Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا انطلقت العلاقات الدبلوماسية السعودية - الجنوب أفريقية في عهد مانديلا

تكشف الوثائق عن مزيج من الطابع غير الرسمي للزيارة والنتائج السياسية الرفيعة التي ترتبت عليها

العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز ورئيس جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا (اندبندنت عربية)

ملخص

في أواخر أكتوبر من عام 1994 وصل الرئيس الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا إلى السعودية في زيارة وصفت رسمياً بأنها "خاصة"، لكنها حملت في طياتها دلالات سياسية ودبلوماسية كبيرة. جاءت الزيارة بعد أشهر قليلة من انتخاب مانديلا رئيساً لجمهورية جنوب أفريقيا، في مرحلة كانت البلاد تحاول فيها إعادة بناء علاقاتها الدولية بعد نهاية نظام الفصل العنصري.

عام 1994 كانت جنوب أفريقيا تقف على أعتاب تحول تاريخي غير مسبوق، إذ طوت صفحة نظام الفصل العنصري وانتقلت إلى نظام ديمقراطي تعددي بقيادة نيلسون مانديلا، الذي أعاد للبلاد شرعيتها ومكانتها على الساحة الدولية. وفي إطار هذا الانفتاح الخارجي، اختار مانديلا السعودية محطة محورية لتكون بوابة النظام الجديد نحو العالم العربي والإسلامي، في لحظة كان فيها الشرق الأوسط، بدوره يعيد تشكيل علاقاته السياسية والاقتصادية بعد حرب الخليج الثانية. وتوثق وثائق وزارة الخارجية البريطانية هذه المرحلة المفصلية، مسجلة أول إعلان رسمي لإقامة علاقات دبلوماسية بين الرياض وبريتوريا، بعد قطيعة طويلة فرضتها السعودية احتجاجاً على سياسات التمييز العنصري، لتدشن بذلك صفحة جديدة من العلاقات مع جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري.

وتكشف الوثائق، من خلال رصدها الدقيق نشاطاًت مانديلا في السعودية واتصالاته الرفيعة المستوى، عن مزيج من الطابع غير الرسمي للزيارة والنتائج السياسية الرفيعة التي ترتبت عليها، مما يعكس رغبة مشتركة لدى الرياض وبريتوريا في فتح صفحة جديدة تتجاوز المرحلة السابقة، كذلك تبرز الوثيقة اهتمام بريطانيا بمتابعة هذه التطورات من كثب، بالنظر إلى تأثيرها المحتمل في التوازنات الاقتصادية في المنطقة، بخاصة في قطاعات المعادن والطاقة. ومن خلال تحليل محتوى البرقية، يصبح من الممكن فهم الديناميكيات التي حكمت الانفتاح السعودي على جنوب أفريقيا، والدور الذي أدته الزيارات الدبلوماسية في صياغة علاقات جديدة خلال حقبة كانت تشهد إعادة بناء منظومات سياسية واقتصادية على مستوى العالم.

 

تعد هذه الوثائق جزءاً من أرشيف وزارة الخارجية البريطانية (FCO 8/10120)، وتغطي العلاقات بين السعودية والدول غير العربية خلال عام 1994.

تعزيز العلاقات السعودية - الجنوب أفريقية

في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1994، وصل الرئيس الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا إلى السعودية في زيارة وصفت رسمياً بأنها "خاصة"، لكنها حملت في طياتها دلالات سياسية ودبلوماسية كبيرة. جاءت الزيارة بعد أشهر قليلة من انتخاب مانديلا رئيساً لجمهورية جنوب أفريقيا، في مرحلة كانت البلاد تحاول فيها إعادة بناء علاقاتها الدولية بعد نهاية نظام الفصل العنصري.

مانديلا وصل إلى الرياض بتاريخ الـ23 أكتوبر، بتأشيرة سياحية لمدة أسبوعين، وهو أمر شبه غير مسبوق، خصوصاً بالنسبة إلى رئيس دولة، وعلى رغم الطبيعة الخاصة للزيارة، حرص الرئيس الجنوب أفريقي على لقاء كبار المسؤولين السعوديين، لتأكيد أهمية العلاقات مع المملكة، التي كانت تؤدي دوراً محورياً في منطقة الخليج العربي. شملت لقاءاته ولي العهد الأمير عبدالله، ومحافظ الرياض، ورئيس غرفة تجارة الرياض، إضافة إلى لقاءات رسمية مع وزراء التخطيط والصحة والصناعة، ونائب قائد الحرس الوطني، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي.

ومن بين المحطات البارزة في زيارته كانت المدينة الصناعية في الجبيل، حيث تسلم رسالة من رئيس وزراء جنوب أفريقيا تتعلق بموزمبيق، مما يعكس اهتمامه بقضايا التعاون الإقليمي والدولي، إلى جانب تركيزه على بناء جسور العلاقات الاقتصادية والتجارية. ويبدو أن مضيفه الفعلي كان رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع وابن شقيق الملك، الأمير عبدالله فيصل التركي، الذي تولى تسهيل الأمور في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين وقت وصول مانديلا.

 

زيارة استثنائية تؤسس لشراكة رسمية مستمرة

في الـ29 من أكتوبر أعلنت وكالة الأنباء السعودية رسمياً إقامة المملكة علاقات دبلوماسية كاملة مع جنوب أفريقيا، وقد تم توقيع اتفاق على مستوى السفارات بين وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية الجنوب أفريقي ألفريد انزو، بحضور مانديلا، بينما وصل انزو إلى الرياض في اليوم ذاته، كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان بداية فصل جديد في العلاقات بين البلدين، يحمل فرصاً سياسية وتجارية واسعة.

وعلى رغم الطابع "الخاص" والمفاجئ للزيارة، أظهر مانديلا نشاطاً ملحوظاً في كل لقاءاته، مما يعكس حرصه على وضع المملكة في صدارة اهتماماته الاستراتيجية، وكانت التجارة بين البلدين محوراً رئيساً، لا سيما في ما يتعلق بالمعادن الثمينة، إذ تعد السعودية مستورداً رئيساً للذهب والألماس، مما يفتح المجال أمام مشاريع تجارية واستثمارية مشتركة، وقد أعلنت السلطات أنه من المقرر أن يزور وفد تجاري سعودي جنوب أفريقيا في يناير (كانون الثاني) من العام التالي لمناقشة مجالات الاهتمام المشترك، بينما انتشرت إشاعات قبل وصول مانديلا عن احتمال أن تكون زيارته لأسباب طبية، لم تؤكد أي جهة رسمية هذا الأمر، ويبدو أن هذه القصص نشأت نتيجة زيارته المفاجئة لمستشفى محلي من دون إعلان مسبق، مما أثار فضول وسائل الإعلام السعودية.

بهذه الزيارة، لم يكتف مانديلا بإقامة جسور دبلوماسية فحسب، بل رسخ أيضاً فكرة أن العلاقات بين السعودية وجنوب أفريقيا يمكن أن تتجاوز مجرد المصالح الاقتصادية لتشمل التعاون السياسي والإقليمي، مؤكداً أهمية السعودية كلاعب رئيس في منطقة الخليج العربي. وكانت الزيارة مثالاً على كيفية الجمع بين البعد الشخصي والدبلوماسي في آن، إذ استغل الرئيس الجنوب أفريقي عطلة قصيرة لتعزيز العلاقات الدولية لبلاده في مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث.

 

مانديلا يختتم زيارة تاريخية للسعودية

في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1994، اختتم الرئيس الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا زيارته التاريخية إلى السعودية، بعدما قضى نحو أسبوعين في البلاد، وهي مدة استثنائية لأي رئيس دولة، إذ تعتبر أطول زيارة رسمية من نوعها في تاريخ السعودية، على رغم عدم صدور بيان رسمي عن لقائه الملك السعودي، أفاد مصدر موثوق بأن مانديلا قد قابله مرتين خلال زيارته، مما يعكس أهمية هذه الزيارة على المستوى الدبلوماسي والرمزي.

في التاسع من نوفمبر أجرى مانديلا مقابلة مطولة مع رئيس تحرير صحيفة "عرب نيوز"، الصحيفة الإنجليزية الرائدة في المملكة، أرسل نص المقابلة لاحقاً عبر "الفاكس" إلى وكالة الأنباء الجنوب أفريقية، حين نفى بصورة قاطعة أن تكون الزيارة بدافع العلاج الطبي، مؤكداً أن الهدف كان التعرف إلى السعودية وبناء جسور العلاقات الثنائية، مع التركيز على جذب الاستثمارات وتنمية التعاون التجاري بين البلدين.

وكانت الزيارة أيضاً فرصة للرئيس الجنوب أفريقي لأخذ بعض الوقت للراحة الشخصية، وهو ما أشار إليه بعض المراقبين بروح الدعابة، معتبرين أن الشخص الذي أمضى 27 عاماً في السجن ربما يجد أن قضاء أسبوعين في السعودية يشكل عطلة مثالية وفريدة من نوعها.

