Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انزلاق روسيا نحو الاستبداد

كيف أعادت 4 سنوات من الحرب تشكيل المجتمع الروسي؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على شاشة بث في موسكو، ديسمبر 2025 (يوليا موروزوفا/ رويترز)

ملخص

تتجه روسيا منذ غزو أوكرانيا نحو ترسيخ ديكتاتورية شاملة، تقوم على القمع المتدرج، والرقابة الذاتية، وخلق واقع مزدوج يسمح بالحياة "الطبيعية" لمن يلتزم الصمت، مقابل عقاب قاسٍ لمن يخرج عن الخط. ومع تعمق الحرب وتآكل العقد الاجتماعي، يتحول المجتمع نفسه إلى شريك في القمع، فيما يسعى نظام بوتين إلى إحكام سيطرة كاملة تعكس عالم "1984" أكثر مما تعكس دولة حديثة.

بعد فبراير (شباط) 2022، حين أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما سماه "العملية العسكرية الخاصة" - أي الغزو الشامل لأوكرانيا - ارتفعت شعبية رواية جورج أورويل "1984" في روسيا بصورة حادة. والرواية عمل ديستوبي يصور نظاماً شمولياً قائماً على المراقبة الجماعية والدعاية المتواصلة. ومع اقتراب عيد الميلاد في ذلك العام، قامت إحدى مكتبات سانت بطرسبورغ بربط نسخ من "1984" معاً على هيئة إكليل زينة علق فوق صندوق الدفع. وفي متجر آخر، نصبت عند المدخل واجهة عرض لكتب "وطنية"، إلى جانب كوب يحمل صورة أورويل وتعليقاً يحيل إلى الزعيم الغامض في الرواية، الذي يفترض أنه كلي القدرة. وجاء في العبارة: "دع الأخ الأكبر يظن أن في هذا الكوب شاياً"؟

أما مكتبة "ريسبوبليكا" العصرية في موسكو، فقد وزعت أعمال أورويل في أرجاء المتجر. وفي ما بدا احتجاجاً صامتاً على مطالب الكرملين برفض جميع المنتجات الثقافية القادمة من "الدول غير الصديقة" - بما فيها فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة - واصلت "ريسبوبليكا" بيع ألبوم إد شيران الجديد، إلى جانب أسطوانات قديمة لفرقة رولينغ ستونز.
وشملت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً أعمال مؤلفين أميركيين وبريطانيين، إضافة إلى كتاب روس غادروا البلاد، مثل بوريس أكونين وديمتري بيكوف. غير أنه في السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب، وجهت إلى أكونين وبيكوف اتهامات بـ"التطرف" وأدرجت أعمالهما على قائمة رسمية تضم نحو 5 آلاف عنوان محظور. وعندها أزالت "ريسبوبليكا" تلك الكتب من رفوفها، ونقلت أعمال أورويل - التي لم تكن محظورة بعد - إلى الطابق الثاني، تحسباً لاحتمال زيارة مفتش حكومي.

وخلال السنوات الأربع الماضية، توسعت القيود بمختلف صورها - لا عبر حظر الكتب فحسب، بل أيضاً من خلال تقليص الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وتشديد القمع ضد الاحتجاجات، وفرض إجراءات هدفت إلى محو مجتمع المثليين من الفضاء العام، ونزع الشرعية عن الحركة النسوية. أما قانون "العميل الأجنبي" الروسي، الذي أقر عام 2012 لتحديد الأفراد والمنظمات التي تتلقى تمويلاً دولياً، فقد تحول إلى أداة تستخدم لملاحقة كل من يختلف مع الدولة جنائياً وإقصائه من الحياة العامة. ففي مطلع عام 2022، ضمت قائمة "العملاء الأجانب" سيئة الصيت نحو 300 شخص ومنظمة، أما اليوم، فقد تجاوز العدد 1100. ومع ذلك، وحتى مع تشديد الخناق، لم يتوقف الروس عن القراءة. فقد أفادت إحدى سلاسل المكتبات بأن "1984" كانت أكثر الكتب سرقة عام 2023. وفي النصف الأول من عام 2025، ووفقاً للسلسلة نفسها، لم يتفوق عليها في عدد السرقات سوى نسخ الدستور الروسي - الذي يحظر الرقابة ويكفل حرية الفكر، وحرية التعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات. ويمازح الروس بعضهم بعضاً بمرارة قائلين: "نقرأ أورويل لأنه يعكس الواقع، ونقرأ الدستور باعتباره يوتوبيا جميلة".

وكانت زيارة روسيا خلال السنوات الأربع الماضية تعني، في جوهرها، مشاهدة ترسيخ الديكتاتورية لحظة بلحظة - والإجابة عملياً عن السؤال الذي يواجهه قراء "1984" وهم يتساءلون كيف أصبحت نظرة "الأخ الأكبر" نافذة إلى هذا الحد ولا ترحم. ففي بداية الغزو، لم تكن الدولة تمتلك الوسائل الكافية لقمع جميع أشكال المعارضة المحتملة، فلجأت إلى القمع الانتقائي. ومارس الناس رقابة ذاتية، فيما وجد كثر طرقاً للتعبير عن رفضهم للمسار الذي تسلكه روسيا، لكن منذ ذلك الحين، بنت موسكو جهازاً قمعياً أوسع. ورسخت مناخاً من الخوف وعدم اليقين شجع عدداً متزايداً من الروس على إسكات أنفسهم، بل وإسكات بعضهم بعضاً. وقد أدى تراكم هذه التحولات الدقيقة، من جانب الدولة والمجتمع على حد سواء، إلى دفع روسيا أعمق فأعمق نحو الاستبداد - في حلقة يبدو من غير المرجح أن تنكسر ما دام نظام بوتين يسعى إلى نوع من السيطرة الشاملة التي لم يكن يتصور، حتى وقت قريب، وجودها إلا في ماضي روسيا الشيوعي أو في أدب أورويل.

