ملخص
التناقض بين لحظة دبلوماسية احتفالية في واشنطن، وانفجار ميداني دموي في جنوب كيفو، يختصر المأزق الأكبر الذي تعانيه مقاربات إدارة النزاعات في أفريقيا اليوم: سلام بلا فاعلين حقيقيين، واتفاقات لا تخاطب جذور العنف، ولا تعيد تعريف علاقة الدولة بمحيطها الاجتماعي والإقليمي
في الوقت الذي نجحت فيه الولايات المتحدة الأميركية في اختطاف رئيس دولة فنزويلا بما له وبما عليه فإنها تواجه تحديات في الأقاصي الأفريقية، إذ لم تستطع أن تفرض إرادتها على مجرد فصيل مسلح في الكونغو هو "أم 23"، ولم يحترم اتفاق السلام والازدهار الذي جرى توقيعه في واشنطن خلال الشهر الماضي، وحضره الرئيس الأميركي ورئيسا رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وبينما كان القادة يصنعون السلام في واشنطن، أطلقت حركة "أم 23"، المدعومة من رواندا، هجوماً جديداً في إقليم كيفو الجنوبية، متقدمة نحو مدينة أوفيرا الكونغولية عبر المنطقة الحدودية مع بوروندي، وسيطرت عليها، وقد أسفر هذا الهجوم المدمر عن مقتل ما لا يقل عن 400 شخص، وتشريد أكثر من 200 ألف.
وهكذا، لم تعد الأزمة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية شأناً محلياً يمكن عزله داخل حدود الدولة الكونغولية، ولا صراعاً حدودياً تقليدياً بين كيغالي وكينشاسا بما تشهده أقاليم كيفو، لا سيما مناطق الجنوب.
التصعيد الأخير لحركة "أم 23" يعكس تحولاً في طبيعة الصراع، إذ تتداخل مسارات التسوية الدولية مع حسابات إقليمية متنافسة، وتتحول أدوات الوساطة إلى أطر رمزية عاجزة عن ضبط تفاعلات الحرب. التقدم السريع لـ"أم 23" في ديسمبر (كانون الثاني) 2025، بالتوازي مع توقيع "اتفاقات واشنطن للسلام والازدهار"، لم يكن مجرد مفارقة زمنية، بل كشف الفجوة العميقة بين هندسة السلام في العواصم الدولية وواقع السلطة المسلحة على الأرض.
هذا التناقض بين لحظة دبلوماسية احتفالية في واشنطن، وانفجار ميداني دموي في جنوب كيفو، يختصر المأزق الأكبر الذي تعانيه مقاربات إدارة النزاعات في أفريقيا اليوم: سلام بلا فاعلين حقيقيين، واتفاقات لا تخاطب جذور العنف، ولا تعيد تعريف علاقة الدولة بمحيطها الاجتماعي والإقليمي، فالاتفاقات التي أعادت تأكيد تفاهمات جرت يونيو (حزيران) 2025، وربطتها بإطار للتكامل الاقتصادي الإقليمي، تجاهلت عجزاً في ما يبدو لنا الطرف الأكثر تأثيراً في مسار التصعيد، أي حركة "أم 23" المدعومة رواندياً، التي باتت لاعباً عسكرياً وإقليمياً لا يمكن تجاهله.
فشل مسارات السلام لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة تراكمية لثلاث مشكلات: أولاها، أن المسارات التفاوضية المتعددة من واشنطن إلى الدوحة، ومن نيروبي إلى لواندا، لم يتم ترتيبها كعملية واحدة متسلسلة، بل كمسارات متوازية تتنافس على الشرعية الدولية، وتخضع لحسابات الوسيط أكثر مما تستجيب لحاجات الميدان، فالدوحة، التي استضافت محادثات مباشرة بين الحكومة الكونغولية و"أم 23"، نجحت في إنتاج إطار عقد اتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني)، لكنها أخفقت في تحويله إلى وقف إطلاق نار فعلي أو ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.
وفي المقابل، همشت واشنطن المسار الأفريقي، وراهنت على اتفاق بين الدول، متجاهلة أن جوهر الأزمة لم يعد بين الدول فقط، إذ يؤدي الفاعلون غير الرسميين من الفصائل المسلحة في أفريقيا أدواراً رئيسة مؤثرة في ديناميات الحرب والسلام.
أما ثانية هذه المشكلات فهو غياب أدوات الضغط الدولية الفعالة، فعلى رغم وضوح الأدلة التي تشير إلى استمرار الدعم الرواندي لـ"أم 23"، لم تتجاوز ردود الفعل الأميركية والأوروبية حدود القلق الدبلوماسي والدعوات إلى ضبط النفس، إذ يعود ذلك جزئياً إلى تفضيل القوى الغربية أدوار الوساطة وإدارة الأزمات التي تفتح مسارات استثمارية واقتصادية في منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، أكثر من رغبتها في الدخول في مواجهة سياسية مع كيغالي، التي تعد شريكاً أمنياً واقتصادياً مهماً. هذا التراخي أسهم في خفض كلفة التصعيد، وجعل خيار التوسع العسكري أقل خطورة من خيار التسوية للأطراف المنخرطة في الصراع.
