ملخص
بدأ ديل تورو عمله في المؤثرات الخاصة، إذ كانت المخلوقات والطين والأطراف الاصطناعية والدماء المزيفة أدوات يومية في يده. ومع فيلمه الأول "كرونوس" (1993)، أدرك النقاد أنهم أمام مخرج لا يهرب من الوحوش، بل يتقدم نحوها بحنان.
في زحمة التكريمات التي شهدتها الدورة الـ22 من مهرجان مراكش السينمائي، التقت "اندبندنت عربية" المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، الذي كرس مسيرته الطويلة للغوص في أعماق الجوهر الإنساني الكامن داخل المخلوقات التي يصنعها على الشاشة.
وكانت منصة "نتفليكس" أطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي فيلم "فرانكنشتاين" Frankenstein لديل تورو الذي يجسد فيه أوسكار آيزاك شخصية "الدكتور فيكتور"، فيما يؤدي جاكوب إلوردي دور "المخلوق".
ويصف المخرج هذا العمل بأنه مشروع عمره، مؤكداً أنه يمثل بالنسبة إليه ما يشبه عقيدته وشغفه، معترفاً بأنه ما زال غير قادر على تحديد ما يمكن أن يطمح إليه بعد إنجاز هذا العمل.
يقول المخرج عن علاقته بالفيلم "يا إلهي… هذه ديانتي، لم أعش يوماً واحداً منذ السابعة دون فرانكنشتاين. المخلوق هو أنا، وفيكتور هو أنا… مهما بدا شكلك من الخارج، أنت وحدك تعرف أنك لا تنتمي."
في هذا التصريح وحده تختصر رحلة 40 عاماً، امتلأت بالمجازفة والفشل والديون والنجاحات المؤجلة، قبل أن تكشف في النهاية عن فلسفة ديل تورو الخاصة "الوحش ليس الآخر… بل نحن".
صانع الوحوش
بدأ ديل تورو عمله في المؤثرات الخاصة، إذ كانت المخلوقات والطين والأطراف الاصطناعية والدماء المزيفة أدوات يومية في يده. ومع فيلمه الأول "كرونوس" (1993)، أدرك النقاد أنهم أمام مخرج لا يهرب من الوحوش، بل يتقدم نحوها بحنان.
لكن فهم هذه العلاقة يتطلب الغوص في فلسفته الخاصة، التي قالها بوضوح في حديثه "كنت طفلاً أرى الرجال على التلفزيون بأسنان مثالية وجسد مثالي ولا يتعرقون أبداً. كنت أقول هذا مستحيل. الوحش يبدو أقرب إلى الحقيقة… يمكنني أن أكون على صورته."
بالنسبة إلى ديل تورو، "الوحوش ليست تجسيداً للخوف، بل ملاذاً للإنسان، الوحش فضاء يسمح لنا بأن نكون فوضويين، ضعفاء، ناقصين، بلا مخاوف من أحكام الآخرين".
ويضيف "العالم يطالب الناس بأن يكونوا مثاليين. الوحوش تسمح لهم بأن يكونوا فوضويين ومثاليين في الوقت نفسه، لهذا أردت دائماً أن أكون وحشا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يكون من المتعذر فهم نفسية ديل تورو ومسار تطوره المهني من دون التوقف عند علاقته بما يصنف على أنه "رعب" في أفلامه، فالرجل فيلسوف حقيقي، وشغفه في هذا النوع من الأفلام والمخلوقات [الوحوش] يعود لرغبة دفينة في إبراز الإنسانية في كل حللها والكشف عن ألوانها أمام العالم.
هذا المخرج المشغول بالحاضر يرى أن التعبير عن المشاعر ضرورة لا غنى عنها إذا أراد العالم أن يتعافى من جروحه العميقة، وهو يذهب أبعد من ذلك، رابطاً بين كبت هذه المشاعر وصعود موجات العنف والفاشية.
وديل تورو من بين قلة من الفنانين الذين وجهوا نداء مباشراً إلى الحكومات لوقف الإبادة في غزة، سواء في "مهرجان كان" أو في "مهرجان البندقية". وقد شدد على موقفه قائلاً "لا أعرف ماذا يمكن أن يسمى ما يجري، وبما أنني تحدثت عن الأمر مرتين فهذا لم يكن من قبيل المصادفة.
صبر ثلاثة عقود
لا يخجل ديل تورو من كشف عتمة مسيرته، فهي بالنسبة إليه ليست قصة نجاح تدريجي، بل سلسلة ارتطامات.
يوضح "عندما يقول الناس لقد كانت لديك مسيرة جيدة، أقول لو أخبرتني بذلك في 1997 لكنت سعيداً. وفي 2003 أيضاً. بدأت بـ’كرونوس‘ وأنا في الـ26 وأنهيته مثقلاً بديون ربع مليون دولار."
ولقي فيلمه الروائي الأول "كرونوس"Cronos ترحيباً من النقاد، قبل أن يعود بعد خمسة أعوام ليقدم فيلمه التالي "ميميك" Mimic الذي حقق نجاحاً أيضاً، الذي شكل اللحظة التي بدأ فيها هوسه بالمخلوقات يتبلور بوضوح ضمن مسيرته السينمائية.
يقول "ثلث مسيرتي كنت خلالها بلا عمل، كتبت 42 سيناريو ولم ينتج منها سوى 13 فيلماً."
ثم يقدم التشبيه الأكثر قرباً إلى روحه "من الخارج يظن الناس أنك تقود سيارة، لكن من الداخل أنت تطير عبر الزجاج الأمامي. أسنانك تتحطم على المقود، وعظمة الترقوة تنكسر، ويستغرق الأمر 30 عاماً لتخرج من الحادثة."
ووسط هذه الفوضى، "كان هناك شيء واحد ثابت: فرانكنشتاين. خلال تلك الحادثة الطويلة، كنت أقول: أرجوك يا فرانكنشتاين، اجعل كل شيء على ما يرام."
حين يصبح الوحش منقذاً روحياً
يمنح ديل تورو الوحوش دوراً أخلاقياً، ليس بوصفها "أعداء"، بل كائنات تجبرنا على مواجهة حقيقتنا. يشرح ذلك قائلاً "هناك قانون في الميتافيزيقا: كلما دفنت الوحش الداخلي أعمق، ازداد بريقه. الشيء الذي لا تتحدثين عنه يسيطر عليك. وإذا تحدثت عنه فأنت من يسيطر عليه."
هذه الرؤية تتجاوز السينما نحو فهمه للعالم اليوم، إذ يرى أن كبت المشاعر يغذي موجات العنف والفاشية "أفضل شيء يمكن أن يقال لك هو أن تصمت؟ هذا فظيع. قمع العاطفة يخلق قلقاً، وأنا بطبيعتي شديد العاطفية، ولا أرى في ذلك عيباً."
في "فرانكنشتاين"، لا يكتفي ديل تورو بإعادة تقديم الرواية، بل يقلب معناها. المخلوق ليس تجسيداً للرعب، ولا ضحية لغرور العلم فقط، بل هو حقيقة الإنسان العارية حين تسحب منه كل الخرافات الاجتماعية.
لذلك يعيد توظيف صور كلاسيكية مثل صورة الوحش وهو يحمل امرأة "في أفلام الرعب تكون صورة مرعبة. في أفلامي هي مثل فرح العروس، لحظة انسجام."
ويشرح أسلوبه "كل قرار في الفيلم هو لصالح المخلوق. أكتبه بطريقة غير متوقعة، ليس كما اعتدنا رؤيته."
ولدى سؤالنا له عن احتكار المنصات الكبرى للسوق، بدا ديل تورو غير خائف، "هذا النوع من الاحتكار غير مسبوق، لكنه سيولد حركة مضادة. كما حدث في الستينيات عندما ظهر ’إيزي رايدر‘ وغير كل شيء."
ومن ثم يقدم أطروحة مثيرة حول معنى القصة، "الاستوديوهات قد تملي الشكل، لكنها لا تملي من نكون. القصص علاقة روحية ودينية، ولن تتغير هذه الرابطة أبداً."
بعد عقود من صناعة الوحوش، يرى ديل تورو في فيلمه الجديد نهاية مرحلة كاملة من حياته، "سئمت من الاستماع إلى صوتي… وأريد أن أتغير. ’فرانكنشتاين‘ ختام أسلوب كامل، وبداية لأسلوب آخر."
ويضيف بابتسامة خفيفة "الآن جاء فرانكنشتاين، ولا أعرف لأجل ماذا سأصلي تالياً."