ملخص
حين يطلق المشهور ماركته الخاصة، فهو يراهن على اسمه كعملة اقتصادية، وأن النجاح لا يأتي من الشهرة وحدها، بل من القدرة على تحويل الهوية إلى مشروع متماسك يعيش حتى خارج الأضواء.
أشعلت الصورة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يقدم عطره إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، منصات التواصل الاجتماعي والتعليقات بين استهجان وإعجاب، والتحليلات للخطوة خلف تلك المبادرة من الرئيس الأميركي. وعالمياً، لم تقرأ كلقطة بروتوكولية عابرة، بل كرسالة مركبة، في عالم تدار فيه السياسة بالرموز بقدر ما تدار بالقرارات، وتحولت زجاجة العطر إلى أسئلة، هل نحن أمام إشارة سياسية محسوبة؟ أم أمام واحدة من حركات ترمب المدروسة لجذب الانتباه وتصدر المشهد؟
الضجة التي أثارتها الصورة لم تنبع من الهدية بحد ذاتها، بل من اجتماع عناصر غير مألوفة في لحظة واحدة، رئيس أميركي معروف بتحويل ذاته إلى علامة تجارية، ورئيس سوري مثير للجدل في مرحلة انتقالية من تاريخ بلاده والمنطقة أيضاً، ومنتج استهلاكي يستخدم كوسيط سياسي وبصري.
هنا تداخلت الشعبوية مع التسويق، والدبلوماسية مع الاستعراض، مما فتح الباب أمام قراءات تتجاوز البروتوكول إلى سؤال أعمق، هل كان العطر رسالة انفتاح ناعمة؟ أم اختباراً للرأي العام؟ أم إعادة إنتاج لأسلوب ترمب القائم على كسر القواعد وإرباك الخصوم عبر الصورة قبل الموقف؟
ما قصة عطور ترمب؟
بعيداً من التحليل السياسي، كشف مقطع الفيديو الذي جمع الرئيس الأميركي مع نظيره السوري عن الترحيب الخاص، وقال ترمب وهو يزيل الغطاء الذهبي لزجاجة العطر الخاصة به، "هذا عطر رجالي، إنه أفضل عطر"، قبل أن يرش منه على الشرع ويشير إلى أن هناك زجاجة ثانية مخصصة لزوجته، وذلك الفيديو فتح باب التساؤل عن نوع العطر الذي يستخدمه ترمب.
يستخدم دونالد ترمب عطوره الخاصة التي تحمل اسمه وروج لها، وأحدثها عطر "النصر 45-47" Victory 45-47 الذي أطلقه العام الحالي كرمز للنجاح والقوة، وهو عطر فاخر يأتي في زجاجة ذهبية على شكل تمثال ويسوق لـ"الرجال والنساء الذين يحبون الفوز"، ويجمع بين نفحات الهيل والأخشاب العنبرية.
ويشير عطر "النصر" إلى فترتي رئاسة ترمب (الـ45 والـ47) وسعيه إلى العودة، ويرمز إلى الفوز والقوة والنجاح. أما سعره فليس بمتناول الجميع إذ يبلغ نحو 249 دولاراً للزجاجة.
أما عطر ترمب الآخر الذي يحمل اسم "فايت، فايت" Fight Fight، فيركز على القتال، بحسب ما يدل معناه.
وبالنسبة إلى "Donald Trump The Fragrance" عام 2004، فهو أول عطر له، وكان أكثر ابتكاراً ويجمع بين السوسن والأعشاب الحارة والفلفل، ولكنه لم يعُد متوافراً، كما تذكر تقارير.
لماذا تطلق شخصيات ناجحة ماركات خاصة بها؟
لم يعُد إطلاق رئيس دولة، أو نجم رياضي عالمي لمنتج يحمل اسمه مجرد نزوة تجارية أو محاولة لركوب موجة استهلاكية عابرة، بل ما نشهده اليوم هو تحول بنيوي في مفهوم القوة والنجاح، الاسم نفسه أصبح اقتصادياً قابلاً للتسييل والتوسع وإعادة التدوير خارج السياسة والملاعب. فعطر ترمب ليس حالة معزولة، بل مثالاً واضحاً على هذا التحول، منتج بسيط ورمزي، لكنه محمل بدلالات القوة والفوز والهيبة، وهو في جوهره ليس عطراً بقدر ما هو قطعة من هوية ترمب المثير للجدل.
