Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم "الملحد"... فكرة جريئة أجهضها الحذر

عانى العمل حواراً مباشراً وشخصيات ضعيفة ولغة خطابية أقرب إلى المناظرات

ظهر العالم المحيط بالبطل كأنه كارتوني خالٍ من التفاصيل الإنسانية التي تثري الأحداث والدوافع (مواقع التواصل)

ملخص

عانى السيناريو إشكالاً واضحاً، وهو التبسيط المفرط في بعض المراحل، وأهمها رحلة الشك التي تسبق الإلحاد، وهي رحلة معقدة ومتعددة الطبقات، وبدا أن الفيلم تخوّف لأسباب أو لأخرى من التوغل العميق في الأسئلة الفلسفية، مما قلل من ثقل التجربة، وأظهر الإلحاد كرد فعل نفسي واجتماعي لشخص بسبب مشكلة مع الأب أكثر من كونه مساراً فكرياً متماسكاً لدى بعضهم على أرض الواقع، مما أضعف صدقية التحول الدرامي.

تصدر فيلم "الملحد" منذ أشهر عدة المشهد بوصفه واحداً من أكثر الأعمال المثيرة للجدل والمتوقع أن تُحدث إرباكاً كبيراً في المناخ السينمائي، بسبب جرأة موضوعه، الذي يقترب من قضية الإلحاد ورحلة الشك والتطرف الفكري.

لم يهدأ الهجوم منذ بداية الإعلان عن مشروع فيلم "الملحد" للكاتب المصري إبراهيم عيسي وبطولة محمود حميدة وأحمد حاتم وصابرين وحسين فهمي وشيرين رضا وتارا عماد ونجلاء بدر، وتوقف تصريح عرض الفيلم في الأشهر الماضية، بسبب الخوف من إثارة الرأي العام، وتقديم أكثر من جهة دعاوى قضائية تطالب بوقفه مما اعتبره بعض المتابعين تعنتاً ضد حرية الفن والإبداع، حتى صدر قرار بعرض الفيلم استناداً إلى تقارير الجهات الفنية المختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والرقابة على المصنفات الفنية.

إشكال علاقة الفن والدين

سلط الجدل الذي صاحب رحلة الفيلم الضوء على إشكال دائم، وهو علاقة الفن والدين وحدود النقاش عبر شاشات السينما والدراما والإبداع. وعرض العمل منذ أيام، وانقسمت الآراء بين مرحبين بفكرة حرية الإبداع من جهة، ومتحفزين على الجانب الآخر ضد عرض قضايا مثيرة ضد قيم وقواعد المجتمع ومؤسساته، بخاصة الدينية.

صعوبة العمل كمنت في الأساس بسبب توقيته الزمني، وندرة الاقتراب العام من موضوع الإلحاد أو التشكيك الديني بشكل صريح، في وقت يشهد العالم تصاعداً في النقاشات حول الهوية والدين والتطرف، وتخيم أجواء من التعنت والحساسية المجتمعية تجاه أي عمل يقترب من المقدسات. واكتفت السينما في الأعوام الأخيرة بالتلميح أو التناول الهامشي لأي قضية دينية حساسة على رغم الانفتاح الفكري المزعوم.

لكن قد يكون أفضل ما في فيلم "الملحد" هو جرأته في اقتحام منطقة محرمة، حتى وإن اختلفنا مع طريقة الطرح أو عمقه. تبدأ أحداث الفيلم بشكل سطحي جداً حول الطبيب الشاب "يحيي" الذي يجري في الطريق بطريقة جنونية حتى يصل إلى بيته ليمنع زواج أخته القاصر من شاب يكبرها، ويهدد والده وهو شيخ سلفي يظهر بلحية بيضاء طويلة وجلباب، وتتصاعد الأمور عندما يهاجم الطبيب والده، ويخبره من دون مقدمات بلغة صريحة وعبارة مباشرة أنه "كفر".

تسبب المشهد الأول في صدمة للمتلقي، إذ لم يعرف أحد أسباب وصول الشاب لهذا المنطق والقرار بهذا الشكل السريع غير المفهوم، وتتوالى الأحداث إذ يصاب الأب المتزمت بحالة هستيرية غاضبة، بسبب مصارحة ابنه له بالإلحاد، فيلجأ إلى عمه الذي يقوم بدوره حسين فهمي، ويطلب منه أن يثنيه عن قراره حتى لا يستبيح دمه، وعندما يسأل العم الشاب الملحد عن صحة إلحاده يقول له بشكل مباشر "أيوه (نعم) أنا ملحد جداً".

 

وتستمر السطحية في بعض المشاهد والعبارات مثل مشهد رفض الشيخ السلفي مصافحة زوجة أخيه غير المحجبة، وانتقاد المتزمت عمل أخيه في الآثار، وقوله إن هذا محرم شرعاً، لجأ الفيلم منذ بدايته للخطاب الصريح على رغم أن هناك طرقاً كثيرة غير مباشرة كانت ستفي بالغرض.

وحاصرت المُشاهد "أكليشيهات" ومسلمات المتزمتين بشكل متكرر في مشاهد العمل، وكأن صناعه تجنبوا استخدام الصورة أو الرمزية، وفضلوا الطرق الآمنة التي لا يمكن أن يفهمها الجمهور بأكثر من طريقة. واستمر الطرح بشكل أقرب إلى المحاضرات والمناظرات، بخاصة في مشاهد جلسات "الاستتابة" التي جمعت الطبيب بشيوخ يحاولون إقناعه بالمنطق والحجة للعدول عن الإلحاد والرجوع للدين والإيمان.

