ملخص
أصبح الدين الخارجي عبئاً ثقيلاً على تونس في الأعوام الأخيرة على رغم نزوله مقابل الدين الداخلي، مما جعلها ضمن الدول الـ10 الأكثر مديونية في أفريقيا.
بلغ إجمال الدين الخارجي للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط 8.9 تريليون دولار عام 2024، وهو أعلى مستوى له منذ 50 عاماً، وفي الوقت نفسه بلغ متوسط أسعار الفائدة على القروض الجديدة التي حصلت عليها الاقتصادات النامية عام 2024 من جهات الإقراض العمومية والخاصة مستويات قياسية، بحسب تقديرات البنك الدولي.
أنفقت هذه الدول مبلغاً غير مسبوقاً قدره 415 مليار دولار على الفوائد وحدها، على حساب استثمارات كان من الممكن توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية التحتية الأساسية.
ومع تضاؤل خيارات التمويل منخفضة الكلفة اتجهت دول عديدة إلى المقرضين المحليين مثل البنوك التجارية والمؤسسات المالية المحلية لسد العجز في موازناتها.
قروض متعددة الأطراف
تحتل تونس المرتبة الـ10 بين الدول الأفريقية الأكثر مديونية للدائنين الأجانب ذات الدخل المنخفض والمتوسط، خارج بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفقاً للبنك الدولي.
وفي نهاية عام 2024 بلغ إجمال ديونها الخارجية 40.46 مليار دولار، بينما بلغت خدمة الدين الخارجي بين أصل الدين وفوائده 3.8 مليار دولار خلال العام، وانخفضت خدمة الدين الخارجي إلى 3 مليار دولار عام 2025.
وبالعودة إلى عام 2024، يتكون هذا الدين الخارجي بصورة أساسية من قروض متعددة الأطراف، وتمثل 63 في المئة من إجمال الدين، وتأتي هذه الأموال في المقام الأول من مؤسسات دولية بنسبة 20 في المئة من البنك الدولي، و11 في المئة من البنك الأفريقي للتنمية، والنسبة المتبقية البالغة 12 في المئة من مؤسسات متعددة الأطراف أخرى.
أما الديون الثنائية، التي تمثل 25 في المئة من الإجمال، فتعود إلى إبرام اتفاقات مباشرة مع الدول الشريكة، وتمتلك ألمانيا 5 في المئة منها، واليابان وفرنسا 4 في المئة لكل منهما، بينما توزع النسبة المتبقية البالغة 12 في المئة على باقي الدول.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي أحدث تقرير عن الديون الدولية الذي نشره البنك الدولي مطلع ديسمبر صرح كبير الاقتصاديين ونائب رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون اقتصادات التنمية إندرميت جيل بأن تحسن ظروف التمويل العالمية لا ينبغي أن يضلل الدول النامية، التي لا تزال تواجه أخطاراً جمة.
ويرى أن على هذه الدول استغلال هامش المناورة المتاح لها لترتيب أوضاعها المالية العامة بدلاً من التسرع في العودة إلى أسواق الاقتراض الدولية.
اللجوء المكثف إلى الاقتراض المحلي
وينطبق هذا على تونس التي تواصل الوفاء بالتزاماتها تجاه دائنيها الأجانب على رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها في الوصول إلى الأسواق.
ويعكس الاعتماد المتزايد على التمويل المحلي نجاحاً كبيراً للسياسة العامة، وفقاً للبنك الدولي، الذي يحث الحكومات مع ذلك على ضبط النفس في استخدام هذه الأداة.
ويقول إندرميت جيل إن الأرجح أن يشجع اللجوء المكثف إلى الاقتراض المحلي القطاع المصرفي على إقراض الحكومة بأسعار فائدة مرتفعة ولفترات قصيرة، بدلاً من الإسهام في تمويل الاستثمارات الخاصة.
وبينما يشجع خبراء البنك الدولي حكومات الدول النامية المثقلة بالديون على الاستفادة من هامش التنويع المتاح لها لترتيب أوضاعها المالية العامة يبدو أن الإفراط في استخدام الدائنين المحليين في تونس هو الآن تقريباً الحل الأفضل المتاح للمسؤولين الحكوميين، على خلفية ملاءمة التصنيف الائتماني وكلفة الاقتراض من السوق المالية.
وأصبح الدين الخارجي عبئاً ثقيلاً على تونس في الأعوام الأخيرة على رغم نزوله مقابل الدين الداخلي، مما جعلها ضمن الدول الـ10 الأكثر مديونية في أفريقيا، لكنها وردت في المرتبة الـ10 بعد المغرب الذي يحتل المرتبة الخامسة، إذ بلغ الدين الخارجي للمغرب 68 مليار دولار حتى نهاية 2024، في حين احتلت مصر المرتبة الثانية في الدول الأفريقية الأكثر مديونية للخارج بـ156 مليار دولار من الديون، وراكمت خدمة دين تتجاوز 53.77 مليار دولار.
ديون الإصدار على السوق المالية
عرف الدين العام الخارجي لتونس تراجعاً وانحسر عند 40.46 مليار دولار في 2024 مقارنة بـ2023 التي بلغ فيها 42.4 مليار دولار، وعام 2022 التي راوح فيه 41.04 مليار دولار، و2021 حين سجل صعوداً إلى 43.022 مليار دولار، ما يشير إلى تأكد النسق التنازلي، وفقاً لمدير العام السابق للسياسة النقدية بالبنك المركزي التونسي، محمد صالح سويلم، موضحاً أن الدين الخارجي المذكور يشمل ديون الدولة الخارجية بأصنافها إضافة إلى ديون القطاع الخاص، ويتكون من الديون طويلة ومتوسطة وقصيرة الأجل.
وشهد الدين الخارجي طويل الأمد تقلصاً ملحوظاً من 26.13 مليار دولار عام 2021 و28.5 مليار دولار عام 2020 إلى 22.5 مليار دولار في 2024، وهو ما ينم على تخفيف الالتزامات المالية نحو الخارج واسترجاع جزء مهم من التوازنات في هذا الصدد.
وعبر سويلم عن تحفظه حول طريقة احتساب الدين الخارجي القصير الأمد في تقرير البنك العالمي، مما أسهم في تضخمه، إذ جرى الجمع بين القروض والاعتمادات المستندية للقطاع الخاص، مما أدى إلى صعودها إلى 15.9 مليار دولار مقابل 13.4 مليار دولار في 2021، مع إضافة مخصصات صندوق النقد الدولي ومخصصات حقوق السحب الخاصة به إلى قائمة الديون الخارجية، على رغم طبيعة المخصصات التي لا تنضوي تحت قائمة الديون، وفق سويلم.
وعلى رغم تضخم القائم تحت طائلة منهج الاحتساب تمكنت تونس وفق التقرير نفسه من الضغط على ديون الإصدار على السوق المالية (Bondholders) التي انحدرت من 7 مليارات دولار عام 2020 إلى 4.59 مليار دولار عام 2022، وصولاً إلى 2.48 مليار دولار، وإن اقترن ذلك بعامل أساس هو عجز تونس عن الخروج للأسواق العالمية، فهو لا يقل أهمية عن تقلص قائم الدين الخارجي ونزول نسق الالتزامات المالية الخارجية لتونس، لطبيعتها كعنصر أساس لمجهر المقرضين والمراقبين.