في السابق، كان رجل الأعمال أو السياسي أو الرياضي يكتفي بعقود رعاية أو إعلانات، يظهر ويروج ويدفع له مقابل ذلك، لكن المنطق تغير اليوم لأن الأجر محدود زمنياً، أما الملكية فتعني دخلاً مستداماً وقيمة تراكمية وقدرة على التوسع إلى ما لا نهاية. وحين يطلق الشخص ماركة باسمه، فهو لا يبيع صورته فقط، بل يملكها اقتصادياً، ويصبح المنتج قناة دخل مستقلة، ويمكن توسيعه لاحقاً إلى خطوط جديدة، أي عطور وأزياء وعناية شخصية وأكسسوارات، أو حتى مكملات غذائية، أي إنها قفزة من اقتصاد الرعاية إلى اقتصاد المنظومة.
الميزة الأخطر التي يملكها الرؤساء والنافذون والرياضيون اليوم ليست المال، بل الجمهور لأن لديهم ملايين المتابعين، والولاء العاطفي والدخول اليومي عبر المنصات الرقمية، كلها تحولت إلى شبكة توزيع جاهزة قبل إطلاق أي منتج، مما يعني أن صاحب الاسم لا يبدأ من الصفر مثل أية شركة ناشئة، ولا يحتاج إلى إقناع السوق بوجوده، فالسوق تعرفه أصلاً.
لذلك فالإطلاق يتم خلال ساعات، والتسويق يحصل تلقائياً عبر الجدل، أو الإعجاب، أو حتى الرفض، وفي حالات كثيرة، مجرد الاستقطاب بحد ذاته، يصبح أداة بيع.
العطر كمنتج مثالي للسلطة والنجومية
ليست مصادفة أن يكون العطر من أكثر المنتجات التي يختارها الرؤساء ورجال الأعمال أو الرياضيين، فالعطر سلعة رمزية بامتياز وهو لا يشترى لوظيفته فقط، بل لما يمثله من حضور وجاذبية وقوة وأناقة أو انتماء.
ويسمح العطر ببيع "الشخصية" لا "التركيبة"، ويمكن تسويقه كإحساس بالفوز، أو كتجربة نجاح، أو كامتداد لأسلوب حياة معين، وهو في الوقت نفسه سهل التصنيع عبر الترخيص ولا يحتاج إلى بنية صناعية ضخمة ويمكن تسعيره بمرونة عالية.
وعليه، فإن إطلاق علامة تجارية شخصية هو أيضاً أداة للتحكم بالرواية، فالسياسي الذي يغادر المنصب ولا يريد أن يبقى أسير الأرشيف أو النقد، يعيد عبر منتج يحمل اسمه تقديم نفسه كما يريد، رجل حاسم وواثق وقيادي، أو حتى "أسطورة" شخصية. والأمر نفسه ينطبق على الرياضي بعد الاعتزال، فالماركة تصبح وسيلة للبقاء في الوعي العام، ليس كنجم سابق، بل كهوية مستمرة. والمنتج هنا يحفظ الحضور، ويعيد إنتاج الصورة بدلاً من أن تتآكل مع الزمن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بناء إرث بعد نهاية الدور الرسمي
وبما أن المنصب السياسي له نهاية، والمسيرة الرياضية لها عمر بيولوجي، تبقى العلامة التجارية بلا سقف زمني، ويمكن توريثها، أو بيعها، أو تحويلها إلى مؤسسة قائمة بذاتها. ولهذا يصف كثير من أصحاب هذه المشاريع منتجاتهم بأنها "إرث" وليست مشروعاً. ولا يقاس النجاح الحقيقي في هذه الحالة بعدد القطع المباعة فقط، بل بقدرة الاسم على التحول إلى علامة تعيش بعد صاحبها، أو في الأقل بعد ذروة حضوره.
ولكن لهذا المسار ثمناً، فالماركة الشخصية شديدة الحساسية لأية أزمة، وأية فضيحة، أو موقف سياسي، أو تراجع في الشعبية، مما ينعكس مباشرة على المنتج. كذلك، إذا شعر الجمهور بأن المشروع بلا روح أو أصالة، يتحول سريعاً إلى مادة سخرية. أيضاً قد يواجه المنتج خطر التشبع، خصوصاً في قطاعات مثل العطور والعناية الشخصية، فتتشابه المنتجات وتتنافس القصص أكثر من الجودة.
مشاهير باعوا "أسلوب حياة"
يُذكر أن رئيس ترمب لم يكتفِ بالعطور، بل أنشأ منظومة واسعة تحمل اسمه، فإضافة إلى العطور، أنتج ساعات وأزياء وعقارات ومنتجات ترخيص مختلفة، معتمداً على اسمه كرمز للقوة والنجاح ومحولاً الجدل السياسي إلى محرك للبيع.
أيضاً الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وبعد فترة الرئاسة، لم يطلق منتجات استهلاكية مباشرة، لكنه أسس علامة فكرية–إعلامية (Higher Ground) في الإنتاج الإعلامي، تُدار كماركة تحمل رؤيته وقيمه. وعام 2018 تعهد هو وزوجته ميشيل بإنتاج أفلام ومسلسلات ووثائقيات عبر صفقة مع منصة "نتفليكس" بهدف سرد قصص مؤثرة تسلط الضوء على أصوات متنوعة وتعزز التعاطف والفهم بين الناس، وأنتجت الشركة بالفعل أعمالاً بارزة مثل فيلم "أميركان فاكتوري" American Factory.
ومن الرياضيين، هناك لاعب كرة السلة الشهير الأميركي مايكل جوردان الذي تحول من لاعب إلى علامة تجارية عالمية مستقلة تشمل ملابس وأحذية رياضية، وتجاوزت مفهوم الرعاية لتصبح إمبراطورية أزياء وثقافة شبابية.
أيضاً لاعب كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو أطلق علامة متكاملة تشمل العطور والملابس الداخلية والأحذية والفنادق، ورونالدو بالمناسبة يبيع "أسلوب حياة" لا مجرد منتج عبر "بيستانا" التي لا تعد مجرد علامة تجارية فندقية، بل احتفاء بالحياة والطاقة الشبابية.
وانبثقت هذه العلامة من شراكة بين رجل أعمال برتغالي يدعى ديونيسيو بيستانا ورونالدو، وهي رائدة في كل مدينة تحل فيها. وكل فندق، مصمم للضيوف الباحثين عن أسلوب حياة نشط وجريء، بمثابة تكريم للثقافة المحلية في البرتغال.
ومن الرياضيين أيضاً، ليبرون جيمس الذي يعد من أعظم لاعبي كرة السلة في تاريخ اللعبة، وشارك في إنشاء منصات ومشاريع إعلامية وتجارية تحمل اسمه وتوجهه، مما جعله شريكاً لا واجهة.
ديفيد بيكهام نموذج متقدم في بناء الماركة الشخصية
لاعب كرة القدم البريطاني ديفيد بيكهام يعد نموذجاً متقدماً في بناء الماركة الشخصية بعد الاعتزال الرياضي، فأطلق علامات في العطور ونمط الحياة، أبرزها "هاوس 99" 99 House للعناية الرجالية، مستثمراً صورته كرمز للأناقة والانضباط والرجولة الحديثة.
ويمتلك إمبراطورية تجارية ضخمة تديرها شركته "دي بي فنتشرز" DB Ventures، وتتضمن شراكات وعلامات تجارية متنوعة في مجالات الموضة، كالشراكة التي وقعها مع شركة "بوس" BOSS، إضافة إلى استثمار في "استوديو 99" لإنتاج المحتوى، وباع أخيراً حصة كبيرة لـ"أوثنتيك براندز غروب" Authentic Brands Group، مما يعزز من أرباحه وتوسع علامته التجارية عالمياً.
