هل يمكن الهروب من هيمنة الدولار؟

خبراء: العملة الأميركية تفرض قوتها على التداول العالمي... والبديل صعب مع وجود احتياطيات ضخمة

بدأت شركات نفط وغاز روسية استكشاف تسويات بديلة للعملات في مواجهة التوترات الجيوسياسية مع أميركا (رويترز)

مساعٍ دولية للتخلص من هيمنة الدولار الأميركي على الاقتصاد العالمي لتجنب العقوبات المالية التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية حال مخالفة الدول سياستها، وتبرز من حين لآخر مطالب باعتماد عملات أخرى لتسعير النفط (أكثر سلع العالم تداولا)، بدلا من حصره على العملة الأميركية.

ويعتبر النفط الأكثر تداولا بين السلع الأولية في العالم، بحجم تجارة يقدر بنحو 14 تريليون دولار سنويا، 99% منها تتداول بالدولار.  

فيما يتمتع الدولار بقدرة الولايات المتحدة على إصدار عملتها بكميات كبيرة تغطي العالم، وتسيطر على حجمها في الوقت نفسه مع دقة السياسة النقدية واستقلالها سياسيا، مما يزيد الثقة في الدولار.

روسيا تبحث عن بدائل للدولار

وقال وزير الاقتصاد الروسي، مكسيم أورشكين، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، الأحد، إن بلاده تبحث عن بدائل للدولار الأميركي في مدفوعات الطاقة مع الخارج، لأن تسوية عقود الطاقة، ممثلة بالنفط ومشتقاته والغاز، بعملتي اليورو والروبل ستحدّ من الحاجة إلى الدولار الأميركي.

وبدأت شركات النفط والغاز المملوكة للدولة في روسيا، بالفعل، استكشاف تسويات بديلة للعملات في مواجهة التوترات الجيوسياسية مع الولايات المتحدة.

وذكر الوزير الروسي أن بلاده تريد تقليل تعرضها للولايات المتحدة، عن طريق جذب المزيد من المستثمرين من خلال التسويات بالروبل، مضيفا "لدينا عملة جيدة للغاية، إنها مستقرة. لماذا لا نستخدمها في المعاملات العالمية، نريد مبيعات النفط والغاز بعملة الروبل في مرحلة ما".

وتابع "إن شعبية السندات المحلية لروسيا بين المستثمرين الأجانب، الذين يمتلكون 29% من ديونها بالروبل، تشير إلى أن موسكو ستكون قادرة على بيع صادراتها من الطاقة بالعملة المحلية".

وتعد روسيا مصدرا رئيسا للطاقة في العالم، إذ صدّرت شركة "غازبروم" ما قيمته 51 مليار دولار من الغاز الطبيعي إلى أوروبا في 2018، بينما صدّرت شركة "روسنفت" 123.7 مليون طن من النفط، وتسعى موسكو إلى تخفيف تعرضها للولايات المتحدة عبر الدولار الأميركي، من خلال خطة "لإزالة الدولرة"، وإصدار أدوات دين بالعملتين المحلية والأوروبية.

أسعار نفط مستقرة

وعلى ذات الصعيد، قال علي حمودي، المستشار الاقتصادي، إن هذه ليست المرة الأولى التي تتعالى فيها الأصوات بخصوص تسعير بعض السلع الأساسية، وأهمها النفط، بعملة غير الدولار، لافتا إلى أن تسعير النفط باليورو أو سلة من العملات لن يغيّر سعر النفط العالمي، لأن أسعار الصرف هي التي ستحدد سعر النفط بعملات أخرى.

