Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البرازيلي الخمسيني فاغنر مورا يتألق في "العميل السري"

ممثل مشحون بوعي طبقي وذاكرة جماعية وأسئلة حرجة

فاغنر مورا في "العميل السري" الفائز في مهرجان كان (ملف الفيلم)

ملخص

يعود الممثل البرازيلي فاغنر مورا للواجهة في فيلم "العميل السري" للمخرج كليبير مندونسا فيلو الذي نال عنه جائزة التمثيل في كان والمرشح لـ"أوسكار" أفضل فيلم أجنبي.

في كل مرة يظهر على الشاشة، يبدو  الممثل البرازيلي فاغنر مورا  كأنه مثقل بتاريخ لا يخص سيرة الشخصيات التي يجسدها وحسب، بل بماضي بلاده البرازيل أيضاً. وبعيداً من اختياره أدواراً مطعمة بحساسية سياسية عالية من عمق انتظامه في اليسار، فإن حضوره مشحون بوعي طبقي وذاكرة جماعية وأسئلة لا يتوانى عن طرحها باستمرار.

اليوم، ومع عودته القوية للواجهة في "العميل السري" لكليبير مندونسا فيلو الذي نال عنه جائزة التمثيل في كان والمرشح لـ"أوسكار" أفضل فيلم أجنبي، من الواضح أن هذا الممثل والمخرج الواقف على عتبة الـ50، بلغ مرحلة نضج تتيح لنا النظر إليه على أنه نموذج للفنان الذي تشكّل وجدانه عند نقطة التقاطع بين الفن والسياسة والتجربة الشخصية.

منذ بداياته في المسرح، هذا الذي نشأ في باهيا بعيداً من مراكز السلطة الثقافية التقليدية في البرازيل، لم ينتمِ إلى هذا الصنف من الممثلين الذين يسعون إلى النجومية الصافية. حتى عندما أتاحت له "ناركوس" شهرة دولية كاسحة، ظل يتعامل مع النجاح كأداة تساعده في بث أفكاره. "لا أقيس الأشياء بهذا المقياس"، يقول، "ما يهمني هو التجارب". جملة تختصر كثيراً من مفاهيمه، الانتقال المستمر بين السينما البرازيلية المستقلة والمشاريع العالمية، من دون أن يفقد البوصلة!

 

انقلبت مسيرة مورا رأساً على عقب في منتصف العقد الأول من الألفية. البداية الحقيقية كانت مع "كارانديرو" للراحل هكتور بابنكو عن مجزرة سجن كارانديرو في ساو باولو عام 1992. وخلال وقت قصير، انتقل من ممثل معروف محلياً إلى نجم يتجاوز حدود البرازيل. والتلفزيون منحه الشعبية من خلال مسلسل "الفردوس الاستوائي"، والمسرح ثبّت حضوره يوم اعتلى الخشبة من أجل اقتباس جديد لـ"هاملت".

لكن السينما كانت بوابته الحقيقية إلى العالم. مع "فرقة النخبة" لخوسيه باديا، أدى دور شرطي قاسٍ في قلب العشوائيات، فوجد نفسه في صدارة شباك التذاكر البرازيلي، قبل أن ينال الفيلم "الدب الذهبي" في برلين. والنجاح لم يكُن يتيماً، فقد تكرس لاحقاً مع الجزء الثاني، مؤكداً أن مورا أصبح اسماً لا يمكن تجاهله داخل بلاده وخارجها.

ضد التصنيفات الجاهزة

خلال لقاءاته الصحافية، يروي أنه يكره التصنيفات الجاهزة، خصوصاً ثنائية الخير والشر. وأدواره الأكثر شهرة، من بابلو إسكوبار إلى الضابط غير الرحوم، وصولاً إلى مارسيلو في "العميل السري"، تنطوي على شخصيات إشكالية، مأزومة، لا يمكن اختزالها أخلاقياً.

"الحياة معقدة، والكاراكتيرات معقدة"، يقول رافضاً فكرة تقديم البشر وحوشاً أو أبطالاً مطلقين. وهذا الرفض هو رفض سياسي في المرتبة الأولى، ذلك ان تبسيط العالم، في نظره، هو الخطوة الأولى نحو العنف.

في "العميل السري"، يعود مورا إلى سبعينيات القرن الماضي، لظل الديكتاتورية العسكرية، ليجسد رجلاً هارباً من ماضٍ ثقيل، محاطاً بالخوف والارتياب. وهذا الدور يتقاطع عضوياً مع هواجسه القديمة حول الذاكرة، كناشط سياسي لطالما اعتبر أن أخطر ما فعلته البرازيل هو العفو عن جلاديها، وقرارها "ألا تتكلم عن الماضي".

 

"وصلنا إلى هنا لأننا لم نهتم بذاكرتنا"، قال لي بامتعاض خلال إحدى مقابلاته، رابطاً بين الصمت التاريخي وصعود اليمين الشعبوي في زمن الرئيس السابق بولسونارو. لكن، مع كل حماسته، فهو يعي جيداً أن السينما ليست بديلاً عن السياسة، لكنها أداة ضغط للكشف والمحاسبة المعنوية.

علاقته المتوترة مع السلطة بلغت ذروتها يوم قدم "ماريغيللا" (2019)، فيلمه الأول كمخرج، عن المناضل الماركسي الذي اغتاله النظام العسكري عام 1969. لم يكُن المشروع مجرد انتقال طبيعي من التمثيل إلى الإخراج، إنما فعل تحدٍّ صريح.

"أنا لا أعتبر نفسي مخرجاً. أنا ممثل يخرج الأفلام"، قال وقتها، وبتواضع ظاهري يخفي وعياً حاداً بالمسؤولية. تجربة الإخراج، كما رواها، كانت مفاجئة في سلاستها، لكنها قاسية في مصيرها، فيلم منع، حوصر، وأجِل لأنه "يتحدث عن كل ما يكرهه بولسونارو".

 

لا يفصل مورا بين الفن والموقف، ومع ذلك فهو لا يحوّل أفلامه إلى منشورات دعائية. يعترف بأنه "مسيّس في طبعه"، لكنه يدرك حدود الخطاب المباشر. وعندما سئل عن إمكان الحوار مع اليمين المتطرف الذي حكم بلاده في عهد بولسونارو، قال إنه يؤمن به نظرياً، لكنه يصطدم بعدائية شخصية لا تناقش الأفكار بل تهاجم الأفراد. وتجربته مع حملات التشويه، وصولاً إلى اتهامه بتعاطي المخدرات بسبب فيديو مفبرك، جعلاه أكثر وعياً بالعالم الجديد الذي تصنعه الأخبار المزيفة. "الحقيقة كما كنا نعرفها ماتت"، يقول، بقلق الفنان الذي يرى أدوات السيطرة تتغير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على رغم ذلك، ليس مورا شخصاً غارقاً في السوداوية. فهناك خفة مفاجئة في حضوره، ضحكة سريعة، وسخرية ذاتية تظهر بين حين وآخر. يتحدث عن المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس بإعجاب طفولي تقريباً، وعن دهشته من سرعة إنجاز "الشبكة الكوبية"، مقارنة بأعوام المونتاج التي استهلكها "ماريغيللا". يحكي كيف أن الوجود في كوبا والنقاشات مع ممثلين من بلدان لاتينية مختلفة شكّلا تجربة إنسانية في ذاتها. هنا يعود دائماً للفكرة نفسها، القيمة ليست في حجم المشروع، بقدر ما يكمن في ما يضيفه إلى رصيده.

ربما لهذا السبب، لم يسعَ إلى تكرار نفسه. شهرته الواسعة لم تدفعه إلى الهروب من السينما اللاتينية، بل إلى العودة لها بأدوات أقوى. وفي "العميل السري"، يطل علينا كجزء من نسيج سينمائي يعيد طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة، كيف يعيش الناس تحت الخوف؟ كيف يتسرب العنف إلى الحياة اليومية؟ وكيف يواصل الماضي مطاردتنا حتى عندما نعتقد بأننا تجاوزناه؟ فيلماً بعد آخر، أحدث مورا قطيعة مع صورة إسكوبار في "ناركوس" وصولاً إلى كسرها بصراحة. كما أنه ما عاد المخرج الغاضب من بولسونارو، ولا الممثل الذي يتقن أدوار الرجال المعذبين، ليصبح خلاصة هذه التناقضات كلها.

 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما