ملخص
نسف اعتراف ترمب ما بقي من وقار القوانين الدولية حين ختم بتوقيعه قبل قرابة 6 أعوام، موافقاً على قرار سيادة إسرائيل على الجولان، وصمّ أذنيه عن أصداء الاستنكار الدولي لهذه الخطوة. واستقبل السوريون في حينه هذا القرار بكثير من الإدانة الباردة شعبياً معتبرين أن قراره لا يقدم ولا يؤخر على الأرض.
"قيمتها قد تصل إلى تريليونات الدولارات" بهذه العبارة عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إدراكه متأخراً للقيمة الاقتصادية المرتفعة لأراضي الجولان التي انتزعتها إسرائيل في حرب عرفت بـ "حرب الأيام الستة"، وجاء حديثه في إشارة إلى إعلانه في مارس (آذار) عام 2019 الاعتراف بسيادة تل أبيب على الجولان، في مخالفة واضحة للقوانين الدولية.
وليس غريباً على ترمب حديثه، وما يمكن ربطه ولو كان بالـ "غمز ولمز" بموقف الحليف الإسرائيلي، إبان توتر العلاقات أخيراً على خلفية تحدي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو طلب واشنطن وقف التعديات على الأراضي السورية في أعقاب سقوط حكم الأسد منذ عام، ولكن تحدي نتنياهو لواشنطن استمر وصعد إلى قمة جبل الشيخ الاستراتيجية.
وكانت إسرائيل احتلت مرتفعات الجولان السورية خلال حرب عام 1967، ومن ثم ضمتها إلى أراضيها عام 1981، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، باستثناء الولايات المتحدة التي أقدمت على الاعتراف بذلك قبل سنوات أثناء ولاية ترمب الأولى.
تلميحات لتل أبيب
ويفسر مراقبون قول ترمب عدم أخذه أي مقابل لقاء الاعتراف بسيطرة إسرائيل على الجولان، بأنه لا يمكن فصله عن إعادة تسويق قراره سياسياً في توقيت مدروس، ويعتقد أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية في الإمارات عامر فاخوري بأن "ترمب يريد أن يثبت في الوعي العام، الأميركي أولاً أنه اتخذ واحداً من أكثر القرارات حساسية في الشرق الأوسط من دون صفقة، ومن دون مقابل مباشر، وبهذا الخطاب، يعزز صورته كرئيس يتصرف من موقع القوة، لا منطق المقايضة، ويعيد تسجيل القرار باسمه كإنجاز شخصي غير مشروط".
ويضيف "في الوقت نفسه، هذا الكلام يحمل بعداً تلميحياً موجهاً لإسرائيل، حين يقول (لم آخذ ثمناً)، فهو يذكر بحجم ما قدمه، وكأن الرسالة تقول إن هذا الاعتراف لم يكُن أمراً بديهياً ولا التزاماً تلقائياً، بل قراراً استثنائياً في السياسة. هذا النوع من التذكير لا يكون بريئاً، بل يستخدم لتثبيت فضل سياسي يمكن استدعاؤه عند الحاجة، حتى لو لم يعلن ذلك صراحة".
لغة النفوذ
وكان اعتراف ترمب نسف ما بقي من وقار القوانين الدولية حين ختم بتوقيعه قبل قرابة ستة أعوام، موافقاً على قرار سيادة إسرائيل على الجولان، وصمّ أذنيه عن أصداء الاستنكار الدولي لهذه الخطوة. واستقبل السوريون في حينه هذا القرار بكثير من الإدانة الباردة شعبياً، معتبرين أن قراره لا يقدم ولا يؤخر على الأرض. ويجزم خبراء بالقانون الدولي ببطلان هذا الاعتراف "لأن أرض الغير لا توهب من قبل الغير".
ويشرح فاخوري أن التصريح وإعادة التذكير بالاعتراف يخدم هدفاً آخر، وهو تحصين القرار من أية مراجعة سياسية مستقبلية، وترمب يدرك أن الاعتراف بالجولان تعرض ولا يزال يتعرض لرفض قانوني دولي واسع، لذلك هو يحاول اليوم تثبيت رواية بديلة تقوم على أن القرار لم يأتِ نتيجة ضغط أو مصلحة ضيقة، بل إنه خيار سيادي اتخذ من دون مقابل، بالتالي لا مبرر للتراجع عنه، وفق رأيه.
ويردف في هذا السياق أن "الاعتراف الأميركي لا يناقش القانون الدولي ولا شرعية القرار، بل يعيد صياغة القصة السياسية المحيطة به، هو يتحدث بلغة النفوذ والتاريخ السياسي، لا بلغة القرارات الأممية، والرسالة واضحة، أنا اعترفت، أنا لم أطلب ثمناً، وأنا صاحب القرار. أما ما إذا كان هذا الاعتراف شرعياً أو غير شرعي، فذلك في منطقه مسألة ثانوية أمام منطق القوة وفرض الأمر الواقع".
في الأثناء تعد هضبة الجولان من المناطق الغنية بالموارد المائية حيث تغذي مياهها نهري الحاصباني والأردن، واحتلت تل أبيب ثلثي مساحة الهضبة في حرب يونيو (حزيران) أو حرب الأيام الستة عام 1967 بمساحة تقدر بـ 1260 كيلومتراً بينما تبلغ المساحة الكلية 1860 كيلومتراً، وأعادت 60 كيلومتراً لسوريا بعد اتفاق فك الاشتباك عام 1974.
لكن في 1981 أعلن الكنيست الإسرائيلي ضم الجزء المحتل من الجولان بصورة أحادية، ولم تعترف به الأمم المتحدة لكن مع أحداث سوريا الأخيرة استكملت سيطرتها الفعلية على كامل الهضبة.
وكان مجلس الأمن أقر خلال جلسته رقم 497 لعام 1981 عدم قبوله الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ورأى أن ذلك غير مقبول بموجب ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، وجاء في نص القرار "يعتبر قرار إسرائيل بفرض قوانينها وسلطتها في مرتفعات الجولان السورية ملغياً وباطلاً، ومن دون فاعلية قانونية على الصعيد الدولي، ويطلب من إسرائيل (قوة محتلة) إلغاء قرارها فوراً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجولان ثروة مخبأة
وفي خيمة نصبت عند مرتفعات الجولان عقد مجلس الوزراء الإسرائيلي جلسة استثنائية في يونيو (حزيران) عام 2019 صوت خلالها لمصلحة بناء مستوطنة "رامات ترمب" (مرتفعات ترمب)، في تجمع كيبوتز "كويلا بروشيم" الذي أقيم عام 1984، وتسكنه حالياً أربع عائلات من المستوطنين. وقال نتنياهو إن "الجولان إسرائيلي وسيظل كذلك"، واصفاً ترمب بأنه "صديق عظيم لإسرائيل، اتخذ قرارات لم تتخذ سابقاً".
ومع ذلك تتسارع خطوات تل أبيب منذ بداية العام الحالي في طريق استغلال الموارد الطبيعية في الهضبة وتشمل التنقيب عن النفط والغاز وحفر آبار لاستخراج المياه الجوفية، عبر فرق هندسية أجرت مسوحات جيولوجية.
يقول فاخوري "صحيح أنه لا توجد حتى اليوم اكتشافات نفط أو غاز مؤكدة قابلة للاستخراج التجاري، لكن الجولان شهد عمليات استكشاف، ويحوي مشاريع طاقة متجددة وإمكانات مستقبلية، وفي عقلية ترمب، هذه الاحتمالات تدخل مباشرة في حساب القيمة".
وثمة آمال لدى الإسرائيليين حيال تلك الأرض، فمنذ التسعينيات عملت فرق استكشاف نفطية على التنقيب، لكنها سرعان ما توقفت خلال عهد رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين لتعود مجدداً في عهد نتنياهو بثلاث عمليات تنقيب تشير إلى العثور على آبار ضخمة قدرت بمليارات البراميل من النفط الخام، يمكنها سد حاجة السوق الإسرائيلية التي تقدر بنحو 270 ألف برميل يومياً.
وبالحديث عن ثروات الجولان يحدد فاخوري قيمة المنطقة الاستراتيجية، حيث "يجمع الجولان بين عناصر قوة نادرة في منطقة واحدة، مما يجعله في نظر أي صانع قرار منطقة ثمينة بالفعل".
وأردف أن "الجولان أولاً خزان مائي استراتيجي، فالسيطرة على منابع المياه والينابيع التي تغذي نهر الأردن وبحيرة طبريا تعني امتلاك عنصر حيوي من عناصر الأمن القومي في منطقة تعاني شحاً مائياً مزمناً، وفي حسابات الدول هذا وحده يساوي كثيراً، والجولان أرض خصبة ومنتجة والتربة البركانية فيها حولت المنطقة إلى مساحة زراعية ذات قيمة اقتصادية فعلية، تنتج محاصيل وتدعم تربية المواشي. هذه ليست ثروة موقتة، بل مورداً دائماً ومستقراً".
ووفق خبراء جيولوجيين، في الجولان قرابة 4 مليارات متر مكعب من الماء، ويعد مصدراً مائياً لاحتوائه على أنهار ومنابع الأنهار ومجاريها وهضبة بركانية، ويضم مجموعة تلال متقاربة، ويكتسب كميات أكبر من المطر والسيول بسبب ارتفاعها، ومن بينها تل أحمر التي ترتفع 1187 متراً عن سطح البحر.
وبحسب دراسات مائية، فإن الجولان الذي تبلغ مساحته واحداً في المئة من مساحة سوريا الإجمالية يعطي مردوداً يعادل ثلاثة في المئة من المياه التي تسقط فوق الأراضي السورية، ويشكّل 14 في المئة من المخزون المائي السوري. ويضم علاوة على ذلك مشاريع زراعية وسياحية وطاقة بديلة، لا سيما إنشاء مزارع لطاقة الرياح وغيرها.
ومع كل ذلك يبقى موقع الجولان الأهم، لأنه يقع على منطقة مرتفعة تشرف على جنوب سوريا وشمال فلسطين، مما يمنحه ثقلاً عسكرياً وأمنياً كبيراً في العقيدة الاستراتيجية وفق ما يستعرضه فاخوري حول أهمية تلك المنطقة، ويرى أن السيطرة على الارتفاعات تعني السيطرة على المشهد.
وقال "عندما يتحدث ترمب عن ثروات الجولان، فهو لا يقلل ولا يبالغ، بل ينظر إلى الصورة الكاملة من ماء وأرض وموقع وإمكانات، وهذه العناصر مجتمعة تجعل الجولان في منطق القوة والسياسة منطقة تساوي الكثير فعلاً، حتى لو لم تكُن ثرواتها كلها تحولت بعد إلى أرقام في تقارير الطاقة".