Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيت لحم بلا حجيج أو ضجيج في الموسم السياحي لميلاد المسيح

60 في المئة من السكان يعملون في الأنشطة والأزمة الاقتصادية تعصف بالمدينة منذ أحداث 7 أكتوبر

ملخص

يخسر قطاع الفنادق في محافظة بيت لحم كل يوم نحو 400 ألف دولار، وتكبد خسائر باهظة خلال عامي الحرب وصلت إلى نحو 300 مليون دولار، ويوجد داخل محافظة بيت لحم وقراها 160 حاجزاً وعائقاً إسرائيلياً، منها 97 بوابة حديدية، وثمانية معابر لتقييد وصول سكانها إلى مدينة القدس.

منذ 40 عاماً يواظب إسكندر الأطرش (70 سنة) كل صباح على فتح ورشته الصغيرة القريبة من كنيسة المهد في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية التي تفوح منها رائحة خشب الزيتون، فنحت الخشب الذي يتقنه منذ نعومة أظفاره ونشارته المتطايرة وسط أصوت المطارق والأزاميل أصبحا جزءاً من صباحاته التي لا يقوى على كتمها مهما اشتدت عليه الظروف، وعلى رغم تراجع الإنتاج في مشاغل الخشب بصورة كبيرة، وانخفاض المبيعات من آلاف الدولارات شهرياً إلى مبالغ زهيدة، واضطراره إلى تقليص ساعات العمل أو الإنتاج، إلا أنه يفتح المشغل طوال أيام السنة، كوسيلة للتغلب على اليأس فقط، مع غياب شبه تام للزوار الأجانب.

وما إن تنفست مدينة بيت لحم الصعداء بعد الأزمة الاقتصادية الحادة التي حلت عليها بسبب جائحة كورونا، جاء السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحرب غزة وتداعياتها لتطيح بكل ما تبقى لهم من أمل بعودة الزوار. وعلى رغم كل المحاولات لتدارك الوضع عبر التسويق الإلكتروني والدعم المحدود من بعض الوزارات، إلا أن الأزمة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة أثرت بصورة جذرية في اقتصاد المدينة الذي يعتمد بصورة كبيرة على السياحة، وأصبحت مدينة مهد المسيح عيسى عليه السلام، التي كثيراً ما كانت غالب أيام السنة مزركشة وصاخبة واحتفالية بلا ضجيج، كيف لا والساحة أمام كنيسة المهد اليوم هادئة جداً على غير ما اعتادت عليه في مثل الوقت من كل عام.

وفقاً للتقديرات، يعمل في قطاع السياحة في مدينة بيت لحم نحو 28 في المئة من السكان الذين يقدر عددهم بـ60 ألفاً، إذ تعتبر العمود الفقري لاقتصادها، وأحد أهم المصادر الأساسية للدخل القومي الفلسطيني، لوجود الأماكن الدينية والأثرية فيها مثل كنيسة المهد التي يزورها السياح طوال السنة، وخصوصاً المسيحيين الذين يأتون حجاجاً إليها، وإدراجها على قائمة "اليونيسكو" للتراث العالمي عام 2012، كما أن المدينة التي لا تزيد مساحتها على 8 ملايين متر مربع تضم أكثر من 30 فندقاً ومنتجعاً سياحياً. وبحسب الأرقام، فإن نحو 60 في المئة من سكان بيت لحم يعتمدون على السياحة كمصدر دخل رئيس.

متاجر مغلقة

عودة أجواء عيد الميلاد لبيت لحم مع مسيرات الكشافة والاحتفالات الدينية، بعد عامين من التوقف بسبب الحرب في غزة، لم تكن في الواقع فرصة لتخفيف حدة التراجع الاقتصادي وتوفير دفعة أولية نحو التعافي بما يكفي، إذ ما يزال التجار في بيت لحم يعانون تكدس البضائع والتحف من دون تصريف، وسط انقطاع شبه تام في الطلب من قبل السياح، خصوصاً وأن الأسواق لا ترقى إلى مواسم الأعياد التي اعتادت عليها المدينة.

ووفقاً للتقديرات فإن 400 مشغل في مدينة بيت لحم، و300 آخر في بلدة بيت ساحور التي تقع على مقربة منها، يعانون ضائقة مالية شديدة نتيجة توقف الوفود الأجنبية، وتراجع حاد في السياحة الداخلية، في ظل تراكم الديون وعدم القدرة على سداد أقساط القروض للبنوك.

 

 

وعلى رغم توقف الحرب واستئناف الرحلات الجوية، ووصول وفود في ما يعرف بالسياحة التضامنية، إلا أن إسرائيل التي يصل السياح الأجانب من خلال مطاراتها إلى الضفة الغربية، أصبحت أقل جاذبية للسياح الأجانب بصورة كبيرة بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية والخارجية.

وأشارت وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلى أن معدل البطالة في القطاع السياحي تجاوز 65 في المئة، مما أدى إلى إغلاق عدد من المصالح التجارية المرتبطة بالسياحة، وهجرة عدد كبير من العائلات إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل بديلة، بعد أن فقدوا مصدر رزقهم الأساس، في حين يؤكد رئيس بلدية بيت لحم ماهر قنواتي أن الخسائر الاقتصادية في قطاع السياحة بلغت نحو 2.5 مليون دولار يومياً، وارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 60 في المئة.

غرف فارغة

وسط هذا الانهيار الذي يسيطر على مشاغل التحف والهدايا والصدفيات، لم ينج قطاع الفنادق من الانكسار، ولم تتجاوز نسبة الإشغال في فنادق المدينة التي تضم نحو 100 فندق وتحتوي على 500 غرفة بقدرة استيعابية تصل إلى 10 آلاف أكثر من 17 في المئة فقط.

وأوضحت جمعية الفنادق العربية أن أربعة فنادق فقط من أصل 74 فندقاً نشطاً داخل المدينة تمكنت من العمل طوال العاميين الماضيين، فيما أغلقت البقية أبوابها بسبب عجزها عن تغطية التزاماتها التشغيلية وسط ضعف الإقبال الذي لم يتجاوز ثلاثة في المئة فقط، وهو ما دفع أصحاب هذه المنشآت لتسريح عدد كبير من الموظفين، والإبقاء على عدد محدود منهم بنظام العمل الجزئي.

وأدى هذا التدهور غير المسبوق في قطاع السياحة الفلسطينية لتعطيل 700 مرشد سياحي يعملون في القدس والضفة الغربية عن العمل، نتيجة التوقف التام للحركة السياحية.

ووفقاً لتقديرات نائب رئيس جمعية الفنادق العربية إلياس العرجا، يخسر قطاع الفنادق في محافظة بيت لحم كل يوم نحو 400 ألف دولار، مؤكداً أن هذا القطاع وحده تكبد خسائر باهظة خلال عامي الحرب وصلت إلى نحو 300 مليون دولار، على رغم كل الجهود الرسمية والمحلية التي بذلت طوال العاميين الماضيين لإعادة إحياء الحركة السياحية مجدداً.

وصرح وزير السياحة والآثار الفلسطيني هاني الحايك في وقت سابق أن الوزارة كانت وما تزال تولي اهتماماً بالغاً من أجل تعزيز التعاون والتشبيك مع الداخل الفلسطيني في أراضي الـ48، باعتبارهم ركيزة أساسية لتنشيط حركة السياحة الداخلية في الضفة الغربية.

حواجز وإغلاقات

ولم يقف تأثير السقوط المدوي لقطاع السياحة في بيت لحم عند هذا الحد، بل طاول معظم القطاعات الاقتصادية، فقد بلغت نسبة تأثر قطاع الصناعة نحو 80 في المئة، بينما تضرر القطاع الزراعي بنسبة تصل إلى 90 في المئة، بسبب منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم بفعل الحواجز والإغلاقات.

ووفقاً للمحلل السياسي والباحث في قضايا الاستيطان سهيل خليلية، فإن مدينة بيت لحم تعتبر من أكثر محافظات الضفة حصاراً بالحواجز والبوابات العسكرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب التوثيقات يوجد داخل المحافظة بما يشمل بيت لحم وقراها 160 حاجزاً وعائقاً إسرائيلياً، منها 97 بوابة حديدية، وثمانية معابر تقيد وصول سكانها إلى مدينة القدس شمالاً، ناهيك بعشرات السواتر الترابية المترامية بين القرى والبلدات التي أصابت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياحية في مقتل.

وبحسب مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، فإن 77 في المئة من المنشآت تعاني صعوبة في التنقل وتوزيع البضائع بين المدن نتيجة الاقتحامات والإغلاقات، أجبرت 16 في المئة من المنشآت إلى الإغلاق بصورة كاملة أو جزئية، علاوة على تراجع المبيعات الشهرية لـ97 في المئة من المنشآت.

وأوضح محافظ بيت لحم محمد أبو عليا أن أزمة مدينة بيت لحم تزداد تعقيداً، بسبب تحكم إسرائيل بمصادر المياه فيها، مما يحرمها من بدائل اقتصادية أخرى قادرة على امتصاص آثار هذا التدهور.

ومن خلال الأوامر العسكرية التي صدرت منذ عام 1967 وإعلان جميع المياه في الأراضي المحتلة ملكاً لدولة إسرائيل منح ضابط المياه الإسرائيلي صلاحيات واسعة للتحكم بها، إذ منع إقامة أية منشأة مائية جديدة من دون ترخيص، كما تم وضع جميع الآبار والينابيع تحت السلطة المباشرة للحاكم العسكري، وتم استهداف عيون قرية "حوسان" غرب بيت لحم وتحويل مياهها لمشاريع استيطانية، مما حرم المزارعين الفلسطينيين هناك من الاستفادة منها.

استيطان مضاعف

ومنذ عام 1967 أقامت إسرائيل على أراضي محافظة بيت لحم 23 مستوطنة، ثم أتبعتها بقرابة 25 بؤرة استيطانية التي ترتبط في ما بينها بشبكة من الطرق الاستيطانية يبلغ طولها نحو 72 كيلومتراً.

 

 

ووفق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد شرعت السلطات الإسرائيلية في عام 2023 بتوسعة الطريق الموصلة من منطقة الريف الغربي في محافظة بيت لحم المعروفة بالنسبة إلى الإسرائيليين بالتجمع الاستيطاني "غوش عتصيون،" وصولاً إلى مدينة القدس من خلال أوامر مصادرة لأراضي المواطنين الفلسطينيين الخاصة على جانبي الطريق الالتفافي 60 وربط كل التجمعات الاستيطانية جنوب مدينة بيت لحم بشمالها عبر الطرق. ويضم هذا التجمع الاستيطاني 11 مستوطنة إسرائيلية، و13 بؤرة استيطانية تتوزع على أراض تتبع إدارياً لمحافظتي بيت لحم والخليل، أشهرها "بيتار عيليت" و"كفار عتصيون" و"روش تسوريم" و"ألون شافوت" و"العزار" و"هادار جيلو" و"أفرات" و"نيفي دانيال" و"جفاعوت" و"وبات عين تسوريف" و"مجدل عوز".

وأوضحت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية في تقريرها السنوي مطلع العام الحالي أن السلطات الإسرائيلية خلال العام الماضي استولت على 5.5 مليون متر مربع من خلال 94 أمر وضع يد لأغراض عسكرية، أدى 24 منها إلى إقامة مناطق عازلة حول المستوطنات و52 بهدف شق طرق أمنية لصالح المستوطنين وخمسة بهدف إقامة أسيجة شائكة وجدران وتسعة لإقامة وتوسعة مواقع عسكرية وغيرها، إضافة إلى ثلاثة أوامر استملاك وأربعة أوامر إعلان أراضي دولة.

ووفقاً لبيانات الهيئة فقد فرضت إسرائيل سيطرتها الفعلية على نحو 41 في المئة من مجمل مساحة الضفة الغربية، وباتت تحكم قبضتها على ما يقارب 70 في المئة من المناطق المصنفة "جيم" التي تخضع لسيطرتها الكاملة، وتشكل نحو 60 في المئة من الضفة.

وكشف التقرير عن أن اسرائيل باتت تستأثر بما يزيد على 90 في المئة من مساحة الأغوار الفلسطينية، "عبر الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير