرئيس الأميركي

لم تظهر بوادر حتى الآن لاستعادة الديمقراطية في فنزويلا، فقد وصف ترمب ماتشادو بأنها لا تحظى بدعم كبير أو احترام في صفوف الجيش (رويترز)

ملخص

رغم الاستعراض المذهل للقوة العسكرية الأميركية خلال عملية اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، لم يحدث تغيير للنظام في كاراكاس، إذ لا تزال نفس المجموعة من السياسيين اليساريين ومن تصفهم إدارة ترمب بتجار المخدرات يديرون البلاد من دون زعيمها السابق، فكيف تختلف رهانات الرئيس دونالد ترمب مع الرئيسة الموقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز عن سياسات الإدارات الأميركية السابقة مع كل من العراق وأفغانستان، وما إمكانية نجاح هذه السياسة والأخطار التي تواجهها؟

بعد وقت قصير من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأميركية، شبه ميغيل تينكر سالاس وهو مؤرخ أميركي من أصل فنزويلي هذه العملية بـ"قراصنة الكاريبي" في إشارة إلى انتهاك القانون الدولي بعملية عسكرية غير مسبوقة ضد رئيس في السلطة ورغبة الإدارة الأميركية في مزيد من السيطرة على دول أميركا اللاتينية، فلا شيء يضاهي استخدام القدرات العسكرية الهائلة للولايات المتحدة بالنسبة إلى الرئيس الأميركي الذي بدت النشوة في صوته حينما تحدث إلى الصحافيين عن هذه العملية المذهلة في فنزويلا.

لكن هذا الشعور بالقوة المطلقة يحمل في طياته ما يصفه كثر حول العالم بالغطرسة التي زعزعت استقرار جميع الإدارات الرئاسية الأميركية السابقة تقريباً على مدى ثلاثة عقود، التي خاضت غمار مغامرات عسكرية في أفغانستان والعراق بدت ناجحة وسهلة في بداياتها وسط انتصارات عسكرية ساحقة عززتها القوة الصلبة للجيش الأميركي، لكنها ما لبثت أن غرقت في رمال الشرق الأوسط بمرور الوقت وأدت في النهاية إلى مقتل آلاف الأميركيين وإنفاق تريليونات الدولارات.
ومع ذلك يبدو الرئيس ترمب الذي يعتقد أنه أذكى وأقوى من أسلافه، مقتنعاً بأنه يستطيع الحصول على ما يريد من دول وموارد من دون دفع أي ثمن، فقد وصف كوبا بأنها على وشك الانهيار، ولا تحتاج لتدخل عسكري أميركي، وأشار إلى أن كولومبيا يحكمها رجل مريض لن يدوم طويلاً، بينما يريد إرسال قوات أميركية إلى المكسيك التي تديرها عصابات المخدرات، أما بالنسبة إلى غرينلاند، التابعة للدنمارك حليفة أميركا في "الناتو"، فهو مستعد لشرائها ولا يستبعد غزوها عسكرياً بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

وبصرف النظر عما إذا كان هذا التفكير وهمياً أو نرجسياً، فإن ترمب يمضي بلا كلل نحو إعادة ترتيب العالم من الألف إلى الياء، مقتنعاً بأنه يسير على الطريق الصحيح، بينما معظم الدول الأخرى لم تتوصل إلى استراتيجية لاحتوائه.

القادم أصعب

ربما كانت إطاحة حكومة مادورو هي الخطوة الأسهل، والآن تأتي المهمة الأكثر خطورة بالنسبة إلى ترمب ووزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي ماركو روبيو، الذي كلفه أيضاً الإشراف على فنزويلا ضمن فريق من ستة أشخاص باعتباره الأكثر اطلاعاً على سياسات أميركا اللاتينية، الذي يجيد التحدث باللغة الإسبانية كونه ابن مهاجرين كوبيين، ومدافع عتيد عن إسقاط الحكومتين اليساريتين في كوبا وفنزويلا.
ينبع الخطر من أن ترمب أطلق عملية تغيير عنيفة في فنزويلا قد تكون لها تداعيات لا يستطيع السيطرة عليها، فهي بكل المعايير مغامرة فريدة من نوعها مقارنة بالحكومات الموقتة التي دعمتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، حين انتظمت الولايات المتحدة في عملية بناء الدولة في كل منهما، وأبقت سيطرتها هناك من خلال الوجود العسكري الأميركي على الأرض لمدة امتدت لنحو 20 عاماً، لكنها دفعت ثمناً غالياً كثيراً ما كان سبباً في انتقاد ترمب لأسلافه بسبب الحروب التي لا تنتهي ودفعته إلى التعهد بعدم تكرار أخطائهم.

 

استراتيجية مختلفة

لكن مع اعتراف ترمب بأن الولايات المتحدة مسؤولة عن إدارة هذا البلد الفقير الذي يبلغ عدد سكانه 30 مليون نسمة، بعد احتجاز مادورو في سجن فيدرالي في نيويورك، يواجه الرئيس الأميركي حقيقة كيفية تحقيق أهدافه باستراتيجية تختلف عن أسلافه وتتجنب أخطائهم، يشمل ذلك الحفاظ على حصار عسكري أميركي للمياه الكاريبية التي تستخدمها البلاد لتصدير النفط، مع محاولة إقناع حلفاء مادورو اليساريين، الذين لا يزالون في السلطة بالتماسك وتمهيد الطريق لعودة شركات النفط الأميركية تمهيداً لمنحها ما يسميه الوصول الكامل إلى احتياطات النفط الفنزويلية، التي تعد الأكبر في العالم.

ولا تنكر الإدارة الأميركية حقيقة أنها تتعاون مع خليفة مادورو التي اختارها بنفسه وهي ديلسي رودريغيز التي دعت واشنطن للتعاون على أمل استمالة ترمب من خلال منح الشركات الأميركية صفقات جديدة في حقول النفط الفنزويلية الشاسعة، وبذلك تسعى إلى تخفيف الضغط الأميركي على البلاد من دون الحاجة إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية جذرية.

لاقت هذه الخطوة ترحيباً أميركياً، بخاصة بعدما أكدها أول إجراء تعاوني سارع ترمب في منشور له إلى الإعلان عن تفاصيله، حين قال إن السلطات الانتقالية في فنزويلا وافقت على تسليم إدارته ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الثقيل عالي الجودة الخاضع للعقوبات كي يبيعه بسعر السوق والاستفادة من العائدات لكلا الشعبين الأميركي والفنزويلي.

دبلوماسية البوارج الحربية

لكن إذا لم تلتزم رودريغيز بالخضوع التام لجميع مطالب الرئيس الأميركي التي تتضمن أيضاً إنهاء تدفقات المخدرات للولايات المتحدة، وقطع المساعدات عن خصوم أميركا، فستواجه وضعاً أسوأ من وضع مادورو بحسب ما قال ترمب، وهو في ذلك يعيد سابقة قديمة من دبلوماسية البوارج الحربية التي استخدمتها أميركا في القرن الـ19، حيث كانت تقول "عليكم أن تفعلوا ما نريده وإلا سنتدخل".

عكس هذه الاستراتيجية بوضوح الوزير روبيو عندما سئل في برنامج على شبكة "سي بي أس نيوز" عن كيفية تخطيطه لإدارة البلاد، حيث ركز على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على الحصار البحري لصادرات النفط الفنزويلية، مؤكداً أن الأسطول الأميركي في البحر الكاريبي والحصار شبه الكامل لناقلات النفط المتجهة من وإلى فنزويلا سيضغطان على ديلسي رودريغيز للرضوخ لرغبات إدارة ترمب، مشيراً إلى أنها ورقة ضغط هائلة ستظل قائمة حتى ترى الإدارة تغييرات لا تخدم فقط المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، وهي الأولوية القصوى، بل تؤدي أيضاً إلى مستقبل أفضل لشعب فنزويلا.

 

بين نارين

لكن مزيداً من التنازلات الحكومية الفنزويلية لواشنطن قد تهدد في الوقت نفسه الاستقرار والوحدة بين الشخصيات الرئيسة المؤثرة في النظام الحاكم في كراكاس، فبالنسبة إلى اليساريين المتشددين والشخصيات المناهضة للإمبريالية، مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو، اللذين يسيطران على الشرطة والجيش والقوات شبه العسكرية في البلاد، فإن الاستسلام للولايات المتحدة هو أقصى درجات الخيانة.

يخلق هذا الوضع معضلة صعبة لرودريغيز، وكما يقول ديفيد سميلد، المتخصص في مجال العلوم السياسية في جامعة تولين، فإن الرئيسة الموقتة لفنزويلا ستجد نفسها محاصرة بين القوة النارية الأميركية والقوة النارية الفنزويلية حيث لا يمكنها أن تخضع كثيراً للمطالب الأميركية في وقت لا تزال فيه عديد من الفصائل العسكرية وأصحاب النفوذ المرتبطين بالنظام الثوري المستمر في فنزويلا منذ ربع قرن تشكل تهديداً في الأقل في الأمد القريب.

ظلال العراق وأفغانستان

ولهذا تشكل إدارة فنزويلا تحدياً كبيراً لروبيو، بخاصة أنه يفعل ذلك عبر هيكل السلطة القائم مما يلقي بظلال وأشباح ما يسميه كثر جهود الولايات المتحدة الفاشلة لتغيير النظام الحاكم في كل من أفغانستان والعراق، وإذا انتهى الأمر بالإدارة الأميركية وسط حرب تقليدية أو حرب ضد التمرد في البلاد، حيث حكمت حكومة معادية لواشنطن طوال هذا القرن، فسيثير ترمب وروبيو غضب عديد من المواطنين الأميركيين، بما في ذلك الذين ينتمون إلى اليمين والذين يشتبهون في أن روبيو خصوصاً هو أحد المحافظين الجدد الذين يروجون للتدخلات العسكرية الأميركية الأيديولوجية في الخارج.

إذا نظرت القوى السياسية والشعب في فنزويلا إلى الإدارة الأميركية على أنها تنهب الموارد الطبيعية لفنزويلا وتبقي السكان في حالة فقر، فسيؤجج ذلك كثيراً من الغضب ضد الولايات المتحدة ليس فقط في فنزويلا، بل في جميع أنحاء أميركا اللاتينية. ويمكن أن تعرض النتيجة السيئة فرص روبيو في الوصول إلى منصب أعلى للخطر، بخاصة أنه ترشح للرئاسة ضد ترمب عام 2016، وقد يحاول الترشح مرة أخرى.

ولا يخفي كبار أعضاء الكونغرس الأميركي مثل السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، الذي عمل من كثب مع روبيو في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، حيث اعتبر أن المخاطرة عالية وأن الشعب الأميركي غير مستعد لمشروع آخر لبناء دولة قائم على السعي وراء احتياطات النفط.

عدم اليقين

على رغم أن ترمب أوضح للصحافيين مساء الأحد، إنه قد يعيد فتح السفارة في كراكاس بعدما أصدر مادورو أوامره للدبلوماسيين الأميركيين بمغادرة البلاد عام 2019 بعدما اعترف ترمب بزعيم المعارضة الشاب خوان غوايدو رئيساً شرعياً، في محاولة لإطاحة مادورو، التي باءت بالفشل في نهاية المطاف، إلا أن حالة من عدم اليقين لا تزال تخيم على الأجواء في فنزويلا.
وتشير روبن لورين ديربي، وهي مؤرخة أميركا اللاتينية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إلى شكوكها في رغبة ترمب الصادقة في تحسين حياة الشعب في فنزويلا، حيث ترى إن كان بإمكان الرئيس الأميركي رفع العقوبات التي فرضها على فنزويلا في ولايته الأولى لمحاولة تحقيق المستقبل الأفضل الذي تحدث عنه روبيو، وهو ما تعده أمراً مقلقاً للغاية، ولهذا ترى أن إدارة الولايات المتحدة لفنزويلا ستكون مكلفة للغاية وغير شعبية على الإطلاق هناك.
ومع ذلك نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" تقريراً قالت فيه إن إدارة ترمب تجري محادثات سرية مع رودريغيز منذ أشهر عدة في شأن مرحلة انتقالية لما بعد مادورو في فنزويلا وأن المسؤولين الأميركيين وقادة شركات النفط يدركون أنه يمكنها قيادة إدارة انتقالية، لكنها تحتاج إلى مساعدة من الولايات المتحدة، وبخاصة في ما يتعلق برفع العقوبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استبعاد الديمقراطية

لكن هناك أسئلة إشكالية أخرى تواجه ترمب وروبيو وكبار المسؤولين الأميركيين تتمحور حول مدى إمكان الوثوق في أن بقايا نظام مادورو سيصبحون حقاً شركاء أميركا في الانتقال إلى انتخابات ديمقراطية قد تكون بعيدة المنال، وهل يهمش ترمب وروبيو المعارضة الديمقراطية بقيادة ماريا كورينا ماتشادو الحائزة جائزة نوبل للسلام ويجعلانها في دور المتفرج؟
لم تظهر بوادر حتى الآن لاستعادة الديمقراطية في فنزويلا، فقد وصف ترمب ماتشادو بأنها لا تحظى بدعم كبير أو احترام في صفوف الجيش، وهو رأي انعكس في تحليل سري حديث لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، على اعتبار أن تغيير النظام الحقيقي هناك كان سيتطلب مزيداً من الوقت وتخطيطاً مكثفاً للانقلاب على السلطة، والقدرة على كسب تأييد قوة حاسمة داخل الجيش.
وتعترف الإدارة الأميركية أنها لا تمتلك القدرة على إيصال المعارضة الديمقراطية إلى السلطة فوراً، على رغم أن القوات العسكرية والأمنية قد لا تملك القدرة على مقاومة ترمب ولهذا تتعامل الإدارة مع الوضع خطوة بخطوة، خشية أن تنهار الحكومة الحالية تحت الضغط المستمر.

تغييرات كثيرة

لكن روبيو توقع أن تشهد فنزويلا تغييرات من جميع الأنواع، على المدى الطويل والقصير في وقت أكد فيه السيناتور الجمهوري توم كوتون، أن روبيو على اتصال بمسؤولين في حكومة مادورو وكذلك مع حركة المعارضة التي تتزعمها ماتشادو، وترشح حليفها إدموندو غونزاليس ضد مادورو للرئاسة عام 2024 وفاز بفارق كبير، وفقاً لخبراء الانتخابات الدوليين ومسؤولين في إدارة بايدن قبل أن يفر غونزاليس إلى إسبانيا بعدما تمسك مادورو بالسلطة.

ويعود التواصل بين روبيو وزعيمي المعارضة إلى ثاني يوم له في منصبه، ففي 22 يناير (كانون الثاني) 2025. ووصف روبيو غونزاليس بأنه الرئيس الشرعي وأكد دعم الولايات المتحدة لاستعادة الديمقراطية في فنزويلا. وفي عام 2024 كتب روبيو وسبعة أعضاء جمهوريين آخرين من مجلس الشيوخ رسالة رسمية لدعم ترشيح ماتشادو لجائزة نوبل.

تهميش موقت

غير أن عدم تحدث روبيو علناً في الأشهر الأخيرة عن استعادة الديمقراطية في فنزويلا في أي وقت قريب، الذي أصبح هدفاً يرفضه عديد من مؤيدي ترمب باعتباره "أيديولوجية محافظين جدد" مشبوهة، إلا أنه من المرجح أن تكون هذه النتيجة مقلقة لروبيو، نظراً إلى سجله الطويل كواحد من أقوى حلفاء ماتشادو في واشنطن كما تقول فرانشيسكا إيمانويل، الباحثة في شؤون أميركا اللاتينية في مركز البحوث الاقتصادية والسياسية في واشنطن.

على الصعيد الداخلي، يتمثل أحد التحديات الرئيسة التي تواجه روبيو في إدارة الضغط من القاعدة الجمهورية في فلوريدا ومن المشرعين من ولايته، وكثر منهم كانوا يتوقعون أن عملية تغيير النظام في فنزويلا بقيادة الجيش الأميركي ستقود إلى تنصيب حكومة معارضة برئاسة ماريا ماتشادو وإدموندو غونزاليس، لكن بدلاً من ذلك تم تهميشهما في الأقل في الوقت الحالي، إذ لم تعد الغالبية العظمى من المعارضة موجودة داخل فنزويلا، وغادرت ماتشادو البلاد سراً على متن قارب الشهر الماضي.

ومع ذلك قد تبقي إدارة ترمب ورقة المعارضة كأداة ضغط أخرى على بقايا نظام مادورو، وإذا تغيرت الأوضاع بصورة ما خلال الفترة الانتقالية، ربما تظهر المعارضة مرة أخرى على سطح الأحداث.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات