ملخص
مع بداية كل عام، تتكرر طقوس كتابة الأهداف بوصفها مدخلاً غير معلن إلى العام الجديد. قوائم طويلة تكتب بحماسة، من القراءة والسفر إلى تحسين الصحة، وكأنها شرط للدخول الصحيح إلى عام جديد، وبين من يجد فيها أداة تنظيم، ومن يشعر بثقلها منذ اليوم الأول، تبقى الأهداف معلقة بين التحفيز والضغط النفسي.
مع أول نهار في العام الجديد، لا يشعر الجميع بالحماسة نفسها، على العكس، يتسلل الى كثر شعور غامض بالقلق، ثقل غير مبرر، أو خوف بلا سبب واضح. لا حدث سيئاً وقع، ولا خسارة جديدة سجلت، لكن مجرد دخول عام جديد يكفي لإثارة اضطراب داخلي صامت. هذا الشعور ليس وهماً فردياً، بل ظاهرة نفسية مدروسة تربط بين قلق التوقعات والإنجاز وقلق بداية العام، قبل أن تنتهي عند ما يسميه ضغط الإنجاز ومزاج العطلات.
عندما يصبح المستقبل سؤالاً ضاغطاً
في علم النفس، يرتبط الزمن عادة بالشعور بالأمان. الأيام المتشابهة تطمئن العقل، أما "البدايات الكبرى" فتفعل العكس. بداية العام تمثل وحدة زمنية كاملة، مفتوحة على الاحتمالات، ومشحونة برسائل ثقافية واجتماعية، وعادة ما يأمل فيه الشخص بنسخة أفضل.
هذا القلق لا يولد من فراغ، بل يتغذى على فكرة راسخة في الثقافة الحديثة مفادها أن قيمة الإنسان تقاس بما ينجزه لا بما يعيشه.
ومع بداية كل عام، يتحول العام الجديد إلى منصة جماعية للمقارنة، إذ تمتلئ المساحات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي بقوائم الأهداف، وخطط خمسية شخصية، ووعود بالتغيير الجذري، بعضها يتجاوز حدود المنطق والقدرة البشرية. فجأة، لا يعود الزمن مجرد أيام متتالية، بل يصبح معياراً للحكم: من تقدم، من تأخر، ومن بقي مكانه.
في هذا المناخ لا يشعر الفرد بأنه يبدأ عاماً جديداً، بل يدخل سباقاً غير معلن، حتى لو لم يكن يرغب في المشاركة فيه. تظهر الأهداف وكأنها وصفة واحدة صالحة للجميع: قراءة 100 كتاب في عام واحد، تعلم لغة إضافية خلال أشهر قليلة، التزام نمط حياة صحي صارم يؤدي إلى إنقاص الوزن وتغيير الجسد كلياً. أهداف تتحول من رغبات شخصية إلى معايير عامة للنجاح، تتداول بوصفها إنجازات طبيعية وممكنة للجميع، من دون اعتبار لاختلاف الظروف أو الطاقة أو حتى الرغبة الحقيقية.
تشير أبحاث في علم النفس المعرفي إلى أن هذا النوع من الرسائل يخلق ما يعرف بـ"ضغط التوقعات"، إذ يشعر الفرد أن عليه إثبات شيء لمجرد أن التقويم تغير. دراسة نشرتها جامعة سكرانتون الأميركية حول قرارات العام الجديد أظهرت أن أكثر من 80 في المئة من الناس يفشلون في تحقيق قراراتهم خلال الأسابيع الأولى، وهو ما يعزز الشعور بالقلق حتى قبل بدء المحاولة .
القلق هنا لا يتعلق بما سيحدث فعلاً، بل بما يفترض أن يحدث. سؤال بسيط يتحول إلى عبء نفسي مثل التساؤل يتجول في دماغ الإنسان، ماذا لو مر العام ولم يتحقق شيء؟
قلق الإنجاز
تقارير نفسية تشير إلى أن هذا النوع من المقارنة المرتبطة بالإنجاز الزمني يرفع مستويات القلق بصورة ملحوظة، خصوصاً لدى من يعيشون ضغوطاً مهنية أو مالية مسبقة. الفترات الانتقالية الكبرى، مثل بداية العام، لا تحفز العمل بقدر ما تضاعف التفكير الاجتراري حول ما لم يتحقق، وحول الفرص التي يعتقد الشخص أنه أهدرها.
