Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جمال القصاص ناقدا في كتاب "مرايا الشعر"

يطرح رؤيته إلى الإبداع عبر قراءة 49 ديواناً بهويات متعددة

لوحة للرسام خالد يان (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

نشر الشاعر المصري جمال القصاص ديوانه الأول "خصام الوردة" قبل 42 عاماً، وتحديداً في عام 1984، وأصدر العام الماضي ديوانه الأحدث "تجرحني بخفة وتعلو"، لكنه كان بدأ في عام 1970 نشر قصائده في دوريات أدبية داخل مصر وخارجها. وفي كتابه "في مرايا الشعر" (الهيئة المصرية العامة للكتاب 2025) يقدم خلاصة تجربته في ثنايا قراءته لدواوين 49 شاعراً.

يبدأ جمال القصاص (1950) كتابه "في مرايا الشعر"، بمقدمة تليها شهادة له عن علاقته بالشعر، ثم 56 مقالة عن دواوين لشعراء من مصر وفلسطين والعراق وليبيا والإمارات وسوريا، يتطرق في ثناياها إلى قضايا إشكالية، منها ما يخص الشعر عموماً ولغته وأساليبه الفنية، ومنها ما يخص مفهومه لقصيدة النثر كما كتبها جيله وكما كتبتها أجيال تالية.  

يقول القصاص: "نعم، أكتب حياتي في الشعر وبالشعر، أنتهك دقائقها وتفاصيلها، أقصى لحظاتها عتمة ونوراً، أسعد وأبتهج حين تصمد يدي وتقوى في هزة السطر. في داخلي قناعة بأن الشعر يحميني، وأن هذه الحماية هي شأن يخصني وحدي. يوفر لي البشر بقعة من الأمان والأمل، أتحصن بها من شرور العالم وآثامه، وعبثية الواقع من حولي" ص 11.

على حواف اللغة

 ويرى القصاص، في السياق ذاته، أن حدسه الشعري مسكون بفكرة اللعب على الأطراف، على حواف اللغة والحلم والأشياء، "فهذا النوع من اللعب يوفر لي إمكانية الذهاب والإياب من وإلى الحالة بانسيابية شفيفة، ربما لا تتيحها لي فكرة اللعب في منطقة المركز التي غالباً ما تجر اللغة إلى ثقل سمج لا أحبذه كثيراً، فأنا أريد لغة خفيفة واخزة، مشربة بنزق حر، لغة غير مكتفية بذاتها، تحاول أن تعيد اكتشاف ذاتها في الثقوب والفجوات، بعيداً من المرآة المصقولة الواضحة".

ويضيف، "في أوج الانفعال بكتابة الشعر، أفرح وأغضب أحياناً، وأحس بالورطة، بخاصة حين يتحول فعل الكتابة نفسه إلى فخ يترصدني، كأنني ذئب في فروة فريسة، أو فريسة في فروة ذئب، حينئذ أحس بمأزق، علي أن أنجو منه بمأزق آخر ضد، أصنعه وأستمتع به كطفل، يراقب بدهشة وشغف ذاته الشعرية وهي تبتكر الحلول على صفحة الورقة، أحياناً على شكل مفارقة، وأحياناً على شكل طرقة درامية مشحونة بالشجن والتوتر، أو على شكل سؤال ممسوس بعصب الوجود وعطبه أيضاً".

يعيش القصاص الشعر كحالة، كطقس، كتمرين متواصل على الحرية، "أكتب حتى أحب نفسي، وألتصق بها أكثر، ومن أجل ذلك أتصيد لحظات مخاتلة من السعادة والنشوة، حتى ولو في ظل حكاية معادة أو مشهد يومي رتيب، أو مزقة فرح تومض في شق".

