ملخص
بعض الإحصاءات غير الرسمية تشير إلى أن أكثر من 65 في المئة من الوظائف الحكومية توقفت أو جمدت، إما بسبب انقطاع المرتبات أو توقف المؤسسات كلياً عن العمل في مناطق النزاع مثل الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.
في ظل ارتفاع معدلات البطالة في السودان، وتوقف التوظيف الحكومي، وغياب الاستقرار الاقتصادي، وجد خريجو الجامعات أنفسهم عالقين في مشهد قاتم بلا أفق واضح، ومع تعقيد وارتفاع كلفة إجراءات الهجرة النظامية، أصبح الطريق إلى الخارج أمراً صعباً، ليتحول الانتظار إلى واقع دائم، ينهك الأحلام ويهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي لجيل بأكمله.
هذا الوضع المظلم الذي يعيشه جيل الشباب في أعقاب الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في الـ15 من أبريل (نيسان) 2023، التي تسببت في شل سوق العمل، دفع آلاف الخريجين إلى البطالة أو العمل في أعمال هامشية لا تمت إلى تخصصاتهم بصلة، فحاملو الشهادات الجامعية ظلوا يراهنون عليها كطوق نجاة فحسب، إذ تحولت فجأة إلى عبء ثقيل في سوق العمل، ولا فرصة في طريق الهجرة المعطل.
كشك أدوية
تقول البيطرية رحمة الطيب، "تخرجت في كلية الطب البيطري نهاية 2019، وكنت أطمح لوظيفة في وحدة حكومية أو عيادة خاصة، لكن الحرب أغلقت كل الأبواب وبعد أشهر من البطالة، افتتحت بمساعدة أحد أقاربي كشكاً صغيراً لبيع الأدوية البيطرية في بورتسودان، فالدخل غير ثابت، أحياناً لا يتجاوز 3 آلاف جنيه في اليوم، وبالكاد بعد تغطية الإيجار والمصاريف أستطيع توفير 150 ألف جنيه شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لعلاج والدتي أو مصاريف أخي".
وتضيف الطيب "لا أمارس مهنتي فعلياً، فقط أبيع أدوية، وأصبح شعوري الدائم أن شهادتي لم تشفع لي، وكأن كل أعوام الدراسة كانت عبثاً، لذلك أفكر في الهجرة إلى الخارج، لكن حتى جواز السفر لا أملكه، فكل شيء أغلق في وجهي".
بائعة متجولة
المأساة نفسها تعيشها نعمة أحمد، خريجة كلية الاقتصاد عام 2021، فعلى رغم أنها كانت من المتفوقات على دفعتها وكان حلمها أن تعمل في القطاع المصرفي، فإنه سرعان ما ضاع الحلم بسبب الحرب التي عطلت المؤسسات الاقتصادية ولم يعد أمامها خيار غير الاستسلام للواقع.
وتوضح أحمد "طرقت أبواب أكثر من 10 شركات، وكل الإجابات كانت واحدة (لا توجد وظائف منذ بداية الأزمة)، فالآن أعمل بائعة متجولة في سوق أم درمان فقط لأتمكن من الإنفاق على أسرتي، لكن شعوري العام هو أن شهادتي التي قضيت أربعة أعوام في تحصيلها لم تعد ذات قيمة في ظل هذا الواقع المؤلم".
تغطية نفقات
في السياق ذاته، تقول سارة سيف التي تخرجت في مجال الهندسة المدنية عام 2020 "منذ تخرجي وجدت نفسي أمام منافسة قوية في سوق العمل، وبعد محاولات عدة حصلت على وظيفة في أحد المكاتب الهندسية، لكن لم أهنأ بهذه الوظيفة، إذ اندلعت الحرب ولم أكمل العام في وظيفتي، وظللنا في حال نزوح قرابة العامين وأخيراً عدت مع أسرتي إلى الخرطوم بعدما استعادها الجيش من قبضة ’الدعم السريع‘، وفي ظل تعطل المؤسسات اضطررت إلى العمل كمساعدة في محل لمواد البناء".
وواصلت سيف "راتبي اليومي بالكاد يغطي المواصلات، وأصحاب الشركات يؤكدون أن المشروعات الهندسية متوقفة، فأنا على قناعة تامة بأن هذا العمل لا يضيف لي شيئاً مهنياً، لكنه وسيلتي الوحيدة لتغطية النفقات، وفي تقديري أن البطالة المباشرة ربما كانت أهون من ممارسة عمل بعيد تماماً من تخصصي".
