ملخص
أجرت "اندبندنت عربية" مقابلة موسعة مع وزير الإعلام اللبناني المحامي الدكتور بول مرقص قدم فيها تقييماً شاملاً لحصيلة السنة الأولى من عمل الحكومة، واضعاً ما تحقق في إطار "جهود يجب الاستمرار بها"، لا في خانة الاكتفاء أو الادعاء بالإنجاز الكامل.
عشية الذكرى السنوية الأولى لتشكيل حكومة نواف سلام يجد لبنان نفسه في مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي والمؤسساتي، مرحلة تختبر ليس فقط قدرة السلطة التنفيذية على إدارة الأزمات، بل أيضاً قابلية الدولة اللبنانية نفسها على استعادة دورها ووظيفتها بعد سنوات من الانهيار المتراكم. ففي بلد أنهكته الأزمات المتداخلة، من الشلل الدستوري إلى الانهيار المالي، ومن تفكك المؤسسات وتآكل الثقة الداخلية والخارجية، إلى انتشار السلاح غير الشرعي، تسلمت الحكومة الجديدة إرثاً ثقيلاً يختزل عقوداً من سوء الإدارة، والفساد، وغياب المساءلة، وسط تراجع غير مسبوق في هيبة الدولة وسلطتها.
وعلى امتداد عام كامل تحركت حكومة نواف سلام في مساحة ضيقة بين ضرورات الإنقاذ ومتطلبات التوازنات السياسية محاطة بضغوط داخلية متناقضة وانتظارات خارجية مشروطة. فقد شكلت إعادة انتظام العمل الحكومي، خارج إطار تصريف الأعمال، بحد ذاتها خطوة متقدمة في بلد اعتاد الفراغ والتعطيل، إلا أن حجم التحديات المطروحة سرعان ما أعاد طرح السؤال الجوهري حول حدود القدرة على الإصلاح في نظام سياسي مأزوم، تتنازع فيه المصالح، وتكبل فيه القرارات الكبرى بحسابات داخلية وإقليمية معقدة.
من هنا يبرز السؤال المركزي: ما الذي أُنجز خلال هذا العام؟ وما الذي ينتظر الحكومة في الأشهر المقبلة إن افترضنا أن انتخابات نيابية ستجرى خلال أشهر، وبنتيجتها ستشكل حكومة لبنانية جديدة.
في هذا السياق أجرت "اندبندنت عربية" مقابلة موسعة مع وزير الإعلام اللبناني المحامي الدكتور بول مرقص قدم فيها تقييماً شاملاً لحصيلة السنة الأولى من عمل الحكومة، واضعاً ما تحقق في إطار "جهود يجب الاستمرار بها"، لا في خانة الاكتفاء أو الادعاء بالإنجاز الكامل.
حصيلة عام حكومي: أرقام وجلسات وتحسن ميداني تدريجي
نسأل الوزير "ماذا حققتم وعلى ماذا تعملون أيضاً؟"، فيجيب بالتأكيد أن الحكومة واجهت منذ انطلاقتها ملفات كان لا بد من معالجتها فوراً، إلى جانب ملفات متراكمة أو متأخرة أو عالقة، وهي كثيرة جداً. ويقر بأن الشعب اللبناني يستحق الكثير، لكنه يشدد في المقابل على أنه لا يمكن القول إن هذه الحكومة لم تعمل، فقد أصدرت نحو 1000 مرسوم، وهو أمر ليس سهلاً، وعقدت خلال تسعة أشهر نحو 45 جلسة امتدت لساعات طويلة.
وعلى مستوى الوقائع الملموسة، يلفت مرقص إلى أن أي شخص يصل إلى مطار بيروت يلمس فرقاً في المطار وعلى طريق المطار، وإن لم يكن بالقدر الذي يطمح إليه. كذلك، تم ضبط الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا حتى حدود البقاع شرق لبنان، ويتوقف عند خطوة تركيب أجهزة "السكانر" في المرافئ، بحيث لم يعد تدخل أية بضائع من دون تدقيق إلى وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، مما يخفف التدخل البشري والاستنسابية.
ويتابع، "أما في الجنوب، فقد أصبح الجيش اللبناني موجوداً ويمارس سيطرة فعلية بالمفهوم العسكري، من دون الادعاء بأن الحوادث باتت مستحيلة، إذ لا يوجد بلد بلا حوادث، لكن في مناطق محددة بات الجيش حاضراً"، ويصف مرقص هذا التطور بأنه "حلم قديم"، أما في منطقة شمال الليطاني، فيؤكد أننا نشهد احتواءً أمنياً متزايداً.
إلى ذلك يقول وزير الإعلام "أجريت الانتخابات البلدية والاختيارية بعد تسع سنوات من التأجيل، وسجلت زيادات في الواردات، ولا سيما في الجمارك حيت تضاعفت"، وعلى رغم الإقرار بأن ملفات حدودية أخرى إضافة إلى إنجاز الترسيم البحري مع قبرص، لا تزال في حاجة إلى معالجة، يرى مرقص أن الأمور تسير تباعاً، وأن ما تحقق هو جهود ينبغي على الحكومة البناء عليها والاستمرار بها.
إصلاحات مصرفية ومالية: قوانين نافذة والخروج من اللائحة الرمادية
في ما يخص التشريعات المصرفية، يذكر مرقص بأن اللبنانيين سمعوا لست سنوات عن السرية المصرفية وتنظيم المصارف والودائع، من دون ترجمة تشريعية فعلية. أما اليوم، من أصل ثلاثة قوانين أساسية مطلوبة، أصبح اثنان منها قوانين نافذة، لا مجرد مشاريع، ويقر بأن هناك عملاً كبيراً أنجز، فيما لا يزال هناك عمل يجب استكماله، لكن الاتجاه العام هو في المسار الصحيح.
وفي السياق المالي، يحذر وزير الإعلام من أن لبنان لا يمكنه الخروج من اللائحة الرمادية من دون إصلاحات، وإلا فهو مهدد بالانتقال إلى اللائحة السوداء، وهو أمر غير مقبول. وأكمل، "للحفاظ على علاقات طبيعية مع المؤسسات المالية الدولية، والحصول على تحويلات وتسهيلات وقروض وتعاون دولي، لا بد من الإصلاحات، على أن تنجز بدراسة مع التقدم حيث يجب".
وفي هذا الإطار، يشير إلى وجود إشادة دولية بالمسار الإصلاحي، سواء من فرنسا أو الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي عموماً، إضافة إلى اللجنة الخماسية (تضم سفراء السعودية وقطر ومصر وأميركا وفرنسا) التي تزور المسؤولين اللبنانيين تباعاً.
قانون الفجوة المالية: مدخل أساس للحل
يولي مرقص قانون الفجوة المالية الذي أقرته الحكومة قبل نحو أسبوعين أهمية خاصة، معتبراً إياه مدخلاً أساساً للحل. فللمرة الأولى بعد ست سنوات من الأزمة المالية، وضع نص متكامل بدل الاكتفاء بشعارات حماية الودائع من دون أي مضمون تشريعي، والمشروع أتى من الحكومة وسلك مساره الدستوري.
يكشف لنا عن أنه قدم ملاحظات عديدة على المشروع، أخذ ببعضها بنسبة 40 في المئة، فيما لم يعتمد البعض الآخر نتيجة اختلاف وجهات النظر داخل الحكومة نفسها أو غياب أرقام كافية، مشدداً على ضرورة أن يكون النص مبنياً على أرقام واضحة، وأن يحمي الودائع، ولا سيما الاجتماعية منها، كودائع النقابات وصناديق التقاعد والضمان.
وتابع، "هذا القانون يمكن أن يعيد الثقة بالقطاع المصرفي ويستقطب استثمارات وأموالاً جديدة، في ظل نقاش بات مؤسساتياً ودستورياً داخل اللجان النيابية، مع استعداد الحكومة لمتابعة الملاحظات حتى إقراره بصيغة متوازنة".
عمليات ضبط المخدرات
يربط مرقص المتطلبات السيادية بالإصلاحات الاقتصادية، ويضع مكافحة الاقتصاد غير الشرعي، بما فيه تجارة المخدرات، في صلب أولويات الحكومة. وفي هذا السياق، يشير إلى ضبط عمليات تهريب مخدرات كبيرة خلال السنة الماضية فحسب، وتوقيف عدد من تجار المخدرات، وإصابة بعضهم خلال عمليات اقتحام شرعية ومبررة، إضافة إلى ضبط المعابر لمنع تهريب هذه المواد. ويؤكد أن هذه الإجراءات أسهمت في تحسين صورة لبنان أمام الدول العربية، وفي إعادة تثبيت وجود السلطة الفعلية. فقبل سنة، لم يكن هناك رئيس للجمهورية، وكانت البلاد تحت حكومة تصريف أعمال لأكثر من سنتين ونصف السنة، من دون هيبة للسلطة أو انسجام مؤسساتي. اليوم، هناك حد أدنى من التضامن داخل الحكومة، حتى مع اختلاف الآراء، لكن القرارات تتخذ وتنفذ.
ويبقى السؤال المطروح، بحسب مرقص، هو قدرة الحكومة على استكمال هذا المسار بالوتيرة المطلوبة للاندماج الإقليمي، بخاصة أن المتطلبات الدولية كبيرة، وبعضها سهل، لكن البعض الآخر مشروط، سواء في إعادة الإعمار، أو دعم الجيش اللبناني وتسليحه، أو عقد مؤتمرات دعم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وزارة الإعلام: قانون جديد وحماية الصحافيين ومكافحة التضليل
في الشق المتعلق بوزارة الإعلام يشير مرقص إلى أن الوزارة تضم مؤسسات عدة، وأن لبنان يشهد للمرة الأولى منذ 30 عاماً على قانون إعلام عصري، إذ إن القانون النافذ صدر 1994، ويشهد هذا القطاع منذ 15 عاماً محاولات تعطيل مشروع القانون الجديد في اللجان، لكنه اليوم أقر وسلك طريقه إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.
"هذا القانون متقدم وليبرالي، يحترم المعايير الدولية، ولا يفرض قيوداً على حرية التعبير، بل يكرسها"، يقول مرقص، ويؤكد أنه جرى العمل عليه بصورة مستقلة، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وخبراء دوليين وجمعيات متخصصة، ضمن جهد تراكمي شارك فيه وزراء إعلام متعاقبون. وعند تسلمه الوزارة، تابع مرقص هذا الملف إلى أن خرج من اللجنة الفرعية ووصل إلى لجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب جورج عدوان، ثم إلى الهيئة العامة، من دون إضافة ملاحظات جديدة قد تعرقل إقراره.
يكشف مرقص أن لبنان تحسن في تصنيف حرية الصحافة عام 2024، مع توقع مزيد من التحسن في 2025، نتيجة خطوات عملية، من بينها توضيح أن مقتل الصحافيين في الحرب الأخيرة كان نتيجة حرب فرضت على لبنان، وليس بسبب السلطة اللبنانية. ويؤكد أن وزارته عملت على حماية الصحافيين والمصورين المستقلين عبر إخضاعهم للضمان الاجتماعي بالتعاون مع وزارة العمل التي خفضت الاشتراكات، وعلى تحضير آلية قضائية مع وزير العدل تحول دون مثول الإعلاميين أمام النيابات العامة والضابطة العدلية، وتحصر الملاحقة بمحكمة المطبوعات المدنية.
وفي موازاة ذلك، يجري تنفيذ مشروع لمكافحة الأخبار المضللة بالتعاون مع "اليونيسكو" والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، يتضمن تدريب فريق متخصص في التحقق من الأخبار، تحديث منصة "فاكتشيك ليبانون" fact check Lebanon إطلاق حملة توعية وطنية، وتزويد مندوبي "الوكالة الوطنية للإعلام" وتلفزيون لبنان بمعدات حديثة، ناهيك بتحديث الموقع الإلكتروني للوكالة.
تلفزيون لبنان: ذاكرة الدولة بين النهوض والرقمنة
يضع مرقص تلفزيون لبنان في صلب أولوياته، معتبراً إياه ذاكرة وطنية ورسالة الدولة إلى المواطنين. فـ"حين ينهار التلفزيون يشعر الناس بانهيار الدولة، وحين يزدهر يشعر المواطنون بأن الدولة دخلت بيوتهم"، ويتوقف عند خطوة تعيين رئيس ومجلس إدارة جديدين وفق آلية التعيينات الإدارية للمرة الأولى منذ عام 1999، ناهيك بوضع برامج وخطط نهوض جديدة، وإبرام عقد تأمين شامل لآليات النقل المباشر والمعدات التقنية، بعدما كانت من دون تأمين لأكثر من سنة.
يتوقف وزير الإعلام عند أرشيف تلفزيون لبنان، ويصفه بأنه من أهم الكنوز التي يمتلكها تلفزيون الدولة، فقد بدأ العمل على ترتيبه مادياً وفق معايير السلامة، ثم رقمنته بالتعاون مع "اليونيسكو". وقد تم العمل على المشروع 100 في المئة، مما يتيح استثماره حالياً بصورة آمنة تحمي الملكية الفكرية وتعزز التعاون الدولي.
ومن الخطوات التي يضيء عليها مرقص في وزارة الإعلام، الشراكات الواسعة التي عقدت مع مؤسسات محلية ودولية، ومنها منظمات أممية، مؤسسات خاصة داخلية ومحلية، إضافة إلى وكالات أنباء عالمية. ويضاف إلى ما سبق استضافة لبنان الملتقى الإعلامي العربي في دورته الاستثنائية الـ21 في بيروت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بعدما كان يعقد تقليدياً في دول الخليج أو في مقر جامعة الدول العربية، في مؤشر إلى عودة لبنان إلى الساحة الإعلامية العربية.
وكذلك شهدت الوزارة أيضاً إطلاق ساحات لتكريم الإعلاميين بالتعاون مع بلدية بيروت، وتكريم عدد من كبار الإعلاميين والفنانين اللبنانيين، إضافة إلى إعداد برامج خاصة لتسليط الضوء على نشاطات الجيش اللبناني، وتفعيل النشرة التلفزيونية باللغة الفرنسية.
لبنان والتطورات الإقليمية الملتهبة
نختم حوارنا المطول مع وزير الإعلام بسؤاله عن تموضع لبنان من التطورات الإقليمية المتصاعدة، فيؤكد أن توجه الحكم في لبنان يقوم على عدم الانتظام في المحاور أو الاستقطابات، والتركيز على استقرار البلد والمنطقة، مشدداً على أن هذا المسار، إلى جانب الجهود الإصلاحية والاستقرار الأمني الداخلي، يعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي كبلد يتمتع بعلاقات جيدة مع الدول العربية ويحافظ على استقراره الداخلي.
ويختم، "بعد عام واحد فحسب، انتقل لبنان من الحرب والفراغ وانعدام الأفق إلى مسار إصلاحي وأمني وسيادي قيد التثبيت. وعلى رغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن ما تحقق يؤكد أن الاستمرار هو الخيار الوحيد لإنقاذ الدولة".