ملخص
جسد حر، حضور فوضوي. صوت، وجه، عينان، تحديقة، طباع. نصف طفلة نصف امرأة، عندما تشعر بانزعاج يرتسم على وجهها علامات هذا الانزعاج العصية على الإخفاء. كانت باردو "وجبة" كاملة إذا صح التعبير. وهكذا دخلت التاريخ.
في أواسط الخمسينيات، استفاق العالم على ممثلة صاعدة تعرف باسم بريجيت باردو (غابت أمس عن 91 سنة). فيلم واحد كان كافياً ليجعلها نجمة عابرة للقارات: "وخلق الله… المرأة". عنوان بدا مفصلاً على قياسها، ذاك أنه كان يصعب النظر في وجه الفتاة العشرينية ذات الإطلالة المذهلة، من دون أن يفرض هذا الجمال سؤال الخلق بإلحاحه الصامت.
كان المخرج روجيه فاديم زوج بريجيت باردو آنذاك (أولى زواجاتها الأربعة) انتظرها لتبلغ الـ18 ليقترن بها رسمياً. صمم على إعطاء دور البطولة لحبيبته، مساعداً إياها في الانتقال من الباليه إلى التمثيل، ومن أغلفة المجلات إلى الشاشة. إنها قصة جولييت (باردو)، شابة يتيمة تصل إلى سان تروبيه، فتجذب الأنظار وتثير صراع ثلاثة رجال حولها، بينما تسعى هي إلى الحرية. يتضمن الفيلم مناظر أصبحت أيقونية، من بينها رقصة لباردو حافية القدمين وبتنورة خضراء، تتعقبها كاميرا فاديم بحركات بانورامية على إيقاع موسيقى الجاز.
أسهم الفيلم في "تحرير" السينما الفرنسية من إرث التقليد، لكن من دون أن يكون عملاً كبيراً على مستوى اللغة والتقنيات والأسلوب، وذلك قبل بضعة أعوام من بروز "الموجة الجديدة". أما الاكتشاف الأكبر، فكان بريجيت باردو. إنها الشابة التي لا تبذل جهداً لإرضاء أحد، تتحرك بدافع الرغبة لا الواجب، وتبدو غير معنية بما يفترض أن تكون عليه.
لم يكتف الفيلم باختراع نجمة جميلة، بل أعلن ولادة نموذج أنثوي جديد، يتعارض جذرياً مع الأخلاق البورجوازية الرائجة في مجتمع ما بعد الحرب. كانت المسألة في الجرأة الجسدية بقدر ما كانت في الاستقلال الداخلي للشخصية، في كونها تتصرف كما لو أن العالم غير معني بالحكم عليها.
حرية صافية
جسد حر، حضور فوضوي. صوت، وجه، عينان، تحديقة، طباع. نصف طفلة نصف امرأة، عندما تشعر بانزعاج يرتسم على وجهها علامات هذا الانزعاج العصية على الإخفاء. كانت باردو "وجبة" كاملة إذا صح التعبير. وهكذا دخلت التاريخ.
في خمسينيات القرن الماضي، كانت السينما الفرنسية الرائدة في توفير حضن دافئ للمرأة، لا تنقصها نساء قويات، من أرليتي إلى سيمون سينيوريه فمارتين كارول وميشال مورغان. هؤلاء النساء كن مستقلات حرات.
لكن باردو جاءت بطبقة إضافية على كل ما سبق، نظراً إلى عمرها وكونها ولدت ما بين الحربين. جسدت حرية غريزية صافية، محض جسدية، تكاد تكون غير واعية بذاتها، ولا يوجد أروع ممن لا يعي الجمال الذي يفرزه. عفويتها على الشاشة كسرت أنماط الأداء الأكثر انضباطاً أو مسرحة أو تأنقاً، تلك التي ميزت نجمات الجيل السابق، خصوصاً أنها كانت أقل "ثقافوية" وأكثر استفزازاً.
وفي وقت قياسي، أصبحت باردو الصدمة التي تحتاج إليها لا السينما الفرنسية فحسب، بل كل سينمات العالم. كثيرات حاولن تعقب خطاها، وفي جميع أنحاء العالم، لكنها بقيت بلا وريثة حقيقية. كأي شيء هناك الأصل وهناك النسخ الباهتة. ثم إن باردو لم تكن تلعب دور المرأة الحرة، فهي كانت كذلك على الشاشة وخارجها.
هذا كله عزز تحولها ظاهرة ثقافية، رمزاً للحداثة وللشباب ولتحرر المرأة. تحرر مهد للزمن المقبل، الستينيات، التي شهدت حركات تحرر نسائية كثيرة، بحيث لم يعد جسد المرأة عاراً وشهواتها ليست معرضة للإدانة. خرجت باردو من إطار الممثلة لتصبح مادة نقاش اجتماعي وثقافي. السينما، الموضة، الصحافة، وحتى الخطاب السياسي، وجدت فيها مرآة لتحولات عميقة يعيشها المجتمع الفرنسي.
لم يكن مستغرباً أن تصبح رمزاً للخروج من القوالب، لكن المفارقة أن باردو نفسها لم تسع يوماً إلى الاضطلاع بهذا الدور، ببساطة وجدت نفسها داخله، ثم حاولت الخروج منه، متسائلة عن حجم ارتباط هذا كله بنوع الحرية التي كانت تطمح لها.
50 فيلماً
طوال نحو الـ50 فيلماً التي شاركت فيها على مدى 17 عاماً من العمل، تنقلت باردو بين سينما المؤلف والأفلام الجماهيرية بسلاسة تحسد عليها، ومن دون أن تبدو أسيرة أي من النوعين. مع "الاحتقار" لجان لوك غودار، دخلت فضاء بصرياً وفكرياً مختلفاً، حيث جسد المرأة ليس موضوع إغراء بقدر ما هو عنصر تأمل سينمائي. الكاميرا هنا لا تلاحقها لتأكيد نجوميتها، ولكن لتفكيكها.
غودار جاء بها بدافع الضرورة (فرضها عليه المنتج)، بيد أنه بذكائه المعتاد حولها إلى حجة فنية ووعي نقدي، جاعلاً من هذا الفرض عنصراً أساساً في بنية الفيلم. استخدمها لطرح سؤال حول نظرة الرجل والسينما إلى جسد المرأة. المشهد الشهير، حيث يستعرض جسدها ويعلق عليه ميشال بيكولي، ليس اعتباطياً، فهو يكشف كيف تجزأ المرأة وتستهلك.
أمام كاميرا غودار، فقدت باردو فجأة صفة الجسد المصور لأغراض احتفالية، لتصبح مادة للفحص والنقد من الفيلم نفسه، وذلك في دور معاكس تماماً لصورتها التي تشكلت في البداية. استبدل "الاحتقار" خفة الحياة تحت شمس الجنوب الفرنسي بيوميات امرأة حزينة، بعيدة، مجروحة، نجمة منزوع منها سحر الإغراء، وها هي الآن شخصية مأسوية غامضة. دخلت باردو في لعبة العبث بصورتها باكراً لتصبح إضافة إلى ما كانت عليه، رمزاً للحداثة والاستهلاك. في نظر غودار، باردو تمثل الشهرة كبضاعة. إنها نجمة وفي الوقت نفسه جسدت نقداً لفكرة النجومية.
تكرس هذا التوازن في أعمال أخرى لها مع مخرجين من أجيال مختلفة، من هنري جورج كلوزو إلى كلود أوتان لارا فيمشال دوفيل ولوي مال وإدوار مولينارو، فظهرت في أدوار تواجه فيها سلطة المجتمع، لا باعتبارها ضحية بريئة، بل كعنصر يفضح نفاقه.
وعلى رغم هذا التنوع، لم تكن باردو يوماً ممثلة تلفت بقوة أدائها أو قدرتها على التشخيص الشامل. كانت باردو النجمة حاضرة دائماً في زاوية من زاويا الفيلم، وهذا ليس عيباً في ذاته. الأداء لم يكن هدفها الأساس، بل نتيجة ثانوية لحضورها، فهي جسدت فكرة موازية عن التمثيل والحضور والأداء. وهذا ما أربك النقاد طويلاً، إذ احتاجوا إلى مسافة زمنية كافية لفصل الممثلة عن الأيقونة، وتقييم أثرها خارج معايير الجودة الكلاسيكية. وبمرور الوقت، اتضح أن قوتها لم تكمن في التحولات النفسية المعقدة، بل في قدرتها على فرض نفسها كحدث داخل الكادر، كطاقة لا يمكن تجاهلها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في ذروة شهرتها، حين كان من المتوقع أن توسع حضورها عالمياً، وربما أن تغيب فترة لتعود في شكل أقوى، اتخذت قراراً بدا صادماً: الانسحاب. في بداية السبعينيات، أغلقت الباب على السينما نهائياً، وهي على مشارف الـ40. كان القرار تعبيراً عن نفور عميق من الحياة تحت المراقبة الدائمة. الشهرة، التي منحتها كل شيء، سلبتها في المقابل أبسط أشكال الخصوصية. كانت ترغب في العيش بعيداً من النظرات، في يوم عادي لا يحمل معنى استثنائياً.
في حياتها ما بعد السينما، أعادت باردو توجيه طاقتها نحو قضايا أخرى، أبرزها الدفاع عن حقوق الحيوانات، لتصنع لنفسها حضوراً مختلفاً، أقل بريقاً وأكثر انسجاماً مع قناعاتها. تصريحاتها القاسية أحياناً، التي أثارت جدالاً واسعاً، لم تكن محاولة لاستعادة الأضواء، بقدر ما كانت استمراراً لشخصية لم تعرف المهادنة.
من اختلف معها، ذهب إلى حد اعتبار جمالها أحد تجليات عدم إنصاف الحياة للبشر. هنا أيضاً، رفضت أن تكون محبوبة على حساب قناعاتها. اختارت باردو أن تقضي على الأسطورة قبل أن تلتهمها. لكن في النهاية، حصلت على الخلود رغم أنها لم تطلبه.
اليوم بعد رحيلها عن 91 سنة، تبدو تجربتها درساً نادراً في السيطرة على المصير، حتى ولو كان ثمن ذلك العزلة وسوء الفهم.