وأشار حمودي إلى أن مؤيدي تسعير النفط باليورو أو بعملة أخرى استندوا إلى نجاح العراق عندما طلب من الأمم المتحدة أن تتلقى اليورو بدلاً من الدولار لصادراتها النفطية بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة، إلا أنهم يتجاهلون حقيقة أن العراق لم يسعّر نفطه باليورو. وكان سعر النفط العراقي لا يزال بالدولار، لكن الحكومة العراقية أصرّت على أن يُدفع لها باليورو، لذا حوّلت الأمم المتحدة إيرادات الدولار من مبيعات النفط إلى اليورو وأودعتها في حسابات العراق.

وأكد أنه يتم تداول النفط، وهو سلعة عالمية، باستخدام الدولار الذي سهّل النظام برمته بشكل كبير، ومن أجل تغيير العملة المستخدمة في تسعير النفط يجب إغراق العالم بعملة مختلفة أخرى، وهو أمر غير منطقي لأن الولايات المتحدة لديها أكبر اقتصاد في العالم، ومن غير المرجح أن تتخلف عن السداد، وأيضاً الدولار لا يزال عملة الاحتياط العالمية، وأولئك الذين يحتفظون بالدولار لا يرغبون في رؤية قيمة حيازاتهم تنخفض من انخفاض الطلب على الدولار بشكل كبير.

ويرى المستشار الاقتصادي أنه في ظل الظروف الحالية سيكون البديل الواقعي الوحيد هو الاعتماد على سلة عملات متوازنة إلى حد ما، ويكون ضمنها الدولار، لتكون هذه السلة الدافع للتجارة العالمية، ولكن بعد ذلك هل ستشتري النفط بالين أسبوعاً وبالإسترليني الأسبوع الذي يليه، ولكن سلة العملات تتضمن مخاطر في كونها غير مستقرة بطبيعتها من منظور عالمي، لأن التغيير المستمر في سعر صرف عملات السلة سيضيف تقلبات إلى السوق.

وزاد "إذا كان التحول عن الدولار سيحدث، على الأرجح إلى حد كبير، نتيجة لمبادرات روسيا، فهناك خطر كبير على تجارة النفط في التلاعب في نظام تسعير النفط العالمي من أجل تغيير عملة البيع. لا تزال ميزة وتكلفة الهيمنة الأميركية في عالم العملة الخيار الأرخص للدول الأخرى في الوقت الحالي في الأقل".

وقال إن الدولار الأميركي هو العملة الاحتياطية العالمية في الوقت الحالي وفي المستقبل المنظور، فليس هناك داعٍ للولايات الأميركية لفعل أي شيء للدفاع عن الدولار، لأنه ليس من المصلحة الاقتصادية لمعظم الدول المصدرة للنفط الرئيسة تقويض الدولار.

وتابع حمودي "على سبيل المثال، إذا كان سعر النفط 60 دولاراً للبرميل، وكان سعر صرف 1 يورو هو 1.10 دولار، فإن سعر النفط باليورو سيكون 54.54 يورو للبرميل، وفي هذه الحالة، البلد المنتج غير مبال بالأمر لأن سعر البرميل سيظل كما هو".

استبدال الدولار وسيلة للضغط

من جانبه، قال أحمد حسن كرم، خبير أسواق النفط العالمية، إن مقترح استبدال الدولار ليس وليد اللحظة ويظهر من حين لآخر، وما هو إلا وسيلة للضغط على الدولار والسياسة الأميركية. 

وأكد أن النفط يتم تقييمه بالدولار الأميركي ويعتبر أكثر السلع تداولا بالأسواق العالمية، وهو ما يجعل الدولار أكثر العملات تداولا بالعالم أيضا، كما تبيع غالبية الدول المنتجة نفطها بالدولار، في مقدمتهم السعودية التي تنتج قرابة العشرة ملايين برميل يوميا وتربطها حاليا علاقات حميمة مع الولايات المتحدة، وليست وحدها، بل حتى الدول الخليجية المنتجة للنفط تقع في نفس هذه الدائرة.