والثالثة تكمن في تجاهل الطبيعة المركبة للأزمة، بوصفها نتاج تفاعل بين مظالم محلية قديمة وتنافسات إقليمية حديثة، وكذلك انسحاب تدرجي للدولة الكونغولية من وظائفها الأساسية، فـ"أم 23" ليست مجرد أداة رواندية، بل تعبير عن بيئة تعبئة مسلحة أوسع، تتغذى على نزاعات الأرض والهوية والسلطة المحلية، وعلى إرث طويل من عسكرة السياسة في شرق الكونغو. تجاهل هذه البيئة، واستبعاد الفاعلين المحليين من ميليشيات مجتمعية إلى زعامات تقليدية من مسارات السلام، جعل أي اتفاق يبدو كحل تقني لأزمة سياسية واجتماعية عميقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا السياق، تبدو فكرة الحلول السحرية مثل تحييد قوات "القوات الديمقراطية لتحرير رواندا أقرب إلى تبسيط مخل، فوجود هذه الجماعات ليس سبب الأزمة بقدر ما هو عرض لها، معالجة هذا الوجود من دون تفكيك شبكات التعبئة المحلية والإقليمية، ومن دون إعادة بناء سلطة الدولة الكونغولية في المناطق المهمشة، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف بصيغ جديدة، فتجربة انسحاب بعثة الأمم المتحدة (مونوسكو) من جنوب كيفو، وما تبعها من فراغ أمني، تؤكد أن غياب الدولة لا يتم ملؤه بالسلام فقط، بل بقوى مسلحة أكثر تنظيماً وقدرة على فرض الأمر الواقع.
وبطبيعة الحال لا يمكن فهم تصعيد "أم 23" بمعزل عن أدوار أوغندا وبوروندي، اللتين نشرتا قواتهما داخل الأراضي الكونغولية تحت ذرائع أمنية مختلفة، هذا الانتشار خلق طيفاً إقليمياً معقداً، تتقاطع فيه المصالح وتتعارض، ويتحول فيه شرق الكونغو إلى ساحة إعادة ترتيب توازنات القوى في منطقة البحيرات العظمى. علاقات رواندا مع جيرانها تعكس هذا التعقيد: غموض محسوب مع أوغندا، وتوتر مفتوح مع بوروندي، التي أغلقت حدودها مع كيغالي منذ 2024، في سياق اتهامات متبادلة بدعم جماعات متمردة.
وهكذا يشكل دخول "أم 23" إلى جنوب كيفو، وسيطرتها على مدن رئيسة مثل بوكافو وأوفيرا، لم يفاقم فقط الأزمة الإنسانية، بل أعاد رسم الخريطة الأمنية للمنطقة. أكثر من 200 ألف نازح، ومئات القتلى، وانهيار شبه كامل لإمكان الوصول الإنساني، بخاصة مع إغلاق مطاري غوما وبوكافو. في هذا المشهد، تصبح بوروندي، التي استقبلت عشرات الآلاف من اللاجئين، إحدى أكثر الدول تضرراً، في وقت تعاني فيه أصلاً هشاشة اقتصادية واعتماداً كبيراً على الأسواق الكونغولية، وتواجه ضغوطاً إقليمية متزايدة.
هذا التدهور لا يتوقف عند حدود منطقة البحيرات العظمى، بل يمتد تأثيره إلى منطقة دول حوض النيل، التي تشهد أصلاً توترات حول المياه. استمرار عدم الاستقرار في شرق الكونغو يضيف عبئاً جديداً على منظومة إقليمية هشة، ويهدد بتحويل بعض دول الحوض إلى مسارات بديلة للنزوح، أو ساحات تنافس غير مباشر بين قوى إقليمية تبحث عن النفوذ والموارد، كذلك فإن انشغال الاتحاد الأفريقي وأطره الإقليمية بأزمات متزامنة من السودان إلى القرن الأفريقي يضعف قدرته على بلورة استجابة جماعية فعالة للأزمة الكونغولية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في منطق إدارة الصراع، بعيداً من تعدد المسارات غير المنسقة. المطلوب ليس اتفاقاً جديداً، بل إعادة ترتيب الأولويات: انسحاب فعلي للقوات الرواندية، ووقف الدعم الخارجي للجماعات المسلحة، كشرط مسبق لأي عملية سياسية. هذا الانسحاب يجب أن يكون جزءاً من مسار متسلسل، يربط بين الإجراءات الأمنية، والحوار السياسي، وإعادة بناء الدولة الكونغولية، بدلاً من التعامل معها كملفات منفصلة.
المرجعية الدولية لهذا المسار موجودة، كما في قرار مجلس الأمن 2773، الذي يدعو بوضوح إلى انسحاب "أم 23" والقوات الرواندية، واستعادة سلطة الدولة الكونغولية، لكن تفعيل هذه المرجعية يتطلب إرادة سياسية دولية، واستعداداً لاستخدام أدوات ضغط حقيقية، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة، كذلك يتطلب إعادة الاعتبار للأطر الإقليمية الأفريقية، مثل المؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات العظمى، بوصفها منصات قادرة نظرياً على ربط المحلي بالإقليمي، إذا ما جرى تحصينها من التهميش الدولي.
تجربة حرب الكونغو الثانية تشير إلى ضرورة عقد اتفاقات إقليمية واضحة لا يساعد عليها تراجع المعايير الدولية المناهضة للعدوان، وصعود منطق الأمر الواقع، وإذا لم يكسر هذا المنطق، فإن شرق الكونغو مرشح لأن يتحول إلى عقدة صراع إقليمي طويل الأمد، تتجاوز كلفته حدود الكونغو، وتمتد تداعياته إلى عمق القارة الأفريقية، بما في ذلك منظومة حوض النيل بأكملها، فشرق الكونغو اليوم ليس منطقة هامشية بعيدة، بل مرآة تعكس حدود النظام الأفريقي والدولي في إدارة النزاعات المعقدة، والاختبار الحقيقي لا يكمن في توقيع اتفاقات جديدة، بل في القدرة على جعل السلام أقل كلفة من الحرب، وهو شرط لم يتحقق بعد.