ملخص
درجت العادة أن تتحول المسرحيات والروايات الأدبية إلى مسلسلات أو أفلام، وقد عمل مخرجون أجانب وعرب على تحويل كثير منها إلى ساعات تلفزيونية، فمن ينسى مسرحيات "روميو وجولييت" و"هاملت" و"عطيل" لويليام شكسبير التي تحولت إلى روائع للشاشتين الذهبية والفضية. وكيف أمست "ثلاثية" نجيب محفوظ الشهيرة أيقونة من أيقونات الدراما المصرية. اليوم في سوريا يحدث العكس، فقد تحول مسلسل "الزير سالم" إلى مسرحية بالعنوان نفسه من تأليف عثمان جحا وإخراج (وبطولة) سلوم حداد، فيما أعلنت شركة "بيراميدز" نيتها تحويل مسلسل "باب الحارة" إلى مسرحية كوميدية ستعرض قريباً على مسرح دار أوبرا دمشق.
لم تكن المسلسلات السورية استثناء في هذا المجال، إذ كانت هناك نية منذ عام 2021 لتحويل مسلسل الفانتازيا التاريخي "صراع العروش" إلى مسرحية غنائية مقتبسة من العمل الذي امتد عرضه على ثمانية مواسم عبر الشبكة الأميركية "أتش بي أو" (هوم بوكس أوفيس)، فيما قام عبدالحميد بوشناق مخرج مسلسل "رفّوج" التونسي بتحويل عمله إلى عرض مسرحي بالعنوان نفسه قدم عام 2024 على مسرح قرطاج الأثري، وكذلك الأمر قام الفنان محمد سعيد بتحويل المسلسل الإماراتي "إشحفان" إلى مسرحية بعنوان "عائلة إشحفان" بعد مرور قرابة 50 عاماً على إنتاج هذا العمل التلفزيوني الأشهر في ذاكرة المشاهد الخليجي.
وعلى رغم أن الأعمال التلفزيونية الناجحة توفر جمهوراً مضموناً للعروض المسرحية المقتبسة منها، فإن هذا يتطلب مواكبة للشرط الفني الذي يختص به العرض المسرحي عنه في العمل التلفزيوني. وأول هذه الشروط هو الزمن الفني الذي يصل في العمل المقدم للشاشة الصغيرة إلى 30 ساعة تلفزيونية، ويتضمن كثيراً من الحشو والاستطالات في الحبكة بغية التشويق وتوضيح مسار كل شخصية من شخصيات العمل، مما لا يتوافر في عرض مسرحي ربما لن يتعدى ساعة أو ساعتين من الزمن على أبعد تقدير، مما يتطلب كتابة بنية درامية مختزلة ومكثفة للخشبة تعتمد الحوار الدرامي كأحد أبرز أدوات العرض المسرحي للتعريف بالشخصيات وماضي كل منها، ناهيك عن رواية القصة وتطوير الأحداث نحو صراع درامي متصاعد في كل لحظة من لحظات العمل المسرحي.
سيرة شعبية
يبدو من نافل القول إن العرض السوري اعتمد على نص مسرحي، فالجميع يعرف أن "الزير سالم" كسيرة شعبية كان أول من نقلها إلى الخشبة هو الكاتب المصري ألفريد فرج (1929- 2005)، ولو أراد القائمون على العرض السوري تقديم بنية مسرحية لكانوا اتكأوا على نص فرج، لكن ما حدث أنهم لخصوا أحداث العمل التلفزيوني، مكتفين بالجزء الذي يروي عودة الزير لمضارب قبيلته بغية الثأر، ومن ثم لقائه جساس (عابد فهد)، وما تضمن ذلك من قتل الزير لجبير ابن الحارث بن عباد (باسم ياخور)، ومشهد انتقام هذا الأخير من الزير والعفو عنه بعد أن أعطاه الأمان على حياته، مما يفتح الباب على أسئلة تتعلق بالبنية الدرامية، وعن كيفية تقديم معالجة فنية تفي بالشروط الفنية الخاصة بكل نوع من الأنواع الدرامية، مسلسل ومسرحية وفيلم.
وبعد مسرحة مسلسل "الزير سالم" يتابع فريق مسرحية "عودة باب الحارة" تدريباتهم اليوم على خشبة مسرح الخيام في دمشق، والعرض من تأليف مروان قاووق وإخراج صفوان نعمو، وبطولة كل من وائل زيدان وعلي كريم وأمية ملص وروبين عيسى ونزار أبو حجر وآخرين. وأعلن القائمون على العرض الشامي أنهم بصدد إعادة مجد المسرح التجاري السوري، وهو في مجمله مسرح ترفيهي انتشر خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وكان أبرز نجومه الأخوان قنوع ومحمود جبر وياسين بقوش وغادة بشور. وبينما اكتفى صناع مسرحية "الزير سالم" بإعداد مشاهد مكثفة من المسلسل برؤية بصرية لافتة (سينوغرافيا أدهم سفر)، يشتغل فريق عرض "عودة باب الحارة" على تصنيع مفارقات كوميدية، إذ يروي حكاية شخصيات من المسلسل نراهم في الزمن الراهن كيف يعودون عبر تقنية المصباح السحري لعشرينيات القرن الماضي، وكيف تكون صدمتهم مع منجزات الحداثة عام 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويغيب عن مسرحية "عودة باب الحارة" أبرز نجوم الأجزاء الـ10 الأولى من المسلسل، وهم عباس النوري وبسام كوسا وسامر المصري، إضافة إلى كل من صباح الجزائري وميلاد يوسف ومحمد خير الجراح ومصطفى الخاني وشكران مرتجى، فيما استقر خيار الجهة المنتجة للعرض على نجوم الجزء الــ14، مما يطرح تساؤلات عن إمكان تحقيق شعار العرض "إضحك من قلبك"، فالمعروف أن مسلسل البيئة الشامية لم يكُن ذا قالب كوميدي، بل اعتمد على قالب الميلودراما مع بعض القفشات الكوميدية. وإعلان المشتغلين في "عودة باب الحارة" عن نيتهم الإضحاك أعاد للذاكرة تجارب اختصت بها فرقة "مسرح دبابيس" التي كانت تعوّل عل التهريج والمساخر الشعبية لتقديم عروضها، مضيفة وصلات الرقص الشرقي إلى برنامجها الفني، من أجل جذب شرائح واسعة من المتفرجين وتحقيق عائدات مالية مرتفعة عبر شباك التذاكر.
والمفارقة أن المسرح التجاري السوري عاد للازدهار في ظل غياب شبه تام لعروض المسرح القومي، وتجميد وزارة الثقافة لأنشطة هذا المسرح في العاصمة والمدن السورية منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، إذ قدمت فرقة المسرح القومي منذ تأسيسها عام 1959 عشرات العروض المأخوذة عن نصوص من المسرح العالمي، ولمعت فيها أسماء مؤلفين ومخرجين وممثلين يعدون من أبرز الأسماء في المسرح العربي، ومن بينهم سعد الله ونوس وفواز الساجر وأسعد فضة ونهاد قلعي ورفيق الصبان وشريف خازندار ومنى واصف والشقيقتان ثناء وثراء دبسي، ويخيم الصمت على فعاليات المسارح السورية القومية من دون أي توضيح من وزارة الثقافة عن أسباب هذا الجمود، فيما يتنادى مسرحيون سوريون اليوم لإعادة إطلاق كل من مهرجاني حلب وحمص المسرحيين في غياب أي دعم يذكر من نقابة الفنانين.
وأعلن كثير من الفنانين السوريين الشروع بالتدريبات على عروض تنتمي إلى المسرح التجاري، ومن بينها عرض "ولادة مبكرة" تأليف وإخراج وبطولة أيمن زيدان، مع سوزان نجم الدين ومحمد حداقي، وهناك عرض بعنوان "عرس مطنطن" لمؤلفه ممدوح حمادة ومخرجه عروة العربي وبطولة قصي خولي ونور علي ونادين تحسين بك ووسام رضا، كما يقوم عروة العربي بإخراج عرض تجاري آخر بعنوان "سمن على عسل" عن نص من تأليف مازن طه وبطولة كل من أيمن رضا وجومانا مراد ومعتصم النهار.