وتوقّع "كرم" عدم وجود أي تأثير قوي إذا تم بيع النفط الروسي بعملات أخرى، لأن ما سيتم عمله هو بيع جزء بسيط من النفط والغاز مقارنة بالنسبة التي تحتلها بقية دول العالم المنتجة. وربما ستتأثر السوق قليلا وبشكل بسيط فقط، أما إذا قررت باقي الدول المنتجة بيع نفطها بعملات أخرى فسيكون التأثير قويا على الدولار والاقتصاد الأميركي.

تفادي عقوبات اقتصادية

وفي هذا الصدد، يقول نادر حدّاد، المستشار المصرفي الدولي في لوكسمبورغ، إن "روسيا تسعى منذ سنوات للاستغناء عن الدولار الأميركي لاعتبارات عدّة، منها أن روسيا تريد أن تتفادى عقوبات اقتصادية تمنع شركات ومؤسسات روسية من استخدام الدولار، كذلك تتحسب روسيا من إمكانية أن تخرج من النظام المالي العالمي مثل شبكة "سويفت"، وفي هذا الإطار عملت موسكو على تطوير شبكة دفع أطلقت عليها "مير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "حداد" أن الكيان الروسي يعمل على إقناع شركائه التجاريين باستعمال الذهب أو اليورو مقابل البضائع، كما استغل توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا والصين وإيران لإقناعهم بالتبادل التجاري من دون اللجوء إلى الدفع بالدولار.

وأفاد المستشار المصرفي بأن هذا الإجراء الذي تعتزم روسيا القيام به سيعزز من استعمال اليورو، ولذلك يعمل البنك المركزي الأوروبي على تعزيز التعاون المالي، في هذا الاتجاه تعمل روسيا على تعزيز احتياطاتها من عملة اليورو لتتخلص تدريجيا من الدولار ولتتفادى عقوبات مالية من الممكن أن تتسبب في اختلال توازن سعر النفط الذي يتم تسعيره بالدولار الأميركي.

الدولار يتربع على عرش العملات العالمية

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عضو الجمعية العالمية لاقتصاديات الطاقة، وضاح الطه، إن "الدولار يتربع على عرش العملات العالمية، إذ يشكل 61% من احتياطيات البنوك المركزية حول العالم، وأكثر من 40% من وحدات حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي، كما يشكل 90% من تداولات السوق العالمية (الفوركس)، ولا يزال يحتفظ بقوة على الرغم من مبادرات تبادل السلع بالعملات المحلية بين دول مثل روسيا وتركيا والصين وإيران".

 

وقال الطه إن تسعير النفط بالدولار أخذ شكلا مهم جدا بعد عام 1973، بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن الذهب كمعيار للتقييم، فيما كان عام 1974 عاما فارقا في اعتماد الدولار كعملة النفط بعد اتفاق السعودية، باعتبارها أكبر مصدّر للنفط بالعالم، والولايات المتحدة على تسعير النفط بالدولار لتصبح نقطة أساس لتبني التسعير للخام الأسود بالعملة الأميركية.

وذكر أن الولايات المتحدة اتجهت إلى هذا الإجراء بعد الخروج من فيتنام وكانت بحاجة إلى استقرار الدولار والحدّ من ارتفاع التضخم، وبالتالي تم اعتماد الدولار، إلا أنه خلال السنوات اللاحقة كانت هناك محاولات للاستغناء عن الدولار بتسعير النفط أثناء الحرب العراقية الإيرانية وقبل الغزو الأميركي للعراق.

وحول المسعى الروسي للاستغناء عن الدولار، قال الطه "إنه ليس وليد اللحظة وليس لمجرد الانشقاق أو التمرد على قاعدة الدولار، إنما يتضمن الأمر محورين رئيسين، الأول اقتصادي يتمثل في خفض تكاليف البيع على الدولة المصدرة مع الاعتماد على عملات أخرى بحسب ما أكده وزير الطاقة الروسي، والمحور الثاني سياسي للضغط على الجانب الأميركي وتجنب تهديد روسيا اقتصاديا".