واقع مزدوج

قبل فبراير 2022 كان المجتمع الروسي منفتحاً إلى حد كبير. فوسائل الإعلام الرسمية كانت خاضعة لسيطرة الدولة، لكن وسائل الإعلام المستقلة ازدهرت، ولم تكن هناك قيود على الإنترنت، وكان بإمكان الناس قراءة أو مشاهدة ما يشاؤون. وعندما اندلعت الحرب، اندلعت معها احتجاجات جماهيرية، إذ أصيب كثر بالذهول لأن روسيا أقدمت على غزو دولة مجاورة.

قوبلت المعارضة فوراً بإجراءات انتقامية. ففي الأشهر الأولى، جرى توقيف أكثر من 15 ألف متظاهر مناهض للحرب، من بينهم أكثر من 400 قاصر. ووجد المواطنون الروس أنفسهم خاضعين، بحكم الأمر الواقع، لنوع من الأحكام العرفية. وجرى تجريم الوصول إلى منصات "ميتا" و"إنستغرام" و"تويتر" (الذي أصبح لاحقاً "إكس"). وحجبت مواقع الأخبار الأجنبية التي تقدم وجهات نظر مخالفة، مثل "بي بي سي" و"راديو أوروبا الحرة". وخلال أسابيع، حظرت وسائل الإعلام الروسية المستقلة نفسها، بما في ذلك إذاعة "إيخو موسكفي"، وقناة "دوزد" التلفزيونية، وصحيفة "نوفايا غازيتا". وأصبح تداول أي معلومات عن الحرب لا تتطابق مع الروايات الرسمية لوزارة الدفاع جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 15 عاماً.

وفي ربيع 2022 وقعت حوادث عديدة ردت فيها الدولة بأقصى درجات القوة على مظاهر متواضعة من العصيان. فقد أوقف أحد سكان موسكو، كونستانتين غولدمان، لأنه كان يحمل نسخة من رواية "الحرب والسلام" لليو تولستوي عند نصب حجري يخلد جنوداً من أوكرانيا سقطوا خلال الحرب العالمية الثانية، في حدائق ألكسندر قرب الكرملين. واتهم بأنه كان يخطط، على نحو محتمل، لإطاحة الحكومة الروسية، فاحتجز وفرضت عليه غرامة. وفي سانت بطرسبورغ، حكم على الفنانة الشابة ألكسندرا سكوتشيلينكو بالسجن سبع سنوات بتهمة ارتكاب جرائم ضد القوات المسلحة، بعدما استبدلت بطاقات الأسعار الموضوعة في المتاجر برسائل مناهضة للحرب مرسومة باليد (وقد أفرج عنها عام 2024 ونقلت جواً إلى ألمانيا ضمن صفقة تبادل دولية للسجناء).

أصبح للحرب حضور مُتنامٍ ومتغلغل في واقع الروس

 

لكن هذه الاحتجاجات لم تفلح في تحريك بوتين. فقد واصل الرئيس معركته باسم ما يصفه بـ"الحضارة الروسية المتميزة" - وهي فكرة تقوم على أن روسيا، على رغم وجود جزء منها في أوروبا، يجب أن تحافظ على مسافة بينها وبين الغرب. ورأى كثير من الكتاب والصحافيين والباحثين والفنانين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات وغيرهم من العاملين في المهن الفكرية، ممن رفضوا تفسير الكرملين أن الاحتجاج لا جدوى منه، فغادروا البلاد. أما الغالبية الباقية، فتظاهرت بالامتثال. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2021، ووفقاً لاستطلاع أجراه مركز "ليفادا" المستقل، كان أقل من 50 في المئة من الروس يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. وفي مارس (آذار) 2022، أعلن 70 في المئة، بفتور وامتثال، تأييدهم للمسار.

في البداية، حاول الكرملين تهدئة الرأي العام من دون اللجوء إلى قمع شبه شامل، إذ توقع بوتين حرباً قصيرة وسريعة وناجحة تبقي كييف ضمن فلك موسكو، ولذلك استخدم مصطلح "عملية عسكرية خاصة" لتجنب كلمة "حرب". وجرى طمأنة الروس بأن أي قتال سيكون في مكان آخر. ولأن منظومة السيطرة الحكومية لم تكن مهيأة بعد لاحتواء سخط واسع النطاق، استقر النظام على نوع من العقد الاجتماعي: المواطنون الذين يخضعون للدولة، ولو عبر القبول الضمني بحربها، يمكنهم متابعة حياتهم اليومية. وكان من المفترض أن يعود كل شيء سريعاً إلى طبيعته. وهكذا نشأ واقع مزدوج: قمع ستاليني ينتظر من يخرج عن الخط، في مقابل مساحة حياة شبه طبيعية لمن لا يحتجون - يمكنهم فيها قراءة أورويل والمضي في شؤونهم اليومية.