بهذه الزيارة، نجح مانديلا في الجمع بين بعد شخصي ودبلوماسي، مؤكداً أن العلاقات بين السعودية وجنوب أفريقيا تتجاوز مجرد المصالح الاقتصادية، لتشمل بناء الثقة والتعاون السياسي بين بلدين يتطلعان إلى تعزيز موقعهما على الساحة الدولية، وقد أرست هذه الزيارة الأساس لعلاقات رسمية مستمرة، بما في ذلك التبادل التجاري والتعاون في مجالات المعادن والاستثمار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عبدالله بن عبدالعزيز يزور جنوب أفريقيا ويكرم من الرئيس مانديلا

في نهاية مايو (أيار) عام 1999، قام الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، الذي كان يشغل منصب ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني في السعودية، بزيارة تاريخية إلى بريتوريا، عاصمة جنوب أفريقيا، وقد استقبل الأمير خلال الزيارة بحفاوة كبيرة من قبل الرئيس مانديلا الذي أقام حفل عشاء في منزله تكريماً لهذه الزيارة المهمة.

خلال الحفل، ألقى الرئيس مانديلا كلمة أكد فيها قوة الروابط بين السعودية وجنوب أفريقيا بقيادة الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين تطورت بسرعة لتصبح علاقات استراتيجية ذات أهمية كبيرة، وأشاد مانديلا بالدور الفاعل الذي قام به الأمير عبدالله في تعزيز هذه العلاقات منذ حصول جنوب أفريقيا على حريتها، معتبراً إياه قائداً مؤثراً في منطقة الخليج له دور كبير في بناء جسور التعاون بين دول الخليج وجنوب أفريقيا. وأعرب الرئيس مانديلا عن سعادته وفخره واعتزازه بزيارة الأمير عبدالله، مؤكداً أهميتها، بخاصة أنها جاءت قبل أن ينهي فترة خدمته العامة كرئيس لجنوب أفريقيا، وأوضح أن الزيارة تعكس دعم الأمير العدل والتنمية، مشيراً إلى أن الوفد الكبير المرافق له يعكس حرص البلدين على رفع مستوى العلاقات بينهما، التي ستتوج بتوقيع اتفاقات مشتركة، وأضاف مانديلا أن الأمير عبدالله يمثل العلاقات الطيبة بين المملكة وجنوب أفريقيا.

وفي ختام كلمته، قلد الرئيس مانديلا ولي العهد السعودي آنذاك وشاح الأمل الطيب من الدرجة الأولى، وهو أعلى وسام في جمهورية جنوب أفريقيا يمنح عادة لرؤساء الدول، معبراً عن شرفه الكبير في تقديم هذا الوسام الذي يعد رمزاً وطنياً مرموقاً.

اختتام زيارة جنوب أفريقيا بتكريم مانديلا وتعزيز العلاقات الثنائية

بعد تكريمه من قبل الرئيس نيلسون مانديلا، ألقى عبدالله بن عبدالعزيز، كلمة أكد فيها سعادته واعتزازه بزيارة جنوب أفريقيا، معبراً عن تحيات الملك فهد بن عبدالعزيز والشعب السعودي إلى الرئيس مانديلا وشعب جنوب أفريقيا، وأشاد الأمير بالدور القيادي والتاريخي لمانديلا في نضاله من أجل الحرية والعدالة، مبرزاً التضحيات التي بذلها في سبيل شعبه وتأثيره العميق في مستوى العالم، ومؤكداً أن مبادئه ستظل نبراساً لكل من يخلفه في السلطة أو يستلهم خطاه.

وأشار الأمير عبدالله إلى أهمية تعزيز العلاقات الثنائية بين المملكة وجنوب أفريقيا منذ انطلاقتها عام 1993، معرباً عن أمله في أن تسفر هذه الزيارة عن نتائج مثمرة في مجالات التعاون المختلفة والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، بخاصة قضية "لوكربي"، مشيداً بالجهود المبذولة من جميع الأطراف بما في ذلك ليبيا.

وفي ختام كلمته، قدم الأمير عبدالله شكره وتقديره للرئيس مانديلا وحكومة وشعب جنوب أفريقيا على حسن الضيافة، مؤكداً أن الزيارة ستعزز الروابط بين البلدين، وقلد الأمير عبدالله مانديلا قلادة الملك عبدالعزيز، أعلى وسام في المملكة، تقديراً لدوره الريادي، وكرم أيضاً البروفيسور جيكس غرويل، مدير مكتب مانديلا، بمنحه وشاح الملك عبدالعزيز من الطبقة الثانية. حضر حفل العشاء الوفد الرسمي المرافق للأمير عبدالله، إضافة إلى أعضاء الحكومة والبرلمان والدبلوماسيين وكبار المسؤولين والجاليات الإسلامية.

المزيد من تقارير