ملخص
محطات سياسية متعاقبة ولحظات فارقة من تاريخ مصر شهدها مبنى البرلمان الواقع في وسط القاهرة الذي أُخلي أخيراً للانتقال إلى مقر جديد في العاصمة الإدارية
خلال الأيام الأخيرة أعلن رسمياً الانتقال الكامل لمبنى مجلس النواب المصري الجديد الواقع داخل العاصمة الإدارية (شرق القاهرة) وإغلاق المبنى القائم بوسط القاهرة في شارع مجلس الشعب، الذي ظل رمزاً للحياة النيابية في مصر طوال أكثر من قرن.
مبنى مجلس النواب هو أحد المباني التاريخية العريقة، التي تضمها القاهرة الخديوية، وشُيد على طراز جمع بين الأساليب المعمارية الأوروبية أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20 وبين التأثيرات الإسلامية في العمارة والفنون، ويتكون التصميم المعماري للمبنى من قاعة رئيسة مستديرة يبلغ قطرها 22 متراً وارتفاعها 30 متراً تعلوها القبة الشهيرة للمجلس، وملحق بالقاعة عدة أجنحة منها البهو الفرعوني، واستراحة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وإلى جانب القيمة المعمارية والفنية للمبنى فهو يمثل شاهداً على تاريخ الحياة النيابية في مصر، وعلى كثير من اللحظات الفارقة في عمر البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدايات وجود حياة برلمانية في مصر خلال العصر الحديث جاءت أثناء عهد محمد علي باشا، إذ كان المجلس العالي هو الخطوة الأولى نحو إنشاء حياة نيابية داخل البلاد، فعلى رغم أنه كان صورة مبسطة لمفهوم البرلمان الذي سيتطور لاحقاً فإنه اعتبر خطوة أولى على الطريق، ومع تطور التجربة شهدت مصر تدشين أول برلمان بالمفهوم الحديث داخل منطقة الشرق الأوسط منذ نحو 160 عاماً.
بين التدشين والإلغاء
يقول أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة محمد عفيفي "مصر من أوائل الدول التي كان لديها نظام برلماني متطور، أول برلمان كان عام 1866 في عهد الخديوي إسماعيل، ويلاحظ تغير اسم البرلمان أكثر من مرة، فكان اسمه مجلس شورى النواب في البداية، ومع الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882 ألغى الإنجليز هذا المجلس، وبعد ثورة 1919 عاد دور المجلس بصورة مختلفة، إذ كان بنظام الغرفتين مجلس للنواب وآخر للشيوخ، وبعدما قامت ثورة يوليو (تموز) 1952 كان البرلمان معلقاً منذ أحداث حريق القاهرة وألغت الثورة الأحزاب، لكنها أعادت الحياة النيابية عام 1957 من خلال الحزب الواحد، وأطلق عليه حينها اسم مجلس الأمة، وسيستمر هذا الاسم حتى عصر السادات الذي سيغير اسمه إلى مجلس الشعب، وسينشئ في أواخر أيامه مجلس الشورى لتعود فكرة الغرفتين".
يضيف عفيفي "في بداية إنشائه جرى اختيار هذا الموقع ليكون قرب قصر عابدين مقر الحكم في هذا الوقت، وكان موقعه في وسط البلد بجوار مجلس الوزراء، وكثير من مقار الوزارات، حتى إنه أحياناً كان يتوجه بعض الوزراء إلى المجلس سيراً على الأقدام، إذا كان مطلوب حضورهم إحدى الجلسات، وعلى مدار الأعوام حضرت قامات كبيرة جلسات البرلمان من سياسيين وشخصيات عامة، فمثلاً قد لا يعرف بعض أن العقاد كان عضواً في البرلمان، وله خطبة شهيرة قال فيها إن البرلمان صوته أعلى من أي مسؤول، وأنه كان مقراً للمعارضة، فكثير من المعارضين ألقوا فيه كلمات مهمة في عصور متلاحقة، وفي الوقت نفسه دائماً ما كان مقر البرلمان وجهة للتظاهرات في كل العصور باعتبار أنه يمثل رأي الشعب".
لحظات فارقة
على مدار أكثر من قرن من تاريخ مصر الحديث شهدت البلاد عدداً من الأحداث واللحظات الفارقة التي كان مبنى البرلمان المصري شاهداً عليها، سواء بخطابات مهمة للزعماء أو بجلسات شهدت أحداث مفصلية أثرت في مسار التاريخ المصري.
يقول عفيفي "من المشاهد المهمة خطابات العرش التي كان يلقيها الملك في البرلمان، وتشهد تولية الوزارة وكان الملك يخرج من قصر عابدين في موكب حتى يصل إلى البرلمان، ومن الحوادث الفارقة ما حدث في عام 1930 عندما ألغى صدقي باشا رئيس الوزراء حينها دستور 1923، وأمر بإغلاق الأبواب بالجنازير وتدفقت التظاهرات من النواب نحو المجلس، ليأمر رئيس البرلمان حينها ويصا واصف بكسر السلاسل الحديدية واقتحام البرلمان، من اللحظات المفصلية أيضاً عندما ألغى مصطفى النحاس معاهدة 1936، وكان لا بد أن يوافق البرلمان على إلغائها، من المشاهد أيضاً في عهد عبدالناصر اجتماع البرلمان خلال اليوم الثاني لإعلانه التنحي لرفضه وتجديد الثقة في الرئيس المصري".
يتابع أستاذ التاريخ "شهد عصر السادات أكثر من لحظة فارقة كانت بدايتها الخطاب الذي ألقاه بعد وفاة جمال عبدالنصر، وبداية توليه الحكم، وخطاب الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) 1973 مع الحرب الذي يعرف بخطاب النصر، وكان يرتدي فيه الزي العسكري باعتبار أن الحرب كانت لا تزال قائمة، ومن أشهر خطابات السادات في البرلمان الخطاب الذي أعلن فيه عن استعداده للذهاب إلى إسرائيل، فكان له صدى كبير سواء على المستوى الدولي أو الشعبي، ومن أشهر خطابات السادات أيضاً خطابه الأخير في المجلس عام 1981 بعد أحداث الخامس من سبتمبر (أيلول) التي تضمنت حملة اعتقالات واسعة وإشارته حينها إلى الفتنة الطائفية".
بعد رحيل السادات، حلف الرئيس مبارك اليمين الدستورية رئيساً للبلاد في مجلس الشعب، وتناولت خطابات مبارك داخل البرلمان موضوعات متعددة على رأسها الإصلاح الاقتصادي وتحرير طابا خلال الثمانينيات، ومن الخطابات الشهيرة لمبارك خطابه عقب انتخابات برلمان 2010 وهو البرلمان الأخير في عهد مبارك حينما قال مقولته الشهيرة عن المعارضة "خليهم يتسلوا"، ليعقبه بأشهر إطاحة النظام ويرحل مبارك عن الحكم بعد تنحيه مع أحداث ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ويُحل هذا البرلمان بعد أشهر من انعقاده.
ومن اللحظات المشهودة في عهد الرئيس مبارك عندما تعرض للإغماء داخل المجلس عام 2003 ليُقطع الإرسال عن البث التلفزيوني حتى عاد انعقاد الجلسة بعد نحو 45 دقيقة، ولا يمكن تجاهل برلمان 2005 الذي جاء بعد واحدة من أعنف الانتخابات في تاريخ المجلس التي فاز فيها حينها 88 عضواً من جماعة "الإخوان المسلمين" شكلوا كتلة كبيرة، ومن المواقف التي أثارت رد فعل كبير في المجتمع في نفس المجلس هو ما حدث عام 2006 عندما رفع النائب الراحل طلعت السادات الحذاء في وجه المهندس أحمد عز أمين السياسات بالحزب الوطني حينها.
وفي أول برلمان بعد رحيل الرئيس مبارك عام 2011 سيطرت جماعات الإسلام السياسي على برلمان 2012، إذ فاز حزب الحرية والعدالة الذي أنشأته "الإخوان المسلمين" حينها بـ213 مقعداً، وفاز تحالف الأحزاب السلفية بنحو 123 مقعداً من إجمال 498 مقعداً في البرلمان، أي إنهم سيطروا على أكثر من نصف البرلمان، ومن المشاهد الغريبة التي يذكرها الناس قيام أحد أعضاء الإخوان برفع الأذان داخل القاعة أثناء سير المناقشات.
رؤساء وملوك في مبنى البرلمان
توافد ملوك ورؤساء على مجلس النواب ضمن مناسبات مختلفة، فخلال عام 1966 ذهب الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى مجلس الأمة المصري وألقى خطاباً أشار فيه إلى عمق العلاقات المصرية - الجزائرية، وحضر ياسر عرفات بصفته رئيس منظمة التحرير الفلسطينية لجلسة مجلس الشعب التاريخية التي أعلن فيها الرئيس السادات استعداده للذهاب إلى إسرائيل.
وخلال عام 1974 حضر الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي جلسة لتكريم بعض قادة حرب أكتوبر، وبعد توقيع اتفاق السلام ألقى الرئيس الأميركي جيمي كارتر خطاباً في البرلمان المصري، وخلال عام 1981 حضر الرئيس السوداني جعفر نميري حلف مبارك اليمين الدستورية أمام مجلس الشعب بعد اغتيال السادات.
وخلال عام 1986 ألقى الرئيس الصيني شيان نيان خطاباً في البرلمان المصري خلال زيارته الأولى للقاهرة، وخلال عام 2016 حضر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لمجلس النواب المصري بصحبة الرئيس السيسي، وألقي خطاباً أمام المجلس.
بالتواكب مع إنشاء مجلس النواب الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة والإجراءات الأخيرة للنقل الكامل للبرلمان من وسط القاهرة إلى الموقع الجديد، أُثيرت التساؤلات عن الخطط المستقبلية لهذا المبنى العريق الذي كان شاهداً على الحياة البرلمانية المصرية منذ بداياتها، وارتفعت كثير من الأصوات بمقترحات متعددة لاستغلال المبنى والحفاظ عليه، وكان من بينها أن يسجل أثراً باعتبار أنه مر عليه أكثر من 100 عام ويمثل قيمة فريدة سواء من الناحية المعمارية أو من جانب القيمة التاريخية الكبيرة لهذا المبنى على مر الأعوام والأحداث وأنظمة الحكم.
يضم مبنى البرلمان بالفعل متحفاً مكوناً من قاعتين، الأولى تضم معروضات ونماذج من عصور مختلفة من الفرعونية للإسلامية مروراً بالعصر الحديث، مثل نماذج من التشريعات والقوانين التي كانت معتمدة خلال هذه العصور وصور لرسائل ومخطوطات لحكام مصر من عصور مختلفة، إضافة إلى صور نادرة لرؤساء المجلس.
وتضم القاعة الثانية مقتنيات نادرة مثل كرسي العرش الذي كان يتصدر قاعة المجلس والعربة الملكية التي كانت تقل الملك في طريقه للبرلمان، وزي التشريفة خلال الحقبة الملكية ومجموعات من الوثائق والمستندات المهمة، إضافة إلى تماثيل ولوحات وصور لحكام مصر.
وحول مستقبل مبنى البرلمان في وسط القاهرة، يرى أستاذ التاريخ الحديث محمد عفيفي أن "إذا جرى إغلاق هذا المبنى وتركه بلا استغلال فمع مرور الزمن سينسى الناس أهميته وتاريخه، ولن تعرف الأجيال القادمة شيئاً عن طبيعته والدور الذي كان منوطاً به خلال يوم من الأيام. هذا المكان يمثل جزءاً من تاريخ مصر الحي في العصر الحديث، باعتباره شاهداً على زعماء وأحداث وانتصارات وهزائم ونظم حكم مختلفة، هذا إلى جانب طرازه المعماري الفريد".
ويتصوّر عفيفي أنه يمكن أن يُقام في مقر مجلس الشعب متحف يعكس تاريخ منطقة وسط البلد بكاملها سواء المعماري أو التاريخي، ويضم جزء منه تاريخ الحياة النيابية والبرلمانية، وبالجمع بين عرض جانب من الوثائق والمقتنيات القديمة الموجودة بالفعل داخل المتحف ودمج التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي سيحافظ هذا على قيمة المبنى ويحوله إلى نقطة جذب في وسط القاهرة.