بيكهام لم يبِع كرة القدم، بل باع التحول، من لاعب رياضي إلى رجل أعمال وأيقونة أسلوب حياة، بصفته مالك هوية وليس سفيراً لعلامات تجارية فقط.
وهناك كثر من الفنانين العالميين الذين دخلوا عالم إنتاج ماركات خاصة بهم، من بينهم على سبيل المثال المغنية الأميركية اللاتينية جنيفر لوبيز، وهي من أوائل النجمات اللواتي فهمن مبكراً قيمة الاسم كعلامة تجارية مستقلة. وأطلقت سلسلة عطور ناجحة منذ مطلع الألفية، قبل أن تعود بقوة عبر "جي لو بيوتي" J.Lo Beauty، فحولت صورتها المرتبطة بالجمال الدائم والعناية بالبشرة إلى مشروع تجاري متكامل، وهنا نجاحها لم يشمل فقط المنتج، بل قام على سردية الاستمرارية والتجدد، وكيف تبقى أيقونة بعد عقود في الضوء، والقدرة على إعادة تعريف الذات مع تغير العمر والدور والجمهور.
ولبنانياً، أطلق مصمم الأزياء العالمي إيلي صعب عطره الخاص منذ أعوام قليلة، ومن خلاله بات ينافس العطور العالمية من منطلق وجوده في عالم الجمال والأزياء منذ عقود.
لماذا تنجح مثل هذه الأمثلة؟
ببساطة لأن تلك الشخصيات امتلكت الماركة التجارية ولم تكتفِ بالترويج لها لأن المنتج كان امتداداً طبيعياً لها ولأن الجمهور يشعر بأنه يشتري قصة وهوية لا سلعة فقط.
ونجاح هذه التجارب يرتبط بثلاثة عناصر حاسمة، ملكية حقيقية للماركة وجمهور جاهز يعمل كشبكة توزيع وقدرة على تحويل السيرة الشخصية إلى قصة قابلة للبيع.
أما الفشل، فيأتي حين يشعر الجمهور بالافتعال أو غياب الأصالة، أو حين تتحول الماركة إلى عبء يرتد على صاحبها في لحظات الأزمة.
الاسم كرأسمال
حين يطلق الشخص الناجح في أي مجال كان ماركته الخاصة، فهو يراهن على اسمه كعملة اقتصادية، وكذلك القدرة على تحويل الهوية إلى مشروع متماسك يعيش حتى خارج الأضواء. وإطلاق المشاهير، سواء كانوا رؤساء، رياضيين، أو فنانين أو حتى سياسيين، لماركات تحمل أسماءهم لم يعُد تفصيلاً تجارياً، بل تحول إلى ممارسة مدروسة تعكس انتقال النفوذ من المجال الرمزي إلى السوق مباشرة، حيث بات الاسم رأسمالاً بحد ذاته، يستثمر ويسوق، ويدار كأصل اقتصادي مستقل، لا كوسيلة ترويج عابرة.
ويشكل العطر والأزياء والعناية الشخصية تحديداً، أدوات مثالية لهذا التحول لأنها تبيع "الهوية" قبل المنتج. وما يشتريه الجمهور ليس الرائحة أو القماش فقط، بل صورة النجاح والجاذبية والقوة أو الاستمرارية التي يجسدها صاحب الاسم. هنا يصبح المنتج امتداداً للسرد الشخصي ووسيلة للسيطرة على الصورة العامة بعد انتهاء المنصب أو الاعتزال أو تراجع الظهور الفني.
وما نشهده هو إعادة تعريف للسلطة في العصر الحديث، أي سلطة لا تقاس فقط بالقرار أو الإنجاز، بل بالقدرة على تحويل الحضور العام إلى اقتصاد دائم. وفي هذا السياق، لا تعود الماركات الشخصية مجرد منتجات استهلاكية، بل أدوات نفوذ ناعمة تعيش في السوق بقدر ما تعيش في الوعي العام.
وفي عالمنا الحالي، لم يعُد السؤال، "هل المنتج جيد؟"، بل "هل الاسم قادر على البيع"؟