وبدلاً من التحاور الفكري المقنع المتبادل بين الطرفين كانت حجج الشيوخ تقليدية، بينما رد فعل الملحد يتسم بالبلاهة والسخرية، ولا يبرر فكره بأي قناعات أو أسباب ذات معنى. حاول العمل تكثيف الحبكة والصراع عن طريق زيادة جرعة غضب الأب من الابن، ومحاولات تهديده بالقتل في حال عدم عدوله عن الإلحاد، وأضاف الصناع مرض الأب واحتياجه إلى زراعة كبد ليفتحوا ملف زراعة الأعضاء وتحريمها لدى المتشددين.

سطحية أفضت إلى ملل

في معظم المشاهد لم يقدم الفيلم حجة قوية أو مشاعر أو منطقية تدعم الصراع أو التعاطف مع أي من الفريقين، بل جاءت الأحداث بصورة غير عميقة وسطحية غير مطلوبة أصابت العمل بحال من الملل الشديد.

حاول العمل في بعض المشاهد تفسير اتجاه الطبيب الشاب إلى الإلحاد بأنه عانى في طفولته تشدد والده، وكان يتبعه من دون تفكير، لكن لم يأت بتفسير يبرر توقيت اتجاه الابن للإلحاد وأسباب هذا الانفجار الذي لا بد من أن يكون له مراحل مسبقة.

وعجز العمل عن بناء دوافع وملامح وتاريخ ونفسية شخصية الأب، على رغم أنه المحرك الأساس للأحداث. توقع البعض أن يتضمن العمل جلسات بين الملحدين لعرض وجهات نظر منطقية وأحاسيس نفسية تخص اتجاههم وبدايته ودوافعه، لكن لم يعبر أي مشهد عن تلك المنطقة، ولم يشرح الفيلم بعض الأسباب المختلفة التي تدفع لهذا الاتجاه عند بعض الشباب.

 

وعلى رغم ظهور طبيب نفسي حاول الاقتراب من شخصية الملحد ليتحدث معه عن مشاعره رفض الملحد الاقتراب منه، بحجة أنه لا يحتاج إلى طبيب، لأنه ليس مجنوناً كما قال، وفوت الفيلم فرصة ذهبية في مناقشة منطقية ومناظرة تشرح وجهة نظر الملحدين.

عانى السيناريو إشكالاً واضحاً، وهو التبسيط المفرط في بعض المراحل، وأهمها رحلة الشك التي تسبق الإلحاد، وهي رحلة معقدة ومتعددة الطبقات، وبدا أن الفيلم تخوّف لأسباب أو لأخرى من التوغل العميق في الأسئلة الفلسفية، مما قلل من ثقل التجربة، وأظهر الإلحاد كرد فعل نفسي واجتماعي لشخص بسبب مشكلة مع الأب أكثر من كونه مساراً فكرياً متماسكاً لدى بعضهم على أرض الواقع، مما أضعف صدقية التحول الدرامي.

وعلى رغم ضعف السيناريو وسطحية الحوار نجح أحمد حاتم بطل العمل في تجسيد بعض الملامح النفسية والتناقضات بصمته ونظراته وانكساراته الداخلية التي انعكست في بعض المشاهد، بينما كان أداؤه أقل جودة في المناظرات والحوارات المباشرة بسبب وهن اللغة، وسيطرة الخطابة على كثير من المشاهد.

تطرف نمطي

طغى الرسم النمطي للشخصيات على معظم أبطال العمل المشاركين في الأدوار الرئيسة، فالأم التي قامت بدورها صابرين متطرفة في العاطفة والانفعال والقلق والإحساس بالظلم والقهر، والأب الذي قام بدوره محمود حميدة متزمت، جاف، عالي الصوت، حاد النظرات، متعجرف، وحتى لحظات خوفه على ابنه من مصيره مرت من دون أثر، بينما العم هو الشخصية المستنيرة الكوميدية التي تمثل الوسطية بشكل تقليدي بالنسبة إلى الدراما والسينما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك ظهر العالم المحيط بالبطل كأنه كارتوني خالٍ من التفاصيل الإنسانية التي تثري الأحداث والدوافع، مما أضعف الإحساس بالتفاعل والواقعية أو حتى الميل العاطفي ناحية أي جهة من طرفي الصراع.

مثلت نهاية الفيلم علامة استفهام كبيرة، فبعد البداية الجريئة والطرح المشاكس تراجع الملحد بمجرد موت أبيه، ومن دون أسباب منطقية أو فكرية عن إلحاده، بخاصة بعد أن تحدث عمه إليه بقوله "من كنت تعانده مات" في إشارة إلى الأب المتزمت.

ويبدو أنه لاعتبارات رقابية أو مجتمعية كان لا بد من حسم النهاية بهذا الشكل التصالحي غير المبرر بدلاً من تركها مفتوحة أو مثيرة للجدل، لذلك ترك الفيلم لدى الجميع إحساساً بأنه جملة جريئة لم يتم خدمتها للنهاية، بل فرض عليها التناول الحذر فجاءت النتائج شديدة التواضع.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون