ملخص
على مدار الأعوام الماضية، أدى الإقبال المتزايد على الهجرة غير النظامية في تونس إلى مآسٍ فقد فيها العشرات من التونسيين الذين يطاردون مستقبلاً أفضل. ووقعت السلطات مع نظيرتها الإيطالية منذ أعوام اتفاقات تشمل التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية واستقطاب بعض الكفاءات من طريق عقود عمل رسمية.
تشهد تونس ظاهرة لجوء كثير من شباب "الطبقة الوسطى" إلى قوارب الموت، أو الهجرة غير النظامية، بحثاً عن غد أفضل في أوروبا. فطوال عقود مضت، كان خريجو الجامعات داخل تونس وغيرهم من المواطنين الذين لديهم دخل شهري لائق بمنأى من الهجرة غير الشرعية، لكن تردي الأوضاع دفع كثراً إلى ركوب القوارب المبحرة صوب إيطاليا.
يتحدث محمد، وهو معلم فضل عدم الكشف عن هويته كاملة، "هاجرت ليس فقط لأن الوضع الاقتصادي صعب، ولكن حتى الظروف الاجتماعية والنفسية لم تعد مواتية للبقاء في تونس".
ويتابع أنه "قرر المجازفة بحثاً عن غد أفضل مالياً ونفسياً. فعلى رغم أنني لم أجد بعد وظيفة في إيطاليا فإنني متفائل"، موضحاً أن "الغلاء يستفحل في تونس، والتجاذبات بلغت ذروتها بين الأطراف السياسية، بينما تُهمش القضايا الرئيسة مثل إصلاح التعليم والصحة".
وشدد على أن "كثراً يحظون بمستوى تعليمي ومهني جيد يفكرون في الهجرة غير النظامية، لأن الأوضاع تسوء في تونس بصورة غير مسبوقة".
تطور خطر
قبل أعوام، كانت قوارب الهجرة غير النظامية تجذب العاطلين من العمل أو الذين فقدوا الأمل في المستقبل، لكنها أخيراً باتت تستقطب الطبقة الوسطى وعائلات بأكملها، على رغم تشديد البلاد إجراءاتها الأمنية لاحتواء هذه الظاهرة.
وتعاني تونس أزمات اقتصادية حادة واستقطاباً سياسياً متصاعداً في ظل القطيعة بين الرئيس قيس سعيد وقوى المعارضة، منذ إطاحته البرلمان والحكومة خلال الـ25 من يوليو (تموز) 2021.
ووعد سعيد بإصلاحات ستشمل القطاعات كافة، ويتحدث عن "حرب تحرير وطنية"، لكن إجراءاته لا تزال تواجه انتقادات.
وقال النائب البرلماني السابق المقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي "خلال الأعوام الأخيرة، لم تعد الهجرة غير النظامية في تونس مقتصرة على الشباب المهمش أو الفئات الأكثر فقراً، بل أصبحت تستقطب بصورة متزايدة أبناء الطبقة الوسطى، بمن فيهم المتعلمون وذوو المسارات المهنية المستقرة سابقاً، وهذا التحول لم يعد مجرد فرضية أكاديمية، بل تؤكده تقارير بحثية وشهادات ميدانية ومعاينات مباشرة".
وأردف الكرباعي لـ"اندبندنت عربية"، "من خلال عملي الميداني ومتابعتي لملفات الهجرة، صادفت مهاجرين غير نظاميين ينتمون إلى مهن كانت تعد إلى وقت قريب ضمانة للاستقرار الاجتماعي، محامين وأساتذة ومعلمين وموظفين في القطاع الحكومي وغيرهم، والتقيت عائلات كاملة قررت الهجرة تنتمي إلى مستوى اجتماعي متوسط وفوق المتوسط".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكد أن "هذا التطور بالغ الخطر، لأنه يكشف عن أن الهجرة غير النظامية لم تعد تعبيراً عن الفقر فحسب، بل عن فقدان الثقة في الدولة وفي المستقبل. نحن أمام جيل تعلم وآمن بما يسمى ’المصعد الاجتماعي‘، أي إن التعليم والعمل والاجتهاد يضمنون حياة كريمة واستقراراً، لكن هذا الوعد انهار بفعل البطالة المقنعة وتدهور القدرة الشرائية، وانسداد الأفق المهني حتى داخل الوظيفة العمومية نفسها".
ولفت إلى أنه "عندما يختار محام أو أستاذ أو غيره ركوب قوارب الموت، فذلك لا يعكس فقط أزمة دخل بل أزمة كرامة وأزمة معنى. هؤلاء لا يفرون من الجوع بقدر ما يفرون من الإحساس بعدم الاعتراف، ومن شعور عميق بأن أعوام الدراسة أو الخدمة لم تعد توفر الأمان الاجتماعي أو الحماية من السقوط نحو الهشاشة".
نزف حقيقي
ويستطرد الكرباعي قائلاً "هذا التحول له تداعيات خطرة على الداخل التونسي، فنحن أمام نزف حقيقي للطبقة الوسطى، وهي العمود الفقري لأي مجتمع مستقر. إن تراجع هذه الفئة يعني خسارة رأس مال بشري مؤهل داخل قطاعات حيوية، وإضعاف المؤسسات العمومية نفسها مع مغادرة كفاءات مدربة. كذلك يعني تفكك العقد الاجتماعي القائم على التعليم والعمل، وترسيخ ثقافة الهجرة كخيار وحيد، لتنتقل حتى إلى الأطفال داخل هذه العائلات، والخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في عدد من يغادرون تونس، بل في نوعية الفئات التي تفقد الأمل وتغادر".
على مدار الأعوام الماضية، أدى الإقبال المتزايد على الهجرة غير النظامية في تونس إلى مآسٍ فقد فيها العشرات من التونسيين الذين يطاردون مستقبلاً أفضل. ووقعت السلطات مع نظيرتها الإيطالية منذ أعوام اتفاقات تشمل التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية واستقطاب بعض الكفاءات من طريق عقود عمل رسمية.
ويرى الباحث السياسي محمد صالح العبيدي أن "الحلول الأمنية وحدها غير كافية. يجب الاستماع إلى أبناء الطبقة الوسطى التي تآكلت منذ أعوام وسط انهيار القدرة الشرائية، إذ باتت رواتب مثل 1500 دينار (نحو 500 دولار أميركي) متدنية للغاية مقارنة بغلاء الأسعار".
ويوضح العبيدي "أيضاً هذه الطبقة تبحث عن طمأنة على مستقبل أبنائها، فحتى من لا يركب قوارب الهجرة يغادر بصورة نظامية من خلال هجرة الأدمغة، إذ تستقطب دول أوروبية الكفاءات التونسية، بالتالي المشكلة معقدة وتتطلب معالجة عقلانية".