وأفاد بأن تصريح وزير الطاقة الروسي بالتوجه إلى تسعير النفط بغير الدولار ليس عفويا، إنما جاء في ظل التغيرات الكبيرة للاقتصاد الروسي وسط سياسة تنظيم الاحتياطيات الأجنبية وخفض إسهام الدولار منذ 2015، وتسارعت هذه الخطوات بعد العقوبات الأميركية والاتحاد الأوروبي مع استعادة روسيا جزيرة القرم من أوكرانيا.

ورجّح الطه أنه على المدى القصير لن يتم تسعير النفط أو الغاز الروسي بالعملة المحلية (الروبل)، ولكنها ستظل فكرة قائمة ويتم دراستها بجدية في ظل استمرار العقوبات وحالة عدم الاستقرار للاقتصاد الروسي، وأخيرا تخلصت الحكومة الروسية من سندات كانت في حدود 112 مليار دولار ضمن الاحتياطي الأجنبي وتحويلها إلى الذهب.

وتسعى الصين منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016 إلى الاستفادة من اعتماد عملتها المحلية (اليوان) ضمن سلة العملات العالمية لدى صندوق النقد الدولي بجانب الدولار والين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو، وخلال العام الماضي، أطلقت الصين (أكبر مستورد للنفط في العالم) عقود النفط الآجلة مقومة بعملتها المحلية (اليوان)، بغرض تحجيم سيطرة الدولار على صعيد التجارة العالمية، والمساعدة على تقويم اختلالات أسواق الطاقة، إلا أن الأمر لم يُفعّل على نطاق واسع.

العالم قد يعود إلى المعيار الذهبي

وفي السياق ذاته، قال رئيس شركة يورو باسيفيك كابيتال للوساطة المالية، بيتر شيف، إن العالم قد يعود إلى المعيار الذهبي، ويعيش الدولار أيامه الأخيرة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة خرجت عن المعيار الذهبي في عام 1971، ولكن في رأيه، فإن العالم سيعود إليه.

وقال شيف "الأيام التي كان فيها الدولار عملة احتياطي معدودة، ونحن نعود إلى الأساسيات. كما تعلمون، كل ما هو جديد هو قديم منسيّ. كان للذهب قيمة خاصة في الماضي، والمستقبل له. إن البنوك المركزية ذكية بما يكفي لتتوقع المستقبل وتزيد احتياطياتها من الذهب الآن".

فيما أصبحت محاولة التخلص من الدولار غير المستقر السبب الرئيس لاهتمام البلدان بالذهب. وكان المشترون الرئيسيون روسيا والصين. لقد قدموا مثالاً لبلدان أخرى.

ووفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي، في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2019، زادت عشرات البنوك المركزية من احتياطي الذهب بمقدار 1 طن في الأقل، وأصبحت أربعة بنوك مركزية مشترين رئيسيين للذهب في أغسطس (آب)، وأضافت روسيا، التي كانت رائدة في شراء الذهب في عام 2019، 11.3 طن أخرى إلى مخزونها.

وتجاوز احتياطي الذهب للبنك المركزي الروسي في سبتمبر (أيلول) 100 مليار دولار بفضل المشتريات الأخيرة، وزادت روسيا هذا العام وحده احتياطياتها من الذهب بنحو 120 طنا. فيما اشترت الصين 5.9 طن أخرى في الأشهر التسعة الماضية.

وزادت مشتريات الذهب من قبل البنوك المركزية في يوليو (تموز)، وفي المجموع، في العام الماضي، خزّنت البنوك المركزية في العالم 651.5 طن من الذهب، ولاحظ مجلس الذهب العالمي أن عام 2018 تميز بأعلى مستوى من صافي المشتريات السنوية للذهب من قبل البنوك المركزية منذ تعليق إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب في عام 1971، وثاني أكبر إجمالي سنوي في التاريخ.