أزمة عميقة
يرى المتخصص في الشأن الاقتصادي بجامعة الخرطوم أبو بكر خالد أن "الشباب السوداني اليوم يواجه وضعاً غير مسبوق، يتطلب تغييراً جذرياً في نظرتهم إلى سوق العمل، فأولوية الشباب الآن يجب أن تتحول من انتظار الوظائف التقليدية أو الحلم بالهجرة، إلى محاولة الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة داخل البلاد، خصوصاً في القطاعات غير النمطية".
وأضاف خالد "ما بعد أكثر من عامين من اندلاع الحرب، بدأت بعض المؤسسات الوطنية والدولية في استعادة نشاطها وفتح مسارات بديلة للتوظيف، ولو بصورة محدودة، مثل منظمة (اليونيسيف) التي أعلنت أخيراً عن أكثر من 25 وظيفة في مجالات مثل التعليم والتثقيف المجتمعي، وكذلك برامج الطوارئ في ولايات مثل بورتسودان والقضارف".
وأوضح متخصص الاقتصاد أن منظمة إنقاذ الطفولة فتحت فرصاً في مجالات التموين والرصد الميداني في أم درمان، وتتحرك منظمات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الدنماركية للاجئين (DRC) لتوفير وظائف مدفوعة في بيئات العمل الإنساني.
وبحسب خالد، فإن هذه الفرص تمثل "الواقع العملي الوحيد المتاح حالياً، إذ لا تزال الهجرة النظامية متعثرة بشدة، والتوظيف الحكومي مجمداً، والهجرة في ظل هذه الظروف لم تعد خياراً مضموناً، فيما بدأت السوق المحلية تشهد حراكاً جزئياً يستوجب على الخريجين التكيف معه، ولو بصورة موقتة".
بطالة هيكلية
أما المتخصص في الشأن الاقتصادي عبدالرحيم الطيب، فأشار إلى أن "هذه التحولات لا تمثل حلاً كافياً، بل تعكس عمق الأزمة البنيوية التي يعانيها الاقتصاد السوداني وأن ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لانهيار سوق العمل بسبب الحرب".
وتابع الطيب "السودان يعاني بطالة هيكلية حادة، إذ لا تتوافق مخرجات التعليم العالي مع طبيعة وحجم فرص العمل المتاحة، فحتى قبل الحرب كانت السوق تعاني اختلالات واضحة، أما اليوم، فالقطاعان الصناعي والخدمي شبه متوقفين بالكامل".
وأردف المتحدث "الوظائف الحكومية التي كانت تستوعب نسبة كبيرة من الخريجين، أصبحت شبه معدومة بعد التدهور الكبير في الإيرادات العامة وانهيار مؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن آلاف الخريجين إما دخلوا في بطالة مباشرة، أو اضطروا إلى قبول أعمال هامشية لا تمت إلى تخصصاتهم بصلة، فيما نرى أشكالاً من البطالة المقنعة حيث يعمل الفرد من دون أي عائد يذكر أو في بيئة لا تنمي مهاراته".
وخلص المتخصص في الشأن الاقتصادي إلى أن "ما نراه الآن ليس مجرد أزمة موقتة، بل تحول عميق في بنية سوق العمل، يتطلب تدخلات استراتيجية تشمل إصلاح التعليم العالي، وتوسيع فرص التدريب، وتحفيز الاقتصاد عبر دعم المشاريع الصغيرة والمنظمات المجتمعية، بدلاً من الاعتماد على الحلول التقليدية التي لم تعد قابلة للتطبيق في الواقع السوداني الحالي".
تحول ملحوظ
في حين، يشير المتخصص في الموارد البشرية، مدير قسم التوظيف في إحدى المنظمات الدولية العاملة في شرق السودان إيهاب السر محمد، إلى أن "سوق العمل في السودان شهدت خلال الأعوام القليلة الماضية تحولاً جذرياً، ليس فقط بسبب الحرب، ولكن نتيجة تراكمات اقتصادية وهيكلية سبقتها بأعوام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستطرد محمد "قبل الحرب، كانت سوق العمل تعاني ضعف الاستيعاب، لكنها في الأقل كانت تتحرك، وعام 2021 كانت نسب التوظيف في القطاعين العام والخاص تشهد بعض التقدم التدرجي، وخصوصاً مع توسع شركات الاتصالات والمصارف ومبادرات ريادة الأعمال في المدن الكبرى، لكن مع اندلاع الحرب انهار هذا التقدم تماماً".