لكن الحرب واصلت تمددها داخل الواقع الروسي. فقد ازداد القصف، وحلقت المسيرات الأوكرانية في عمق البلاد، وتعرضت مصافي النفط لهجمات، وأغلقت المطارات، وتعرضت القطارات للتفجير أو التأخير. وفي المتاجر، ارتفعت الأسعار وتقلصت الخيارات بفعل العقوبات والقيود الدولية الأخرى. ولجأ كثر إلى الاختباء في المكتبات للانفصال عن الواقع، أو إلى المتاحف، إذ يمكن للزائر البقاء طوال اليوم والتظاهر بأن الحياة الطبيعية ما زالت قائمة. أما مركز "GES-2" الفني في موسكو، الذي أعيد تصميمه عام 2021 على يد معماريين إيطاليين، فيمنح الروس إحساساً بأنهم ما زالوا جزءاً من الغرب. وقد تمكن المركز هذا العام من الالتفاف على دعوة الكرملين لإنتاج فن "وطني"، فعرض منحوتة "بلانتوار" الشهيرة - مجرفة حديقة حمراء عملاق - للفنانين كلايس أولدنبورغ وكوسجي فان بروغن، وأشار بيان المعرض بفخر إلى أن العمل عرض للمرة الأولى في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.

وليست هذه الازدواجية أمراً طارئاً في روسيا، البلد الممتد من ألمانيا إلى اليابان. فحتى في شعارها الرسمي، ينظر النسر ذو الرأسين شرقاً وغرباً في آن واحد. وقد عاش الناس من قبل مع "ازدواجية التفكير" الأورويلية - أي اعتناق فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه وقبول كلتيهما على أنهما صحيحتان. كان الاتحاد السوفياتي يقدم بوصفه "جنة"، بينما كان الناس يموتون في معسكرات الغولاغ. وفي عام 1935، وفي خضم الاعتقالات الجماعية لأعداء الشيوعية المفترضين، أعلن ستالين: "لقد أصبحت الحياة أفضل يا رفاق، أصبحت الحياة أكثر بهجة". وفي مثل هذه البيئات، يتقن الناس أيضاً "اللغة المزدوجة" - أن يقولوا شيئاً ويفكروا في نقيضه تماماً.

حرب منقوصة

تتغلغل التناقضات نفسها في روسيا في عهد بوتين، غير أن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي. فهي تفتقر إلى أيديولوجيا قادرة على جمع الجمهور وتوحيده. وقد واصلت الدولة استرضاء مواطنيها عبر الرأسمالية وأنماط الحياة الغربية فقط لأن القتال كان يفترض أن يكون قصير الأمد، لكن حين تحول النزاع إلى حرب تمتد لسنوات، بدأت موسكو تطالب السكان بتقديم التضحيات. فرضت ضريبة جديدة على القيمة المضافة بنسبة 22 في المئة، ألحقت ضرراً بالأعمال الصغيرة بهدف رفد خزائن الدولة. وفرضت رسوم على كل شيء تقريباً. حتى إن دراسة أعدتها مجموعة "آر تي" الإعلامية الحكومية أقرت بأن ما لا يقل عن 70 في المئة من الروس باتوا يقلصون إنفاقهم على الغذاء أو السفر أو تناول الطعام خارج المنزل.

لكن قلة من الناس ترغب في تقديم التضحيات من دون سبب، ولذلك ظهرت محاولات لصياغة أيديولوجيا تمنح هذا السبب. عام 2022، وقع بوتين مرسوماً يهدف إلى "الحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية التقليدية"، في خطوة تمثل عملياً رفضاً لكل ما يتصل بالحضارة الغربية. وتروج روسيا لهذه "القيم التقليدية" - من الأسرة النواة، والدين الأرثوذكسي، وعدم المساواة بين الجنسين، ومعارضة الإجهاض، وغيرها - وتشيطن التقدم الاجتماعي باعتباره مؤامرة غربية ضدها. وفي الاتحاد السوفياتي أيضاً، جرى تبرير غياب الحرية الشخصية ورداءة مستوى المعيشة بوصفهما جزءاً من الصراع ضد مظالم الرأسمالية ومن أجل المساواة الشيوعية. غير أن الأيديولوجيا القمعية السوفياتية كانت ذات أصل واضح، إذ انبثقت من الثورة البلشفية عام 1917، عندما ناضل العمال والفلاحون ضد الأرستقراطية والبرجوازية سعياً إلى عالم أكثر مساواة. أما سعي بوتين إلى بناء حضارة تقليدية دينية - تشجع فيها الفتيات على الإنجاب في سن مبكرة، حتى خلال المرحلة الثانوية، ويحث فيها رجال الدين النساء على التخلي عن مسيراتهن المهنية ليصبحن "مساعدات" للرجال - فيستحضر عالماً يسبق العصر الصناعي. وتبدو هذه الإملاءات البالية بلا معنى بالنسبة إلى الروس المعاصرين الذين عاشوا زمن التقدم التكنولوجي، وسافروا حول العالم، وحققوا نجاحات لافتة في اقتصاد الخدمات خلال السنوات الأخيرة. بات اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع أمراً يصعب الحفاظ عليه أكثر فأكثر.

يريد بوتين ولاءً غير مشروط للحرب، وقد ملأت الشعارات الوطنية التي تمجد البطولات الروسية والسوفياتية شاشات التلفزيون، واللوحات الإعلانية العملاق، والإعلانات الرقمية، وبيانات الكرملين نفسه. وتعرض الشاشات الرقمية في مختلف المدن الروسية جنوداً بملابس مموهة يدافعون عن الوطن الأم، مرفقة بعبارات تحث المجندين المحتملين على "الانضمام إلينا" - في تقسيم واضح بين "نحن"، الوطنيين، و"هم"، غير الوطنيين. وقد أعلن بوتين أن "الوحدة، ودعم الشعب للجيش، هما ما يجعل روسيا منتصرة".


ومع ذلك، لم تنجح هذه الدعاية بالكامل. فعدد الروس الراغبين في استمرار الصراع يتراجع، إذ كلما طال أمد الحرب، خرجت الحرب من الهامش، وازدادت سيطرتها على حياتهم اليومية. ويخشى الناس التعرض لصدمة جديدة شبيهة بـ"التعبئة الجزئية" في خريف عام 2022، التي استدعت 300 ألف رجل إلى الجيش. وبعد إعلانها، فر كثير من المجندين المحتملين إلى الخارج. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، قال 66 في المئة من الروس لمركز "ليفادا" إنهم يخشون تعبئة شاملة، فيما أعرب 57 في المئة عن رغبتهم في بدء محادثات سلام (وقد ارتفعت هذه النسبة اليوم إلى 66 في المئة). وتحسباً للإفراط في الضغط، اعتمدت الحكومة نظام تجنيد قائم، شكلياً، على التطوع.

وفي مختلف أنحاء روسيا، جرى تجنيد شبان للذهاب إلى الجبهات. وتتلقى أسرهم مبالغ تراوح ما بين 2000 و20 ألف دولار - أو أكثر بحسب المنطقة. وخلال ثلاث سنوات، أنفقت الحكومة نحو 38 مليار دولار، أي ما يعادل 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على هذه المدفوعات. وقالت وزارة الدفاع إن الجيش استقبل قرابة 500 ألف مجند جديد عام 2024، و450 ألفاً عام 2025. بعض هؤلاء أجبروا على الانضمام، وبعضهم مجرمون فضلوا الذهاب إلى الحرب على البقاء في السجن. وإلى جانب حصولهم على المال، جرى إسقاط التهم عنهم. يموت الآلاف، لكن آلافاً آخرين يعودون. ومع مرور الوقت، بات يشاهد عدد متزايد من الرجال الجرحى والمشوهين في شوارع المدن الروسية. ويتعامل معهم المارة بحذر وريبة، بوصفهم جنوداً مرتزقة يسعون وراء المكاسب.

حاول بوتين تصوير الحملة في أوكرانيا على أنها حرب دفاعية، واضعاً إياها في مصاف الحرب العالمية الثانية، المعروفة في روسيا باسم "الحرب الوطنية العظمى"، لكن هذا المسعى فشل. فالخطاب العدواني الصادر من كوادر الكرملين والمعلقين الموالين له لم ينجح في إثارة حماسة وطنية، بل على العكس، كلما فرضت العسكرة على الجمهور بقوة أكبر، ازداد استياؤه من الرسالة. وفي العام الماضي، سمعت مراهقين يسخران من ملصق تجنيد في مترو موسكو، كان يظهر جنوداً يسألون المشاهد: "من غيرك؟" فضحك الفتيان قائلين: "من غيرك؟ بوتين، بالطبع".

مناطق رمادية

لا أحد في روسيا يعرف بدقة ما هو ممنوع وما هو مسموح، فالواقع الأورويلي مليء بالثغرات. يقاطع الغرب، ومع ذلك خلال موسم عيد الميلاد هذه السنة، تستقبل معظم مراكز التسوق الزوار بكلمة JOY [فرح] بالإنجليزية مكتوبة بأحرف ضخمة. كما وتستعرض الملاحق الثقافية لعطلات نهاية الأسبوع بانتظام حلقات من الموسم الأخير من مسلسل "وايت لوتس"، وتشرح لماذا يستحق فيلم " كونكلايف" كل هذه الضجة، بينما لا يستحقها فيلم "أفاتار: النار والرماد"، وتسلط الضوء على وجبة فطور إيطالية متأخرة في فندق "فور سيزونز" قرب الساحة الحمراء، وتروج لتعليم اللغة الإنجليزية في المدرسة البريطانية في موسكو، مع مزج ذلك بقصائد وطنية أو إعلان لتحميل لعبة فيديو بعنوان "اسأل ستالين". في غضون ذلك، طالبت بعض المنظمات الدينية وأعضاء مجلس الدوما بحظر قصص هاري بوتر بحجة أنها تروج للسحر الأسود، وزادت هذه المطالب في الصيف، عندما أعلنت المحكمة العليا الروسية أن عبادة الشيطان هي "حركة دولية" محظورة (مع العلم أن هذه الحركة غير موجودة). مع ذلك، على صفحة السفر في ياندكس، وهو النسخة الروسية من محرك البحث غوغل، تعرض على الروس رحلات إلى حدائق ومتاحف هاري بوتر الترفيهية حول العالم. وفي ديسمبر، كان حدث "هاري بوتر، أو رأس السنة في هوغورتس" في نادي الفنون بموسكو، من الفعاليات المفضلة. وفي قازان، عاصمة جمهورية تتارستان النائية، يبيع مقهى صغير لطيف، يحمل طابع هاري بوتر، بسكويت الزنجبيل المزين بوجوه شخصيات شهيرة.

ولكن هناك أهداف أخرى للتقليديين [المحافظين المتمسكين بالتقاليد] لم تكن قادرة على الإفلات من مثل هذه الهجمات. ففي العام الماضي، صنف مجتمع الميم على أنه "حركة متطرفة دولية"، وكما هو الحال مع عبادة الشيطان، لا وجود لمثل هذه الحركة فعلياً، وقد أزيل الاعتراف بهذه الهويات من الخطاب العام. ويمنع الأزواج من نفس الجنس من الزواج أو إنجاب الأطفال، إضافة إلى أن سيرة الشاعر والمخرج الإيطالي المحبوب بيير باولو بازوليني المثلي الجنس علناً، التي كتبها روبرتو كارنيرو، تعارضت مع السياسة الجديدة المناهضة لمجتمع الميم. وقد تمكن ناشر روسي شجاع من التحايل على الرقابة ونشر الكتاب عام 2024. وبدلاً من حذف الأجزاء المحظورة، جعل الناشر الكتاب يبدو مثل ملفات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية من حقبة الحرب الباردة، مع حجب مئات الصفحات، مما يظهر للقارئ سخافة النظام وعبثيته.

في الواقع، إن هذه المنطقة الرمادية تترك الناس في حال دائمة من عدم اليقين، وتتحول بذاتها إلى صورة من صور القمع، مما يشجع الأفراد على مراقبة سلوكهم بأنفسهم. في المسرح، توجد توجيهات غير رسمية، نتيجة اقتراح من الأعلى، تمنع تقديم أعمال المؤلفين الأجانب على المسرح، لذا لا يجرؤ إلا قليلون على عرضها. وبعض المسارح تحذف أسماء الممثلين والمؤلفين الذين يعتبرون "غير وطنيين" من برامج العروض. غادر المخرج الشهير ديمتري كريموف البلاد احتجاجاً على الحرب، لذلك جرى استبعاد اسمه من المواد الدعائية لمسرحيته "سيريوزها"، المقتبسة عن رواية "آنا كارنينا" لتولستوي، في مسرح موسكو للفنون. وكتب في أسماء المشاركين في العمل: "اسم المخرج: المخرج". وفي العام الماضي، قدم مخرج شاب مسرحية "ثامبيلينا" لهانز كريستيان أندرسن على مسرح موسكو الساخر. تدور أحداث القصة حول بطلة شابة صغيرة تحلم بالطيران إلى بلدان الجنوب الدافئة بحثاً عن الحرية، ولكن طلب من المخرج عدم ذكر "دول الجنوب"، لأن أوكرانيا تقع جنوب روسيا، وطلب منه تجنب كلمة "الحرية" أيضاً، كي لا تعطي الناس فكرة خاطئة. واقترح المخرج اختتام العرض بترنيمة لاتينية. فسأله مدير المسرح: "هل اللاتينية من دولة صديقة؟".

وتبدو بعض الأمثلة أكثر هزلية. فتماثيل الرخام الرومانية القديمة لأجساد بشرية عارية في متاحف روسيا تنتهك الآن "التقاليد الأخلاقية العميقة" في روسيا، وفقاً للكرملين. وحتى تحت حكم ستالين القاسي، لم تكن العصور القديمة تشكل تهديداً للدولة. في الوقت نفسه، جرى تصوير دمية "لابوبو" المحشوة الشهيرة، التي ابتكرها فنان ولد في هونغ كونغ ونشأ في هولندا، على أنها عدو للشخصية الكرتونية السوفياتية المحلية "تشيبوراشكا". واقترح أحد المشرعين الروس، بكل جدية، أن "أولئك الذين يتبعون القيم التقليدية على جبهة أوكرانيا سيختارون تشيبوراشكا". وقد أومأ الحضور برؤوسهم كما لو كان هذا التصريح منطقياً.

لم يعد أحد يتحكم بحياته الخاصة. أصبح هذا واضحاً في ديسمبر 2023، عندما أقامت شركة الاتصالات "إم تي إس" حفلة "شبه عُراة" بمناسبة عيد الميلاد في موسكو. حضر المشاهير المدرجون على قائمة الضيوف وهم يرتدون ملابس فاضحة، كما اعتادوا في السنوات السابقة، معتقدين أن حياتهم الخاصة لا تزال محمية، لكن وطنية بوتين سلبت منهم تلك الحماية. واتهم الحضور بالافتقار إلى الفخر الوطني، وتقليد الغرب "بصورة مقززة"، بينما تناضل البلاد من أجل "روحها التقليدية". ومنذ ذلك الحين، داهمت السلطات الحفلات والعروض في جميع أنحاء روسيا بحثاً عن "مجرمي" مجتمع الميم، أو "عبدة الشيطان"، أو موسيقى ومسرحياًت من تأليف "عملاء أجانب".

صناعة الديكتاتورية

في مقالته "العمل بما قد يرضي الفوهرر" عام 1993 شرح المؤرخ البريطاني إيان كيرشو كيف يستولي الاستبداد على المجتمع: من خلال استخدام الأيديولوجيا لتبرير الأفعال الفردية والجماعية، ومن خلال التواطؤ المجتمعي الطوعي، ومن خلال القمع الحكومي. يحدد القائد المتطلبات القمعية، ثم يقوم الجميع، بدءاً من محيطه المقرب، مروراً بالشركات والمؤسسات الحكومية والسياسية والمدارس والجامعات، وصولاً إلى المجموعات التطوعية والأفراد، بوضع قواعد السلوك. وتتبع الوطنية المفرطة في البوتينية السيناريو نفسه. فالمواطنون العاديون ليسوا متواطئين صامتين فحسب، بل شركاء في صنع القمع، إذ يسعون إلى إرضاء زعيمهم ومراقبة أفراد مجتمعاتهم. ويصبح المسؤولون الحريصون على التفوق على بعضهم أكثر عدوانية في حملاتهم القمعية. والنتيجة مشاهد عبثية، حيث يتقن الكوادر والمسؤولون الموالون بصورة عمياء للنظام فناً جعل الأمور غير الطبيعية تبدو طبيعية، والعكس صحيح.

ليس الأمر أن السلطات أصبحت غافلة عن العبثية والتناقضات، فهي ترى ذلك حين يناسبها. فقد استشاطت إيلا بامفيلوفا رئيسة لجنة الانتخابات المركزية في الاتحاد الروسي، غضباً عندما أبلغها نائب قلق عن تشابه الشعار الرسمي المرتبط بانتخابات 2024 مع شعار مؤسسة مكافحة الفساد، التي كان يترأسها الراحل أليكسي نافالني، الخصم اللدود للكرملين. وبخت بامفيلوفا النائب على "خياله الارتيابي". وجرى لاحقاً إعلان النائب عميلاً أجنبياً بسبب تصريحاته.

على مدار أكثر من 25 عاماً في السلطة، غرس بوتين في الوعي الجمعي الروسي فكرة أن روسيا "حصن محاصر"، وقد روج المحللون السياسيون على شاشات التلفزيون لهذه الفكرة لسنوات. يمكن للناس في القرى والبلدات الصغيرة، الذين يعيشون معتمدين بالكامل على دخلهم الشهري لتغطية نفقاتهم الأساسية، أن يستمدوا الإلهام ويجدوا العزاء من الانتماء للأمة العظيمة التي تقف في وجه الضغوط الغربية. وباستخدام شعار الحرب الوطنية العظمى "النصر سيكون حليفنا"، يبرر بوتين لهذه الشريحة من الناس الخسائر والقسوة التي يعانونها على طول الطريق.

كلما زاد الترويج للعسكرة، ازداد امتعاض الناس من هذه الرسالة

 

في المقابل، يبتكر أعضاء الدوما والمواطنون العاديون على حد سواء قواعد قمعية كما لو كانوا غارقين في جنون جماعي. عندما انهار النظام الشيوعي، خفتت عادة الوشاية بالأصدقاء أو أفراد العائلة أو زملاء العمل بتهمة التفكير التخريبي، لكنها عاودت الظهور عام 2022، بل أصبحت هذه العادة طبيعية، بل ومشجعة، في المجتمع. وبحلول عام 2024، قدم الوطنيون الفخورون أكثر من 3000 بلاغ يتهمون فيها آخرين بتشويه سمعة القوات المسلحة، أو دعم حقوق مجتمع الميم، أو انتقاد الكرملين.

بعضهم يبلغ بدافع القناعة، وبعضهم يريد الحصول على تقدير لمساعدته الدولة، والبعض الآخر يشي بالآخرين خوفاً من أن يصبح ضحية هو نفسه. وقد اشتهر إيفان أباتوروف، طالب الدكتوراه غير المتميز من يكاترينبورغ، بتلفيق اتهامات خيالية ضد الصحافيين الذين استخدموا، على سبيل المثال، كلمة "حرب" بدلاً من "عملية عسكرية خاصة". وفي غضون ستة أشهر من عام 2023، كتب 1357 بلاغاً تحت اسم مستعار هو آنا كوروبكوفا.

وهناك جماعات أخرى، مثل "الكوميونة الروسية"، وهي جماعة يمينية متطرفة مؤيدة للحرب، تصارع الأعداء المحليين بصورة مباشرة. بدأت هذه الجماعة كلجنة أمن أهلية [جماعة تطبق "القانون" بيدها]، ومنذ عام 2022، وهي تدعم قوات الأمن الرسمية، وتشارك في مداهمات تستهدف المجتمعات العرقية أو "غير المرغوب فيهم" في المحاضرات الجامعية أو الحفلات الموسيقية. ويقاطع متطوعون محاضرات في مكتبة "موسكفا"، التي تبعد دقائق عن الكرملين، ويهددون المتحدثين الذين يعارضونهم ويتوعدون بحرق الكتب وكسر النوافذ. وعندما تتصل المكتبة بالشرطة طلباً للحماية، غالباً ما يرفض الضباط، بحجة محدودية الموارد.

تشديد الخناق

كان من المفاجئ في يوليو (تموز) أن تسعى وزارة الداخلية إلى وضع حد لأعمال لجان الأمن الأهلية غير النظامية. وفي إشارة غير مباشرة إلى الكوميونة الروسية، أصدرت الوزارة تحذيراً للمواطنين الروس في شأن الجماعات القومية التي "تستخدم الشعارات الوطنية كغطاء، وتبحث عن أعداء وهميين، وتؤجج الصراعات العرقية". ومنذ ذلك الحين، حتى أكثر كوادر النظام تطرفاً في قوميتهم، مثل كيريل كابانوف، عضو المجلس الرئاسي لتنمية المجتمع المدني وحقوق الإنسان (وهي تسمية أصبحت الآن متناقضة في ذاتها [لأن وجود مجلس "لحقوق الإنسان" داخل نظام قمعي يشكل مفارقة ساخرة])، يصرون على ضرورة دمج هذه المنظمات بالكامل في "الهياكل الحكومية".

وتأتي هذه الخطوات ضمن مرحلة جديدة من القمع والسيطرة لا تستهدف المعارضة فحسب، بل أيضاً الأشد ولاءً للنظام. وقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "ليفادا" في ديسمبر أن 26 في المئة فقط من السكان يوافقون إلى حد ما على "استمرار العمليات العسكرية" في أوكرانيا، وهو أدنى مستوى تأييد منذ بدء الحرب. وقد انخفضت نسبة الذين يصرون على أن تقاتل روسيا حتى النصر الكامل من 29 في المئة عام 2022 إلى 15 في المئة في نهاية عام 2025. ويشكل هذا المزاج العام الحالي تهديداً للكرملين، الذي رد بتقليص الدور الذي كان يتركه للمواطنين في تنفيذ مشروعه السلطوي، محولاً عبء القمع إلى الدولة مباشرة. ويهدف إلى القضاء على أي نشاط سياسي مستقل، أي على كل ما يمكن أن يخرج عن سيطرته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد انقلبت الحكومة حتى على المقربين من النظام أنفسهم. فمنذ الصيف، تشن عمليات اعتقال يومية لمسؤولين حكوميين وسياسيين وضباط جيش رفيعي المستوى كانوا يحظون بثقة الحكومة سابقاً، وأصبحوا متهمين الآن بالفساد. وفي هذا الإطار، شهد شهرا يونيو (حزيران) ويوليو اعتقالات قاسية لصحافيين من المنصة الإخبارية "أورا.رو" Ura.ru، وقناة "بازا" على تطبيق "تيليغرام"، وكلاهما ينشر محتوى وطنياً مفرطاً مؤيداً للحرب، وكانا يتبنيان على نحو مطيع خطاب الكراهية والعداء تجاه "العدو"، أي أوكرانيا والعملاء الأجانب ومنتقدي الكرملين. وفي الخريف، وصف عدد من أشد الموالين للكرملين بأنهم عملاء أجانب، بمن فيهم سيرغي ماركوف، وهو مروج سياسي موال للكرملين، ورومان أليخين، وهو بلوغر بارز مؤيد للحرب. وتبقى الأسباب محل تكهنات: فربما تجرأ ماركوف على إسداء نصيحة لبوتين، أو ربما كان مقرباً أكثر من اللازم من أذربيجان. وقد يكون أليخين منتقداً للوضع العسكري الروسي على أرض المعركة. أما البلوغر تاتيانا مونتيان، المولودة في شبه جزيرة القرم، فقد تجاوزت تصنيف "العميلة الأجنبية" تماماً، ووصفت بأنها "إرهابية ومتطرفة"، على ما يبدو، بسبب انتقادها لبعض الوطنيين المرتبطين بالكرملين. والآن، لم يعد يسمح بأي تقييم مستقل لأفعال روسيا، حتى لو صدر من أشد الموالين إخلاصاً.

ويزداد قمع الكرملين حدة. فقد بدأ الوصول إلى الإنترنت يتراجع: أولاً، أصبح "يوتيوب" بطيئاً للغاية إلى حد جعله غير قابل للاستخدام تقريباً، وحظرت المكالمات عبر تطبيقي المراسلة سيغنال وفايبر. ثم في سبتمبر (أيلول)، دخلت حيز التنفيذ لوائح جديدة صارمة، فرضت قيوداً على المكالمات عبر تطبيقي "واتساب" و"تيليغرام"، وغرم أي شخص يبحث عن موقع محظور بتهمة المشاركة في التطرف. وكان هذا القمع الرقمي واسع النطاق لدرجة أن فصائل في الدوما، التي تعد معارضة بالاسم فحسب، صوتت ضده. وحده حزب بوتين أيده من دون أي اعتراض. وقد أثار ذلك احتجاجاً نادراً: إذ قاد المرشح الرئاسي السابق بوريس ناديجدين مجموعة إلى مبنى البرلمان رافعين لافتة كرتونية كتب عليها: "أورويل كتب رواية ديستوبية، لا دليلاً إرشادياً". ومع ذلك، تستمر القيود في الظهور. لقد أصبح تطبيق "واتساب" غير قابل للاستخدام عملياً، ويحجب الإنترنت على الهاتف المحمول يومياً في جميع أنحاء روسيا، وقد سجلت 11300 حالة انقطاع في الأقل في مناطق مختلفة منذ مايو (أيار)، بزعم منع استخدامه في غارات الطائرات المسيرة الأوكرانية، ولكنه في الحقيقة لقطع صلة روسيا بالعالم الخارجي والسيطرة على السكان.

لا أحد في روسيا يعرف على وجه الدقة ما هو الممنوع وما الذي لا يزال مسموحاً به

 

وتتزايد خيبة الأمل. فالمؤيدون المتحمسون للحرب يشعرون بالغضب لأن المجتمع الروسي يتجاهل تضحيات الجيش. وهم غير راضين عن التقدم البطيء في أوكرانيا: منذ فبراير 2022، احتلت روسيا أقل من 12 في المئة من الأراضي الأوكرانية. ويساور آخرين القلق في شأن التضخم، الذي يبلغ حالياً نحو 7 في المئة، ويشتكون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والخدمات الأساسية، والغاز، والأدوية. وينظر الاقتصاديون بتشاؤم إلى الاقتصاد المتعثر. فقد تجاوز عجز موازنة 2025 مبلغ 53 مليار دولار، وارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 38 في المئة مقارنة بالعام الماضي، في حين شهدت معظم الشركات، في مختلف القطاعات، بما في ذلك البناء وصناعة السيارات والسفر، انخفاضاً ملحوظاً. أما التحول الروسي نحو القطاعات المعتمدة أكثر على كثافة اليد العاملة بدل التركيز على التكنولوجيا المتقدمة، كما وعد بوتين في 2020، فمن غير المرجح أن يكون ذا جدوى. كذلك، تضطر البلاد إلى التعامل بصورة متزايدة مع فقدان مئات الآلاف من الجنود الذين لقوا حتفهم في القتال.

إذا لم يتحقق السلام، فإن الحرب الشاملة هي مسألة وقت لا أكثر. في مطلع ديسمبر، ركزت جلسة الأسئلة والأجوبة السنوية التي يعقدها بوتين مع الجمهور والصحافة بصورة كبيرة على التضحيات الضرورية التي تقدمها البلاد في سبيل "العملية العسكرية الخاصة". إن الاستمرار في الحرب قد يعني التعبئة العامة وإعلان الأحكام العرفية. أما إذا انتهى الصراع العام المقبل، فسيواجه النظام سيلاً من الأسئلة الصعبة. وكلا الاحتمالين محفوف بعدم اليقين، لذا يحتاج الكرملين إلى فرض سيطرة مطلقة.

مع ذلك، ومع دخول عام 2026، يظل مشروع روسيا لنسج واقع شبيه برواية "1984" غير مكتمل. فالقواعد النهائية لم تحدد بالكامل، والمعارضة تنجح أحياناً في التسلل عبر الثغرات. ويرفع ديمتري موراتوف، من صحيفة "نوفايا غازيتا"، الذي يوصف بأنه عميل أجنبي، صوته بانتظام ضد القمع. ويواصل مراسلوه العمل، كما كانوا يفعلون قبل عام 2022. الصحيفة مغلقة رسمياً، لكنها متاحة عبر الإنترنت باستخدام شبكة افتراضية خاصة (في بي أن)، ويمكن للروس طلب نسخة ورقية منها عبر الإنترنت تحت الاسم البديل "نوفايا غازيتا جورنال". كذلك، بقي بعض المذيعين والمحللين من قناة "زيفوي غفوزد" Zhivoi Gvozd على "يوتيوب" (المعروفة سابقاً باسم "إيخو موسكفي") في موسكو أيضاً، وبعد طردهم من مقراتهم المرموقة، يبثون الآن من غرف متواضعة على أطراف المدينة.

هؤلاء الناس يقاومون القمع يومياً، وكذلك يفعل آخرون لا يعدون ولا يحصون، من خلال أعمال تحد تكشف عبثية النظام ووحشيته. قبل بضعة أشهر، رسم رجل شجاع في سانت بطرسبورغ غرافيتي يحمل الشعار السوفياتي الذي يعود إلى ستينيات القرن الـ20 "السلام على الأرض"، وهو الآن قيد التحقيق بتهمة التطرف والإرهاب. وعند التجوال في أرجاء دير تجلي المخلص في ياروسلافل، وهي بلدة قديمة تقع على بعد 160 ميلاً شمال موسكو، تجد حجراً كبيراً رسم عليه طائر بالأصفر والأزرق، لوني العلم الأوكراني. وفي مدينة موروم، على بعد 200 ميل شرقاً، هناك متجر ملابس يجذب الزوار بعرض مجموعات من البالونات بألوان لافتة، الأسود والأرجواني، والأبيض والأحمر، والأصفر والأزرق. وعندما سألت عما إذا كان اختيار اللونين الأخيرين مقصوداً، غمزت البائعة وقالت: "حسناً، إذا دخل مسؤول، فسأبتسم ابتسامة مارلين مونرو وأقول: "هذه الألوان تبدو جميلة جداً معاً".

 

مترجم عن "فورين أفيرز"، 30 ديسمبر 2025

نينا خروشيوفا أستاذة الشؤون الدولية في جامعة "نيو سكول".

اقرأ المزيد

المزيد من آراء