وبدلاً من أن يكون العام الجديد مساحة مفتوحة للتجربة، يتحول إلى مرآة قاسية تعكس الفجوة بين الحياة كما يتخيلها الإنسان، والحياة كما يعيشها فعلياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذه اللحظة يصبح الإنجاز عبئاً نفسياً لا هدفاً. يشعر كثر بأنهم مطالبون بإثبات شيء ما، لا لأنهم يريدون ذلك، بل لأن التقويم تغيّر، ولأن العالم من حولهم يبدو وكأنه يتحرك بسرعة أكبر مما يستطيعون مجاراته، وهكذا يتسلل قلق الإنجاز بهدوء، لا كخوف من الفشل فقط، بل كخوف أعمق من أن يمر عام آخر من دون أن يشعر الإنسان بأنه كان كافياً.
وتدعم هذا المسار نتائج دراسة عربية بعنوان "الضغوط النفسية المدركة وعلاقتها بدافعية الإنجاز والتوافق الأكاديمي" تناولت الضغوط النفسية وعلاقتها بدافعية الإنجاز لدى طلاب الجامعة، ونشرتها جهة بحثية متخصصة في النشر الأكاديمي العربي.
خلصت الدراسة إلى وجود علاقة عكسية واضحة بين مستوى الضغوط النفسية ودافعية الإنجاز، إذ كلما ارتفع الضغط، تراجعت القدرة على الاستمرار في السعي نحو الأهداف. اللافت أن الضغط، وفق نتائج البحث، لا يعمل دائماً بوصفه محفزاً، بل يتحول في كثير من الحالات إلى عامل إعاقة، يضعف الدافعية الذاتية ويزيد من مشاعر القلق أو الإحباط، خصوصاً عندما تكون الأهداف أكبر من الإمكانات المتاحة أو غير منسجمة مع الظروف الواقعية للفرد.
وتقدم هذه النتائج تفسيراً علمياً لكيف يمكن لقوائم الأهداف، حين تكتب بصيغة مرهقة أو غير واقعية، أن تفقد وظيفتها التحفيزية، وتتحول من أداة تنظيم إلى مصدر ضغط نفسي إضافي، يثقل التجربة بدلاً من أن يدفعها إلى الأمام.
متى تكون قائمة الأهداف مفيدة فعلاً؟
تكون قائمة الأهداف مفيدة فعلاً عندما تكتب بوصفها أداة تنظيم مرنة، لا التزاماً زمنياً صارماً ولا مقياساً للقيمة الذاتية. هذا ما تذهب إليه أبحاث نفسية عدة في مجال الدافعية وتنظيم السلوك، تميز بوضوح بين القوائم التي تدعم الاستمرارية وتلك التي تتحول إلى مصدر ضغط نفسي. دراسات مستندة إلى نظرية التحديد الذاتي في علم النفس تشير إلى أن الأهداف تكون أكثر فاعلية عندما ترتبط بدوافع داخلية وسلوكيات قابلة للممارسة اليومية، لا بنتائج نهائية كبيرة يصعب التحكم فيها.
الهدف، وفق هذه المقاربة، ليس "إنجاز التحول"، بل تبني سلوك يمكن تكراره وتعديله مع الوقت، مما يعزز الشعور بالكفاءة والاستقلالية، وهما عاملان أساسان في الحفاظ على الدافعية.
في المقابل، تحذر أبحاث أخرى من القوائم الطويلة والمثالية، خصوصاً تلك التي تكتب تحت ضغط المقارنة أو بدافع الشعور بأن "العام الجديد يتطلب ذلك".
وتدعم هذا التوجه دراسة سلوكية أجرتها الباحثة الأميركية في علم النفس السلوكي غايل ماثيوز من جامعة دومينيكان في كاليفورنيا، تناولت أثر كتابة الأهداف وآليات المتابعة على فرص تحقيقها.
وخلصت الدراسة إلى أن كتابة الأهداف لا تكون فعالة بذاتها، بل عندما تصاغ بصورة محددة وقابلة للمتابعة، ويصاحبها قدر من المرونة والمساءلة. في المقابل، أظهرت النتائج أن الأهداف العامة أو المثالية، حين تكتب من دون آليات واضحة أو مساحة للتعديل، قد تفقد وظيفتها التحفيزية، وتتحول مع الوقت إلى عبء نفسي بدل أن تكون دافعاً للإنجاز.