وأشار متخصص الموارد البشرية إلى أن "أكثر من 70 في المئة من الوظائف الرسمية في البلاد قبل الحرب كانت تتركز في القطاع الحكومي، سواء عبر الوزارات أو المؤسسات التابعة لها، وهو قطاع أصبح اليوم شبه معطل بالكامل".
وواصل المتحدث "بعض الإحصاءات غير الرسمية تشير إلى أن أكثر من 65 في المئة من الوظائف الحكومية توقفت أو جمدت، إما بسبب انقطاع المرتبات أو توقف المؤسسات كلياً عن العمل في مناطق النزاع مثل الخرطوم والجزيرة، ودارفور".
أما عن القطاع الخاص فيرى محمد أن "الشركات الكبرى، خصوصاً في قطاعات البنى التحتية والتمويل والخدمات، إما انسحبت من السوق أو خفضت عدد موظفيها إلى الحد الأدنى، وكثير من المصانع والمكاتب أغلقت، والبعض نقل عملياته إلى مدن مثل بورتسودان أو خارج البلاد تماماً".
ولفت المتحدث إلى أن "سوق العمل اليوم باتت تعتمد بصورة كبيرة على المنظمات الدولية والمبادرات المجتمعية والمشروعات الصغيرة غير الرسمية، وما نراه الآن هو تحول من الاقتصاد الرسمي إلى اقتصاد الطوارئ، إذ توفر المنظمات فرص عمل موقتة في قطاعات مثل التوعية والتوزيع والخدمات اللوجيستية والتعليم غير النظامي، لكن هذه الوظائف على رغم أهميتها، لا تغطي سوى نسبة محدودة من الخريجين".
وتابع محمد "في العام الماضي فحسب، استقبلت منظمتنا ما يفوق 4500 طلب توظيف على 12 وظيفة شاغرة فحسب، وهذا يوضح حجم الفجوة، والضغط النفسي والمهني على الشباب"، وزاد "هناك تحد آخر مرتبط بالتوظيف، وهو ضعف المهارات العملية والتقنية لدى كثير من الخريجين، فالنظام التعليمي يركز على الجوانب النظرية، بينما السوق، خصوصاً في المنظمات تطلب مهارات مثل إدارة المشاريع والتحليل البياني والتوثيق والتواصل باللغات الأجنبية، وهي مهارات غير متوافرة لدى نسبة كبيرة من الباحثين عن العمل".
ومضى المتخصص في الموارد البشرية قائلاً "سوق التوظيف في السودان ما بعد الحرب لن تعود كما كانت، نحن أمام واقع جديد يتطلب تأهيلاً مختلفاً وانفتاحاً على مسارات مهنية غير تقليدية، وعلى الخريجين أن يعيدوا تعريف مفهوم الوظيفة نفسه، وأن يتجهوا لاكتساب المهارات القابلة للتطبيق في البيئات المتغيرة، لأن الشهادة وحدها لم تعد كافية".
أثر خفي
من جانبه يقول الاختصاصي النفسي محمد عبدالسلام إن "آثار البطالة في السودان لم تعد تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتدت لتترك ندوباً نفسية واجتماعية عميقة في جيل كامل من الشباب"، موضحاً أن "البطالة الطويلة تخلق شعوراً مزمناً بالإحباط وفقدان الحافز، وتحدث اختلالاً في البنية النفسية للفرد، فالشاب الذي يقضي أعواماً بعد التخرج من دون عمل يبدأ في فقدان الثقة بنفسه، وقد يدخل في حالات اكتئاب أو قلق دائم".
وأردف عبدالسلام "كذلك فإن تأخر الاستقلال المادي يؤدي بدوره إلى تأجيل قرارات حياتية مهمة مثل الزواج أو تكوين أسرة، ويزيد من الاعتماد المفرط على العائلة، مما يولد ضغوطاً متبادلة داخل الأسرة الواحدة".
وزاد المتحدث قوله "الخطر في هذا الوضع أن كثيراً من الشباب باتوا يلجأون إلى خيارات خطرة، مثل الهجرة غير النظامية، أو الانسحاب من الحياة الاجتماعية تماماً، وهذا له تأثيرات مباشرة في استقرار المجتمع ككل، فعندما تصبح البطالة هي القاعدة لا الاستثناء، فنحن أمام أزمة تهدد النسيج الاجتماعي وليس فقط الاقتصاد".
ونوه الاختصاصي النفسي بأن "معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر برامج اقتصادية فحسب، بل تتطلب أيضاً تدخلاً نفسياً ومجتمعياً منظماً، يوفر الدعم النفسي، ويعيد بناء ثقة الشباب في قدراتهم وفي مستقبلهم داخل الوطن".