Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عوامل انقراض حضارة السند هي ذاتها تهدد طهران اليوم

لم يتبق في خزانات المياه بالعاصمة سوى ما يكفي بضعة أيام فقط

تشير الأبحاث إلى أن حضارة السند العريقة لم تنقرض بسبب الغزو العسكري بل بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة (أ ف ب)

ملخص

هكذا اندثرت الحضارات بفعل التغير المناخي قبل آلاف الأعوام.

قام المتخصصون بفحص سجلات البحيرات والطبقات المعدنية في الكهوف والأدلة النباتية القديمة والسجلات البحرية والرواسب الجيولوجية بعناية، ووجدوا أن فترات عدة من الجفاف المطول حدثت بصورة دورية على مدى 1000 عام مما أدى إلى أزمة مياه حادة في وادي السند.

قبل آلاف الأعوام وتحديداً في عام 550 قبل الميلاد، كانت إيران تحت سيطرة الملك الإيراني داريوس الأول. خلال هذه الفترة انقطع المطر فجأة عن إيران واشتد الجفاف حتى بدأت الحيوانات بالنفوق وتحولت الأراضي التي كانت تزخر بالحدائق والحقول إلى صحاري قاحلة.

خزائن الدولة كانت مليئة بالعملات الذهبية إلا أن مخازن الحبوب كانت خالية، وبدأ الناس يتجولون مع أطفالهم وعائلاتهم بحثاً عن الماء. خشي الملك دارا في مثل هذه الظروف أن يستغل الغزاة الأجانب هذا الوضع وينهبوا إيران، ولجأ بسبب هذا الخوف إلى الله خاضعاً أمامه مستنجداً بأن ينزل المطر لينتهي الجفاف في إيران.

لا يزال هذا المشهد محفوراً على الصخور الأثرية في إيران حتى اليوم حيث تضرع دارا إلى الله من أجل المطر.

اليوم وبعد مرور 2500 عام تقريباً، تعاني طهران، أكبر مدن إيران وعاصمتها، الوضع نفسه مجدداً، إذ لم يتبق في خزانات المياه في طهران سوى ما يكفي لبضعة أيام فقط.

بدأت المناقشات لنقل هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة إلى موقع آخر في المستقبل القريب، وانضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الآن إلى هذه المناقشات.

يتكرر المشهد نفسه في إحدى أعرق حضارات العالم الواقعة في باكستان الحالية والمعروفة بالسند.

العصور القديمة

قبل نحو 3 أو 4 آلاف عام، كانت حضارة وادي السند أيضاً في أوجها، وكانت مدينتا موهينجو دارو وهارابا العريقتان تنبضان بالحياة.

لا تزال الأدلة التخطيطية لاستيطان هذه المدن قبل آلاف الأعوام تثير دهشة المتخصصين حتى اليوم، فالطرق المعبدة وأنظمة الصرف الصحي والتكييف الفعالة والتوزيع الطبقي للسكان وأمن المدن كلها عوامل تمنح حضارة وادي السند مكانة بارزة بين أوائل المستوطنات الحضرية في العالم، ولكن بعد ذلك، اختفت هذه المدن العظيمة من على وجه الأرض بطريقة تجعل المتخصصين يتساءلون حتى اليوم عما حدث لهذه المدن التي حافظت على بنيتها الحضرية بصورة جيدة.

تبعد مدن وادي السند عن طهران نحو 2500 كيلومتر، ويفصل بينهما 2500 عام أيضاً، لكن العوامل التي أدت إلى انقراض حضارة السند هي ذاتها تهدد طهران اليوم ولا بد من أن ما يحدث في طهران اليوم قد حدث في موهينجو دارو وهارابا في الماضي.

وقعت حضارة وادي السند ضحية للمجاعة، فقد كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة  Nature العالمية المرموقة عن سبب تدمير حضارة وادي السند قبل 3500 عام.

نظراً إلى عدم وجود سجلات تغير المناخ، اطلع المتخصصون على التحليلات الهيدرولوجية القديمة من خلال ربط الأدلة المناخية في وادي السند بنماذج المناخ الزمنية، التي أظهرت أن الجفاف الشديد استمر هنا لعقود وقرون مما أثر في وادي السند قبل نحو 3300 إلى 3400 عام فقد انخفضت المياه في نهر السند وروافده إلى حد غير مسبوق، وأدى نقص الأمطار إلى فترات متتالية من الجفاف وهُجرت مدن كبيرة مثل موهينجو دارو وهارابا وغادر الناس بحثاً عن الماء في مجموعات صغيرة وقبائل.

يعتقد المتخصصون أن نظام هطول الأمطار في الصيف والشتاء كان متماثلاً في العصور القديمة، ولكنه انفصل بعد ذلك في الفترة الهولوسينية المبكرة إلى المتأخرة، وهو ما يعزى إلى تغيرات في درجة حرارة الشمس.

وفي هذا الصدد قام المتخصصون بفحص سجلات البحيرات والطبقات المعدنية في الكهوف والأدلة النباتية القديمة والسجلات البحرية والرواسب الجيولوجية بعناية، ووجدوا أن فترات عدة من الجفاف المطول حدثت بصورة دورية على مدى فترة 1000 عام مما أدى إلى أزمة مياه حادة في وادي السند.