"إضاءة 77"

يتناول جمال القصاص في المقال الأول والذي يليه، تجربة الشاعر حلمي سالم (1951- 2012)، وخلاصته أنه "عاش للشعر، وظل يتنفسه حتى الرمق الأخير". يركز في المقال الأول على ديوان "معجزة التنفس" الذي صدر بعد رحيل حلمي سالم في كتاب واحد مع ديوان آخر له هو "حديقة الحيوانات"، وشكلا بتعبير القصاص "مشهد وداع يليق بشاعر عاش حياته في الشعر وعاش الشعر فيه، وتعلما معاً كيف تكون الطفولة هي الرحم الخصب لمدارات الفعل الشعري". وفي المقال الثاني تناول القصاص مجمل تجربة حلمي سالم تحت عنوان "فانتازيا الكولاج ومشهدية النص"، ويذكر في ختامه أنه كان يشاكس صاحب "يوجد هنا عميان" ويقول له "أنت شاعر غريزي بامتياز"، فيرد عليه بقوله، أنا كائن غريزي بقوة الشعر، وإنسان عادي بقوة الحياة". ثم ينتقل إلى تجربة رفيق آخر في جيل السبعينيات، هو رفعت سلام الذي شكل مع القصاص وحلمي سالم وحسن طلب، الفريق المؤسس لجماعة "إضاءة 77" ومجلتها التي حملت الاسم نفسه.

يرى القصاص أن رفعت سلام "أخلص للشعر، لكن تفاقم حضور الأنا وإيقاعها المتعالي، والاعتماد على الحيل الغرافيكية كثيراً، أفقد الكتلة حيويتها وتوازنها داخل النص فبدا مفرطاً في نثريته، ومشاعاً للعبث المفتوح على كل شيء" ص 37. وفي المناسبة، تطرق القصاص إلى حديث سلام عن خروجه من جماعة "إضاءة 77" مع العدد الثالث من مجلتها، "وكأنه كان ضحية الدفاع عن رأي خاص، لم تستطع الجماعة تحمله ورفضته بشكل مهين، ومن منطلق كوني أحد مؤسسي هذه الجماعة، أوضح للتاريخ أنه لم يخرج أحد من أعضاء الجماعة، رفعت سلام منها، ولم يتم التآمر عليه، وإنما هو الذي أخرج نفسه بمحض إرادته".

الألفة والغرابة

وفي موضع آخر رأى القصاص أن رفعت سلام يمثل فكرة التجلي الأمثل لفكرة المراوحة والزمن الهارب في طوايا مثلث أحجاره الصغيرة: الوثوق واليقين والإرادة، وقدرته على أن يقلبه رأساً على عقب، فتتغير زواياه ومجال النظر إليه على عكس الدائرة المتصلة في استداراتها وضعفها، "وربما لذلك انشغل بالترجمة، ووجد فيها الصنو الذي يمنح شعريته هذه النهاية المجروحة بقوتها وضعفها" ص 83، 39. أما أمجد ريان فهو صاحب "عين طفل تلعب مع الحياة"، ومن ثم تتفتح شعريته على الحياة بمحبة خالصة للشعر، صنوها الأساس ليس إثارة الدهشة والأسئلة فحسب، إنما كيف يصبح السؤال عناقاً حياً بين أمومة الألفة وأبوة الغرابة". ورأى القصاص أن فريد أبو سعدة، "يأخذك إلى الشعر في كليته وبراءته الحميمية، لتتباهى كصوفي عاشق، بمجد المعصية، وتدرك أن الوجود هو حلقة متصلة للروح، تسبق الصورة والفكرة والنغمة والموسيقى والإيقاع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف القصاص أن فريد أبو سعدة "منح الشعر هواء نقياً، عبر لغة كاشفة قادرة على أن تحتضن الحرية وتدخلها بعفوية في جسد النص لتتحسس نبضه الدافق" ص 56. أما محمود نسيم (1955 – 2021) فقد "أحب الشعر وعاشه بروح الدراما"، فيما كان محمد عيد إبراهيم (1955 – 2020) "يغرد خارج السرب". ومن قراءته لديوان "ألوان السيدة المتغيرة"، رأى القصاص أن العراقي فاضل السلطاني، "يسبح في فضاءات متنوعة وشجية جمالياً وفنياً، ينسحب أحياناً إلى الداخل في زفرات ألم وحنين، لكن سرعان ما يحولها إلى نافذة خصبة، يطل منها على الحياة، ويخلق الشعر من فجواتها وعثراتها" ص 114. أما الشاعر الليبي المقيم في النرويج عاشور الطويبي، فإنه "يعيش نصه بحب وحميمية"، من خلال ديوانه "رمية حجر"، ويعالج الحرب في ديوانه "إبيجراميات ليبية وقصائد أخرى"، "باعتبارها مجرد انعكاس لعتمة البشر في مرآة مهشمة" ص 126.

الثورة والشعر

ولاحظ القصاص أن الشاعرة الإماراتية المقيمة في مصر ميسون صقر، تستحضر ثورة 25 يناير المصرية في ديوانها "جمالي في الصور"، بقوة الفكرة، "بينما يتحول النص إلى عين محايدة تراقب وترصد وتنفعل بكل تقاطعات وتشابكات الحدث". وهنا يورد القصاص رأياً شخصياً مفاده أن هذه الثورة هي "حدث استثنائي كسر متاهة التاريخ واللغة والرؤية والخيال والوجدان، وفرض لغته وإيقاعه الحاصين على نسيج المشهد كله". ويعود إلى الأمر نفسه في مقاله عن ديوان عزمي عبدالوهاب "يمشي في العاصفة"، فيؤكد أن الشعر "سيفشل دائماً في أن يكتب الثورة، إن لم يعشها أولاً في داخله، كما أنه من الصعب أن يشكل وعاء لخبراتنا وتجاربنا وعواطفنا الشخصية، إن لم يعلمنا كيف نثور على أنفسنا" ص 164.

وفي ثنايا مقال نقدي آخر، يعود القصاص إلى طرح جانب آخر من رؤاه الخاصة: "الشعر لا ينتظر أحداً، لا يحمل حقائب أو جوازات سفر إلى أمكنة محددة. الشعر ينتظر نفسه دائماً". وفي موضع آخر، نجده يعبر عن قناعته بأن "الشعر هو ابن الوجود الإنساني في كل حالاته وتقاطعاته"، ومن ثم يرى أن قصيدة النثر "أصبحت تجتر نفسها، أكثر من الحرص على التجديد والبحث عن الخصوصية، خصوصية الروح والمعرفة وطرائق التشكيل والبناء". وفي ثنايا قراءته لديوان "تحت شجرة العائلة" للشاعر المصري أحمد يماني، أعرب القصاص عن قناعته بأن يماني هو "أحد شعراء قليلين في موجة قصيدة النثر الذين يحسنون التعامل مع اللغة، ليس فقط كأداة للكتابة، وإنما كطاقة حية مشعة بالدلالات والأنساق الجمالية والمعرفية" ص 194.

إضافة إلى ديوان يماني المشار إليه، تناول القصاص دواوين لعدد كبير من شعراء الأجيال التالية لجيله، مثل محمود قرني وفتحي عبدالسميع وعاطف عبدالعزيز ومؤمن سمير وفارس خضر وعماد فؤاد، وسمير درويش وبهية طلب وإبراهيم البجلاتي وإبراهيم داوود ورشا أحمد وأسامة حداد ومحمد الكفراوي. أما المقالات الثلاثة الأخيرة، فقد خصصها للكتابة عن أعمال لكل من سميح القاسم تحت عنوان "كبرياء النص"، ومحمد الفيتوري بعنوان "عاشق أفريقيا"، ونازك الملائكة بعنوان "الركض فوق مسرح الجائحة".

وفي إحدى خلاصات رؤيته للشعر، يذهب القصاص إلى أن "الأشياء تتخفى في عريها، تلك هي الحقيقة في الفن. وهذا الخفاء هو خلاصة جدل شفيف بين الغموض والوضوح، يغسل اللغة من معجميتها ومن آثار الغير، ويشحنها بدالات أكثر عمقاً، فكرياً وعاطفياً وجمالياً، تحول القارئ إلى منتج مشارك في النص، يمتلك القدرة على تفكيكه وإعادة قراءته من زوايا متعددة" ص 343.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة