ملخص
شكلت سيرة الزير سالم هاجساً مسرحياً متجدداً في لبنان، إذ تم استلهامها منذ أواخر القرن التاسع عشر لتعزيز الهوية العربية. وتنوعت معالجاتها بين التاريخي والرومانسي والتربوي، ثم عادت مع بداية القرن الـ 21 بقراءة حداثية توظف الأسطورة لمناقشة قضايا المرأة والحرية.
من يتتبع علاقة سيرة الزير سالم بالمسرح العربي يلفت انتباهه ولع الكُتَّاب الشوام وخاصة اللبنانيين باستلهام هذه السيرة مسرحياً، مما يثير التساؤل عن سر ذلك الولع. فقد استلهمت سيرة الزير سالم 41 مرة، مسرحياً، وربع هذه الاستلهامات كان في لبنان خاصة في نهايات القرن الـ 19 وبداية القرن العشرين. البداية كانت مع مسرحية "حرب البسوس" تأليف إسكندر ألعازار (1855 - 1916) المفقودة، والتي ورد في كتاب "ملامح المسرحية العربية الإسلامية" لعمر محمد الطالب، أنها كتبت عام 1869، فيما يذكر إميل بديع يعقوب في موسوعة "أدباء لبنان وشعراؤه" أنها كتبت عام 1870م أي أن ألعازار كتبها وهو بعمر 14 عاماً! وإسكندر ألعازار، أديب، وشاعر، وخطيب. وُلِدَ في بيروت، وتعلم في مدارسها، وكان من المناصرين للقضية العربية، ومن مؤلفاته رواية "من رام معاندة الأنثى فليأت لندمغ جبينه"، ومسرحيتي "مجاعة رومية"، و"من أشقى الأزواج"، وجمعت بعض مقالاته في كتاب "حواضر البيت".
الهوية العربية
والمسرحية الثانية، كانت لبنانية أيضاً، باسم "المهلهل"، إعداد مدرسة اليسوعيين، عام 1882. إذ دأبت المدارس اللبنانية في هذه الفترة على تقديم عروض مسرحية مقتبسة من حكاية المهلهل الواردة في سيرة الزير سالم، ومنها ما صنفه طلبة مدرسة البيان والخطابة باسم «رواية المهلهل»، كما مثَّل طلبة المدرسة البطريركية «رواية المهلهل بن ربيعة» احتفالًا بكيرلس الثامن بطريرك الروم الكاثوليك. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حرص الكثير من الرواد خاصة في بيروت على تعزيز الهوية العربية، وقد احتضنت المدارس المسيحية المسرح، ويوضح لويس شيخو في كتابه «تاريخ الآداب العربية»، أن تلك المدارس "أعادت لهذا الفن شرف مقامه بعدما ساءت سمعته عبر تشخيص الروايات التمثيلية العربية، فكانت تختار الوقائع الخطيرة ولا سيما الحوادث الشرقية ليرسخ في قلوب الطلاب حب الوطن، مع ذكر تواريخ بلدهم". وكان الطلاب يسهمون في تأليف هذه النصوص إلا أن أغلبها من تأليف قسيسين.
وقدّم اللبناني جرجس مرقس الرشيدي مسرحيته "التقاء المأنوس في حرب البسوس"، كثالث مسرحية في التاريخ العربي مقتبسة من سيرة الزير سالم، والأولى التي تصلنا مطبوعة، إذ نشرت عام 1897م، وتدور حول القصة التاريخية للصراع بين قبيلتي تغلب وبني بكر، وعرضت على تياترو أحمد أبي خليل القباني عام 1898م.
تتكون المسرحية من خمسة فصول، اعتمد المؤلف في بناء هيكلها الخارجي على الأحداث التاريخية المتعلقة بحرب البسوس. والمسرحية في جانب منها ذات طابع رومانسي إذ تستعرض قصة حب جمعت بين هجرس بن كليب وابنة خاله سُعدى بنت جساس بن مرة.
السيرة الشعبية
والمسرحية الرابعة جاءت بعنوان "ابن وائل" وكتبها شارل أبيلا اليسوعي عام 1912، متكئاً على ما ورد في "كتاب الأغاني" للأصفهاني، إلا أنه لم يلتزم بما جاء فيه بشكل صارم؛ بل أعمل خياله وغير من الوقائع التاريخية، فجعل من "المهلهل" نموذجاً للفارس العربي المغوار، وجعل "الجليلة" تتزوج من "الحارث بن عباد"، كما أنه أنهي المسرحية بعفو هجرس عن خاله جساس. وتتكون هذه المسرحية من ثلاثة فصول، ونشرت في مجلة "المشرق". يبدأ المؤلق المسرحية بمقدمة يلخص فيها ما جاء من روايات عن حرب البسوس في "كتاب الأغاني"، ثم يسرد المنهج الذي اتبعه في كتابتها: «غير أنه لما كان الرواة قد اختلفوا في هذه الحادثة فقد رأيت أن نتصرف فيها بما يوافق المقام التمثيلي!
وفي 1922 كتب عبد الله البستاني مسرحية "جسَّاس قاتل كليب/ حرب البسوس"، 1922، وللأسف هذا النص لم يطبع حتى الآن في كتاب. وفي عام 1923م قدَّم يوحنا طانيوس مسرحيته «كليب والمهلهل». ويشير يعقوب لانداو في كتابه «دراسات في المسرح والسينما عند العرب» أنها واحدة من عدد من المسرحيات التي كتبها يوحنا طوبی طانيوس عن فترة ما قبل الإسلام ونشرت في مجلة "المشرق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي عام 1926 قدَّم إلياس الشالوحي مسرحية "الزير أبو ليلى المهلهل". ويذكر نبيل أبو مراد في كتابه «المسرح اللبناني في القرن العشرين» أنها من ضمن المسرحيات التي قدمت في قرى شمال لبنان، حيث «كفر عقا» التي نال فيها المسرح اهتمامًا ملحوظًا من الأهالي هناك، وذلك منذ العشرينيات بسبب وجود فريق من الشباب يهوى التمثيل. ومن أولى المسرحيات التي قدمت بها مسرحية «الزير أبو ليلى المهلهل» من تأليف المعلم إلياس الشالوحي وعرضت في بيت وديع مطر سنة 1926م، وكان من ممثليها إسكندر شحادة ديب في دور جليلة، جرجس خليل مطر بدور الزير، وشحادة خليل جبور في دور جساس، وعطية وهبة مطر في دور كليب، وأعيد تمثيلها مرة أخرى في عام 1937م في دير مار لوقا.
عودة بعد انقطاع
وبعد هذه المسرحية توقف المسرح اللبناني لعقود عن استلهام سيرة الزير سالم حتى عام 2008 بظهور مسرحية «الزير سالم والدكتور فاوست»،لشكيب خوري، وتعد هذه المسرحية الأولى اللبنانية التي تستحضر الزير سالم بعد انقطاع دام لأكثر من 80 عامًا. كُتبت عام 2005، وقدمت في 2008. تدور أحداثها حين يقرر فاوست جوته الرجوع بالزمن ألف عام لزيارة الزير سالم فيمنح إذنًا بالخروج من الجحيم مدته 24 ساعة فقط لا غير ليتم هذت اللقاء. ويقدم العرض رؤية جديدة لأفكار الزير سالم بأنه كان يريد إعطاء المرأة حقوقها؛ لكن العادات والتقاليد تمنعه من إعلان ثورته. ويركز العمل على إبراز القواسم المشتركة بين الزير سالم والدكتور فاوست، وتكشف المسرحية في نهايتها أن الشخصيتين في الواقع هما مجرد رجل وزوجته من لبنان، حيث تدور أحداث القصة داخل عقليهما أثناء الحلم، ويتناقشان حول صراع المرأة من أجل حقوقها.