ووفقاً للمتخصصين فقد شهدت هذه الفترة أربع فترات جفاف في الأقل استمرت كل منها 85 عاماً أو أكثر، واستمرت إحدى هذه الفترات لأكثر من 110 أعوام. في البداية انخفض هطول الأمطار بنسبة تراوح ما بين 10  و20 في المئة ثم توقف تدريجاً تماماً، حاول الناس التأقلم مع هذا التغير المناخي ولكن عندما خرج الوضع عن السيطرة، انتقلوا إلى مناطق أخرى بحثاً عن الماء، مما أدى إلى اختفاء الحضارة المدنية العظيمة في ذلك الوقت وتراجع المستوطنات الصغيرة نسبياً.

هذه النظرية التي تقول إن تغير المناخ أدى دوراً في انهيار حضارة وادي السند ليست جديدة، وجرى طرحها للمرة الأولى في العقد الأخير من القرن الـ20 على يد أستاذ علم الآثار في جامعة ويسكونسن ومؤسس موقع Harppa.com  جوناثان مارك كينوار في كتابه "المدن القديمة في وادي السند" الذي نشرته جامعة أكسفورد عام 1998.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التغير المناخي

يقول جوناثان في كتابه إن اندثار حضارة السند ومدنها الكبيرة موهينجو دارو وهارابا لم يكن نتيجة استيلاء عسكري من الغزاة، وإن هذه الحضارة لم تنتهِ فجأة، بل كانت نتيجة لتغيرات مناخية امتدت قروناً، وكان للتغير المناخي دور كبير في ذلك، إذ جفت الأنهار الرئيسة الثلاثة في وادي السند، وهي غاغار وهاكرا وساراسواتي، مما أدى إلى تدمير المراكز الحضرية، وانتقل السكان إثر ذلك إلى شرق البنجاب حيث سهول الغانج واليامونا وغوجارات وراجستان.

وتناولت مجلة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية هذا السؤال بتفصيل كبير في عددها الصادر عام 2012، وكتب تشارلز تشوي مؤلف مقال "كيف دمر تغير المناخ إحدى كبرى حضارات العالم" أن قبل 4 آلاف عام امتدت أكبر حضارة في العالم من نهر السند إلى بحر العرب على مساحة مليون كيلومتر مربع، إذ عاش فيها 10 في المئة من سكان العالم آنذاك، وقد نشأت هذه الحضارة قبل 5200 عام واختفت تدريجاً قبل 3 إلى 4 آلاف عام، ويعود ذلك في معظمه إلى تغيرات في درجة حرارة سطح الشمس التي أثرت بصورة مباشرة في نمط الرياح الموسمية.

تحدث هذه التغيرات كل ألفين إلى 3 آلاف عام، وقد أدى هذا التغير في نمط الرياح الموسمية إلى محو آثار حضارة وادي السند.

ويتفق كثير من المتخصصين المعاصرين على أن هذا هو العامل وراء انهيار حضارة وادي السند، وإذا ما نظرنا إلى انهيار حضارة غاندارا في هذا السياق أيضاً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكننا أن نفترض أننا دخلنا في الدورة نفسها التي مرت بها مدينتا موهينجو دارو وهارابا في وادي السند، بالنظر إلى التغيرات المناخية التي حدثت خلال الأعوام الـ10 إلى الـ15 الماضية؟

شهدت باكستان خلال القرن الماضي تفاوتاً في درجات الحرارة بلغت درجة ونصف درجة مئوية، مما أدى إلى ذوبان سريع لأكثر من 13 ألف نهر جليدي في البلاد، وتشكل هذه الأنهار الجليدية ما بين 60 و70 في المئة من مياه نهر السند.

على مدى الأعوام القليلة الماضية، ازداد طول فصل الصيف وقصر فصل الشتاء. وصرح وزير التغير المناخي الاتحادي مصدق مالك رداً على سؤال في الجمعية الوطنية، بأن 3044 نهراً جليدياً قد تشكلت نتيجة ذوبان الأنهار الجليدية، 33 منها قد تنفجر في أي لحظة ما يعرض 7.1 مليون شخص يعيشون تحت هذه البحيرات للخطر، وقد انفجر 75 نهراً جليدياً سابقاً.

وبحسب الرئيس التنفيذي لخدمات الطقس والمناخ فهد سعيد لصحيفة "اندبندنت أوردو"، فإن ارتفاع درجات الحرارة له تأثير مباشر في الأنهار الجليدية.

"إذا استمر معدل ذوبان الأنهار الجليدية على هذا النحو فسيذوب 50 في المئة منها بحلول نهاية هذا القرن، أما إذا ارتفعت درجة الحرارة بنسبة 2.2 في المئة فقد يذوب 80 في المئة من الأنهار الجليدية خلال هذه الفترة، مما سيؤثر في أمننا الغذائي المرتبط بأمننا القومي".

لقد دق تغير المناخ ناقوس الخطر مجدداً لحضارة وادي السند، وما حدث لموهينجو دارو وهارابا في الماضي يحدث الآن لمدن مهمة مثل طهران.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير