كيف غيّر عام 2018 وجه الالتزام البيئي... ونقله من الهامش الى المتن

غسل النفايات البلاستيكية على شاطئ ساوث ترون في اسكتلندا. (غيتي)

إلى وقت قريب، اعتُبر الانشغال بحماية البيئة مسألة راديكالية.  وبرغم أن التغير المناخي كان يُعدّ مسألة فعلية [يعتد بها]، اكتفى معظم الناس بوضع سلة تدوير [للنفايات] في مطابخهم مفترضين، ربما بسبب الكسل أو التفاؤل الأعمى، أن الحكومات ستُقدم على ما يقتضيه الأمر من خطوات لضمان سلامة كوكبنا. و[الى وقت قريب] قوبل من يتكلم على المسائل الملحة التي تواجه الإنسانية، بنظرات لامبالية مستنكرة. ولكن يبدو أن هذه التصورات تغيرت في العام 2018 وانقلبت رأساً على عقب.

ففي سبتمبر (أيلول) المنصرم، كتبتُ مقالاً في ذي إندبندنت عنوانه "كل ما قيل لك عن البلاستيك مخطىء- والجواب [الحل] ليس إعادة التدوير". وفيه قلتُ أننا نحتاج إلى النضال من أجل تشريعات فعلية تتناول المعدات البلاستيكية المستخدمة مرة واحدة.  وحين نشر المقال، استعددتُ نفسياً لتلقي تغريدات [على تويتر] تبلغني أن التركيز على هذه المسألة غير مفيد وغير مهم.  وتوقعت أن تُستهجن التعليقات وعظات معانقي الشجر [دعاة انقاذ الشجر والحفاظ عليها] المتعالية، وأن تنساق وراء اتهامات [وذرائع] مضادة لتقويض المسألة المطروحة. ولكن المقال صار من أكثر المقالات قراءة هذا العام في خانة "كتاب ذي إندبندنت"، وتلقيت أكثر الردود الإيجابية عليه مما سبق أن كتبته.

 حينذاك ارتبكتُ، ولكن اليوم حين ألقي نظرة استعادية الى عام 2018، أفهم سبب ارتباكي. وعلى خلاف المتوقع، أشعر أن بعض الفضل يعود إلى دونالد ترمب. فانسحابه من اتفاق باريس للمناخ في 2017 سلّط الأضواء الإعلامية على الاتفاق هذا [وساهم في الترويج له] أكثر من التغطية الإعلامية له حين إبرامه قبل عام. وقرارات ترمب الشائنة أو المخزية هي مغناطيس [جاذب] لوسائل الاعلام البارزة والمهيمنة التي يمقتها كثيراً، وتثير [قراراته] مشاعر الغضب حتى في أوساط أولئك الذين لم يسبق لهم التفكير في ما يشغل رئيس من الرؤساء.   

وتوحدت صفوف اليسار في رفض الهجمات على السياسات البيئة، وبدأ الكلام على المسألة [البيئية] يصبح عادياً في الدوائر الليبرالية، ليس في أميركا فحسب بل كذلك في المملكة المتحدة التي صار شاغلها في العامين الماضيين كل خطوة يقدم عليها ترمب. وربما [الانشغال هذا] هو مخرج يجعل فوضى كارثة البريكزيت [عملية الانسحاب من الاتحاد الاوروبي] التي نجبهها في الداخل البريطاني تبدو أقل جنوناً، وهو جنون فرضناه على أنفسنا[جنيناه على أنفسنا]. ففي نهاية الأمر، قد نكون على شفير أسوأ  كارثة سياسية في التاريخ المعاصر، ولكن، على الأقل، ليس على سدة الدولة نجم من نجوم تلفزيون الواقع يغرد [على تويتر] كمهرج مهووس يبدو أنه يستمتع بتسريع وتيرة أفول الكوكب باسم الرأسمالية القومية. وتحولت نظرة الاستنكار الى إجماع كئيب حين مناقشة أنشطة بيئية في وقت لا يرغب أحد في المغامرة والكلام مثل ترمب [الظهور بمظهر  ترمب].    

 في الاثناء، في الشطر الأخير من 2017، أصدرت إحدى أكثر الشخصيات قرباً إلى قلوب البريطانيين، ديفيد أتينبورو "بلو بلانيت 2" (الكوكب الأزرق 2)، وهو سلسلة وثائقية تلقي نظرة فاحصة على أثر التلوث في الحياة البحرية [في ثروتنا البحرية]. وحصد الوثائقي هذا أعلى نسبة مشاهدة بين البرامج التلفزيونية في ذلك العام (2017)، وبلغ عدد المشاهدين 14.1 مليون. والردود [على السلسلة هذه] كانت فورية وواسعة الانتشار. ومع بث الحلقة الاخيرة في اليوم الاول من 2018،  ظهر في وسائل الاعلام الاجتماعية غضب المشاهدين مما رأوه. وصارالنقاش بشأن الاثر البيئي المترتب على خياراتنا في [تقويض] مواردنا الطبيعية، شائعاً ومألوفاً. وعُرف تعاظم إدراك مدى التلوث البيئي بـ"أثر أو وقع الكوكب الأزرق" [تيمناً بسلسلة ديفيد أتينبورو الكوكب الازرق]، وازدادت شعبية البرنامج، وولّد مناسبات تُنقل مباشرة [تنظيم حفل موسيقي من وحي السلسلة مثلاً].

 وعلى شبكة الانترنت، نبش ملهَمون جدد بشؤون البيئة [مهتمون جدد بشؤون البيئة] شريطَ فيديو يظهر سلحفاة استقرت في خياشيمها قشة بلاستيكية،  وانتشر الفيديو هذا، وولّد نقاشاً جديداً عن البلاستيك المستخدم مرة واحدة. وما حصل كان مفاجئاً وصادماً: بروز ميل راجح إلى حظر كامل- أو على أقل تقدير فرض نوع من ضريبة- على القشات [البلاستيكية] وغيرها من السلع، وقابل هذا الميل رأيٌ راديكالي أخذ يعارض الحظر هذا- وتصدّر هذه الحملة المناوئة مدافعون عن أصحاب الحاجات الخاصة. وهؤلاء حاججوا قائلين أن هذه الأنواع من السلع التي  تطرح مشكلات بيئية هي حيوية في حيوات أصحاب الحاجات الخاصة. ونحن نعيش في مجتمع يتجاذبه سياسياً الرأي والرأي المضاد، ويُتوقع أن تستخفه الحماسة في الخلاف حول المسائل. ولكن هذه هي المرة الأولى التي نرى بلوغ الالتزام البيئي مبلغاً من الذيوع حمله الى المتن [صار تياراً رئيسياً] حتى بدا أنه أقل تقدمية من [المطالبين بـ] الخيارات البديلة، وهذه احتسبت المنافع الأوسع للبلاستيك المستخدم مرة واحدة- وبُدىء انتقاده [وشيطنته] أخيراً.  

وقبيل عيد الميلاد، دار كلام كلّ دليل هدايا على زجاجات المياه وفناجين القهوة التي يعاد استخدامها، وعلى سلع اتنية الصناعة [أي يراعى في تصنيعها سلامة العامل ومحيطه كما سلامة المستهلك ] وحتى على بدائل مستدامة لأوراق تغليف الهدايا.  وأنشات البدائل عن البلاستيك صناعة مجزية تعوّل في استثماراتها على عادات أبناء الألفية [المولودين بين 1981 و2001] في الإنفاق الهادف، وتصدرت دَرَجة [نازع أو موضة] ليس هنالك مؤشرات الى  بدء انحسارها بعد، مع ابتعاد المتسوقين عن الأغلفة [البلاستيكية] وإقبالهم على ما يعاد استخدامه [قابل للاستخدام أكثر من مرة]، وبحثهم عن متاجر تبيع كميات كبيرة من سلع لا تحمل علامات [تجارية، ليست ماركات].

وموقفنا من صناعة الموضة تغيّر وانعطف انعطافاً كبيراً في العام المنصرم. ففي 2015، نبّه الفيلمُ المستقل "الثمن الحقيقي" [الثمن الفعلي]، كثيرين الى الأثر البيئي والانساني المترتب على [صناعة] الموضة السريعة [على ما يُقال المآكل السريعة، تجدد الموضة السريع والاستغناء عن السلع التي لا تجاري كل جديد]. ولكن انتشاره بقي محصوراً ولم يستطع منافسة وثائقي "أسرار [عالم] الموضة القذرة" من إخراج ستايسي دولي، الذي بثّته قناة "بي بي سي3" هذا العام.  وشاهد ملايين الأشخاص الذين لم يكونوا يوماً ليسعوا الى معرفة مثل هذا المحتوى، بعض الوقائع المزعجة أو المرة. وصار الوثائقي هذا الأكثر مشاهدةً على [تطبيق بي بي سي]"آي بلاير"، وبدا أن بريق الموضة السريعة يخبو، ولم تبقَ [الموضة هذه] طريقة مثيرة لإنفاق المال، ولو من دون تفكير، وبدا أنها أقرب إلى  مشروع رأسمالي قاسٍ يروّج [سلعه] في أوساط الشباب ويتستر على أثره السلبي والضار على الكوكب.

 وبث الوثائقي هذا للمرة الاولى في الثامن من أوكتوبر (تشرين الاول)، أي في اليوم نفسه التي نشرت فيه الأمم المتحدة تقريراً تاريخياً يظهر أننا نحتاج إلى تقليص انبعاثات غاز الدفيئة الى النصف تقريباً من اليوم إلى 2030 للحؤول دون كارثة بيئية. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، أعلن  وزير المال البريطاني، فيليب هاموند، مشروعه لموازنة الخريف، وشملت ضريبة على الأغلفة البلاستيكية التي تقل فيها نسبة المواد المعاد تدويرها عن 30 في المئة. فتقاطعت السياسة والثقافة الشعبية [ثقافة البوب] وميول أنماط الحياة والعلوم على تغيير طريقة تفكيرنا في الالتزام البيئي [حماية البيئة وسلامتها] تغييراً جذرياً.

وأخذ فجأة المؤثرون [في وسائط التواصل الاجتماعي]، وهم يحصّلون عيشهم بواسطة إقناع أتباعهم بشراء السلع التي يشيرون إليها في الروابط الالكترونية، يتكلمون على تجنب متاجر الثياب العادية والاتجاه الى الثياب "الاتنية" [تلك التي تراعي في صناعتها شروط سلامة العمال والمستهلكين والبيئة]. حتى أن  نيومي  سمارت، وهي من مستخدمي يوتيوب ونجومه وعدد المشتركين في حيزها 1.6 مليون، نظمت لقاء لمقايضة الثياب يرمي الى تشجيع الناس على تنويع استخدام ملابسهم وشراء تلك المستعملة حين يتسنى لهم. وقبل أعوام قليلة، كان سيل من الفيديوهات والمنشورات [البوستات] والروابط [الترويجية] التي تكر سبحتها الى ما لا نهاية يُظهر متعة التسوق في المتاجر العادية، ويُغرق "يوتيوب". حينذاك، كان ما يجري اليوم يعصى الخيال خارج محمية مؤلفي أو منتجي المحتوى البيئي.  

 ومن اليسير الاستخفاف بالوعي العام والقول أنه إيجابي ولكنه غير مهم. وبرغم أن الغالبية الواسعة منا في هذا البلد [المملكة المتحدة] ملتزمة تغيير طريقة عيشها رأساً على عقب لتقليص أثرها [أو البصمة أو الضرر] البيئي، فإن مساعيها هذه هي نقطة مياه [لا يعتد بها] في المحيط (ومنسوب مياه المحيطات يرتفع سريعاً مع ذوبان الجليد) قياساً على آثار الوقود الأحفوري المحروق لاستخراج الطاقة والغاز والمستهلك في تصنيع السلع اليومية مثل الاجهزة الإلكترونية وحتى في انتاج السلع الغذائية.

غير أن تغيير النظرة الى الالتزام البيئي من نظرة تعتبره راديكالياً الى نظرة تعتبره ميلاً رائجاً [على الموضة على نحو ما تقول العامية]، يخلّف أثراً أكبر مما يبدو عليه [للوهلة الأولى]. وفي متناولنا أدوات لمعالجة آثار التغير المناخي، وحريّ بالحكومات التحرك [والمبادرة الى خطوات تذلل آثار التغير المناخي]. فالضوابط على انبعاثات الكاربون وتشريعات التصنيع المسؤول [الذي يراعي السلامة البيئية]، إلى المساعدات في مجال الطاقة البديلة أو المتجددة، قادرة على تغيير الآفاق القاتمة أو الوخيمة التي نجبهها اليوم، تغييراً جذرياً. ولكن مثل هذا لن يحصل [متعذر] إذا  لم تصبح السياسات البيئية وازنة سياسياً.   

وحري بنا أن نظهر للمتنافسين [المتبارين] على السلطة أن السبيل الأمثل إلى انتخابهم [فوزهم] هو التركيز على هذه المسألة [إعلاء شأن المسألة البيئية]. وارتفع هذا العام مد الالتزام البيئي وتمدد إلى المتن [تحول تياراً رئيسياً]، وعامة الناس تتوسل بقوتها الإنفاقية [أو وزن إنفاقها] لتظهر وتثبت حرصها [البيئي]. وإذا بدأنا نستخدم قوتنا الاقتراعية على نطاق واسع، فالتغيير منتظر في 2019.  

© The Independent

المزيد من مناخ وجيولوجيا