Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين المرتاب لن يكون يوما صانع السلام

الرئيس الروسي يرى في صراع متناسل من غير قاع أفضل وسيلة للسيطرة على زمام المبادرة إذ يخشى الانتصار على أوكرانيا على قدر خشيته من الهزيمة

"يبدو أن دونالد ترمب يفترض أن فلاديمير بوتين يرغب في التباهي بكونه صانع سلام منتصراً، لكن السلام ربما يمثل تهديداً بالنسبة إلى بوتين ونظامه" (أ ب)

ملخص

بوتين يرى أن استمرار الحرب أفضل ضمان لبقاء نظامه، إذ يعد السلام حتى لو كان انتصاراً تهديداً لاستقرار السلطة ومدخلاً لتوترات داخلية، لذلك يسعى إلى إبقاء الصراع مفتوحاً مع الحفاظ على دعم ترمب من دون منح الأخير فضلاً في صنع السلام.

لم يكد دونالد ترمب ينهي مؤتمره الصحافي مع الرئيس الأوكراني في فلوريدا، الذي أكد خلاله مراراً أن فلاديمير بوتين يريد السلام، حتى أعلن الكرملين محاولة غادرة لاغتيال الرئيس الروسي داخل مقر إقامته الرسمي.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف باستهداف مقر إقامة بوتين في فالداي بواسطة 91 طائرة مسيرة، مشيراً إلى أن موسكو ستعدل موقفها في المفاوضات نتيجة لذلك. ولم يقدم أي دليل على هذا الادعاء.

ولم يتضح السبب الذي قد يدفع بفولوديمير زيلينسكي إلى اختيار هذا التوقيت بالذات لتقويض خطة السلام التي طرحها ترمب وإثارة غضب واشنطن ضده. لكن ما يبدو أكثر وضوحاً هو افتقار الزعيم الروسي للحماسة في إنهاء الحرب الآن.

ولن يرضي بوتين انتصار محدود بوساطة أميركية، بل قد يعد إهانة أن يترك لترمب فرصة اقتناص المجد، وهو بلا شك سيفعل ذلك. لكن الأهم أن الغرب يغفل حقيقة أن السلام، حتى لو جاء في صورة انتصار، يحمل في طياته أخطاراً على حكام روسيا.

كثيراً ما يضع بوتين نظامه في سياق تاريخي أطول من مجرد الحقبة الشيوعية خلال القرن الـ20.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعونا نضع جانباً المطالبات الإقليمية "التاريخية" التي يستند إليها من عصر كاترين العظمى قبل 250 عاماً لتبرير الاستيلاء على "نوفوروسيا" (روسيا الجديدة) جنوب أوكرانيا الحديثة. ما يجب أن يقلقنا هو دروس الحرب، وبخاصة السلام، بالنسبة إلى نظامه اليوم من الماضي الروسي.

يميل الغرب إلى الاعتقاد أن السلام أمر جيد تلقائياً. وهو كذلك بالتأكيد، بالنسبة إلى الأشخاص العاديين- الذين يستخدمون كوقود للحرب. ولكن حتى سلام المنتصر يمكن أن يشكل تهديداً للحكام الاستبداديين.

يتذكر بوتين - المعروف بإسهابه في الحديث عن تاريخ بلاده - أنه بعد أكبر تقدم لروسيا باتجاه الغرب من خلال هزيمة نابليون والاستيلاء على باريس خلال عام 1814، واجه حكم القيصر ضغوطاً متزايدة من أجل تطبيق سياسة ليبرالية من قبل الضباط أنفسهم الذين أحرزوا ذلك الانتصار. كان الناس آنذاك، وربما الآن أيضاً، يعتقدون أن المجهود الحربي يبرر حصولهم على مكاسب سلام.

لكن وجهة نظر بوتين للتاريخ مختلفة. يصادف هذا الشهر الذكرى المئوية الثانية لثورة الديسمبريين [نسبة إلى شهر ديسمبر(كانون الأول)] التي قامت ضد القيصر نيقولا الأول عام 1825. لم يلق هذا التمرد الفاشل أي اهتمام يُذكر في روسيا بوتين. بينما خلال العهد السوفياتي، كان ضباط الجيش الذين تمردوا ضد الطاغية التقليدي من أسرة رومانوف يكرمون باعتبارهم أبطالاً ورواداً للثوار الذين قادهم لينين. وظهر فيلم حديث في عهد بوتين عن الديسمبريين يصورهم على أنهم كانوا مجرد متمردين أغبياء يخدمون مصالح الغرب المعادية لروسيا. يرى بوتين أن السياسة التحررية، وحتى بعد الانتصار، تعد خيانة تزعزع الاستقرار.

خلال عام 1945، افترض قدامى المحاربين في الجيش الأحمر الذين هزموا النازيين، ومن بينهم الملازم الشاب ألكسندر سولجنتسين [كاتب ومنشق سوفياتي حائز على جائزة نوبل للآداب]، أن ستالين سيقدر ولاءهم وتضحياتهم من أجل النظام السوفياتي ويخفف قبضته الحديدية على المجتمع. كان إبعاد سولجنتسين إلى معسكر العمل السوفياتي، الغولاغ، أحد الأمثلة العديدة على الطريقة التي أحكم بها ستالين سيطرته بعد هزيمة أعدائه الأجانب.

يبدو أن دونالد ترمب يفترض بأن فلاديمير بوتين يرغب في التباهي بكونه صانع سلام منتصراً، لكن السلام ربما يمثل تهديداً بالنسبة إلى بوتين ونظامه.

غالباً ما يخفي تركيزنا على بوتين شبكة كبار الشخصيات الأمنية والزعماء الإقليميين والأثرياء الروس الذين يساندون حربه على أوكرانيا وحكمه بصورة عامة، لأنهم يستفيدون منهما ويشاركونه رؤيته لدور روسيا في العالم.

الاستمرار في تصوير العالم كشبكة من الأعداء المتربصين بروسيا يعد بالنسبة إلى بوتين أداة أساس لضمان بقاء نظامه مستقراً، حتى بعدما يغادر الكرملين في نهاية المطاف.

صحيح أن روسيا شهدت بعد ستالين فترة انفتاح نسبي في عهد خروتشوف، لكن التبعات المدمرة للسياسة التحريرية تلك، إلى جانب سياسة الانفتاح "غلاسنوست" (الشفافية) الانتحارية التي انتهجها غورباتشوف، ما زالت تؤرق النخبة الروسية حتى اليوم. وعلى رغم أن بوتين ورفاقه تمكنوا من إعادة الإمساك بزمام الأمور بعد عقد من انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، فإنهم لا يرون في ذلك ما يبرر أي انفتاح جديد الآن أو في المستقبل القريب.

ما يسعى إليه بوتين اليوم هو تحقيق توازن دقيق: إبقاء دونالد ترمب شريكاً فعلياً في لعبة الجغرافيا السياسية، وخلال الوقت نفسه إحباط طموحاته في لعب دور صانع السلام الذي ينهي أسوأ حرب في العالم ويحصد جائزة نوبل. فمثل هذا السلام قد يطلق موجات من التوتر الاجتماعي داخل روسيا، وربما في أوكرانيا أيضاً، وإن كان بوتين لا يرى في زعزعة الاستقرار هناك مشكلة تذكر.

في نظر بوتين، الإبقاء على زمام المبادرة في حرب طويلة بلا نهاية ليس مجرد خيار، بل استراتيجية فعالة لضمان بقاء النظام الروسي.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء