Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ازدواجية السياسي والثقافي" يكشف مشكلات "اليونسكو"

الباحث الفرنكوفوني بهجت رزق يكتب مذكرات 35 عاما في المنظمة الدولية

مقر اليونسكو في باريس (خدمة اليونسكو)

ملخص

يقدم بهجت رزق في كتابه "ازدواجية السياسي والثقافي، 35 سنة في خدمة اليونسكو" الصادر حديثاً بالفرنسية عن منشورات إريك بونييه - سلسلة "حبر الشرق"، شهادة فريدة تجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفكري والتحليل السياسي – الثقافي، مستنداً إلى أكثر من 35 عاماً من العمل كمستشار ثقافي لدى بعثة لبنان إلى المنظمة الأممية للتربية والعلم والثقافة.

ليس الكتاب بحثاً أكاديمياً بالمعنى الحصري للكلمة، ولا مجرد شهادة وظيفية، بقدر ما هو نص يتقاطع فيه الهم الوجودي مع خبرة رجل عاش في قلب منظمة اليونسكو التي شدد ميثاقها على "بناء السلام والمساواة في عقول البشر"، وعلى تعزيز الإنسانية المشتركة من خلال تدعيم التربية والعلم والثقافة وصون التراث الإنساني وضمان الوصول إلى المعلومات الموثوق بها، غير أن الكاتب شاهد من موقعه هشاشة هذه المهمة أمام منطق الدول وصراع الهويات.

يفتتح بهجت رزق الآتي من خلفية الفلسفة والآداب والحقوق والعلوم السياسية كتابه بصرخة غضب، لكن هذا الغضب، كما يوضح، ليس انفعالاً لحظياً، بقدر ما هو تراكم لعقود من مشاهدة انهيارات متتالية، من بدايات الحرب اللبنانية إلى الحروب والصراعات المتجددة في العالم، وصولاً إلى صعود النزعات القومية والعرقية والدينية المتطرفة، التي يرى أنها في جوهرها صراعات ثقافية، لكنه سرعان ما يؤكد أن تعريف "الثقافة"  و"الثقافي" ما زال "غائماً" على رغم أهميته في عالم تتزايد فيه العلاقات بين الشعوب تشابكاً وتعقيداً، لذا كانت الفرضية التي انطلق منها أن الصراعات السياسية ليست إلا تعبيراً عن توترات ثقافية دفينة، وأن غياب تعريف متماسك للثقافة يجعل إدارة هذه الصراعات حقلاً من الارتجال. فالحرب الأهلية اللبنانية لم تكن بالنسبة إلى رزق مجرد حدث سياسي، بل مختبراً هائلاً لتفكك الهوية الثقافية واستحالة بناء سردية وطنية جامعة.

وقد انعكست تداعياتها المقيتة على وعيه حين انتقل لتمثيل لبنان في "اليونسكو"، إذ وجد نفسه، على ما يقول، يمثل "ثقافة غير مكتملة التعريف"، محاولاً صياغة خطاب هوياتي جامع لشعب متعدد الطوائف والمصالح. ولئن جعلته هذه التجربة أكثر حساسية لمسألة التعددية الثقافية ولحدودها، فإنها أكسبت تحليلاته طابعاً عملياً بعيداً من التجريد النظري.

الإنقسامات الثقافية

يخصص رزق جزءاً كبيراً من كتابه لنقد "اليونسكو"، المؤسسة التي دخلها عام 1990 بشغف المثقف المؤمن بقدرة الثقافة على تجاوز الانقسامات، ليخرج منها بعد عقود بإحساس الخيبة. فهو يرى أن المنظمة الكونية التي أبصرت النور بعيد الحرب العالمية الثانية التي جاءت شعاراتها المرفوعة في اتجاه الدفاع عن الثقافة وحقوق الإنسان، باتت اليوم بحاجة إلى إصلاح، على مستوى التفكير، وإلى شيء يغير مقاربتها لإشكالية الهوية. فالمسألة لا تتعلق بغياب الموظفين الجيدين أو الخبراء الأكفاء، بل بفقدان البعد الفكري، الذي جعل من عملها عبارة عن بيروقراطية دولية تخضع لاعتبارات الحكومات أكثر مما تدافع عن الثقافة والسلام.

بعبارة أخرى يقدم بهجت رزق قراءة نقدية للتحولات في بنية "اليونسكو"، كتراجع دور المثقفين الذين كانوا سابقاً جزءاً أساسياً من مجلسها التنفيذي، لصالح ممثلين حكوميين بلا رؤية فكرية مستقلة. كما يتوقف أمام هيمنة الإرادة السياسية للدول على النقاشات الثقافية، مما جعل المنظمة عاجزة عن لعب دور فعال في إدارة أو استباق الصراعات الثقافية، فضلاً عن تحول العمل الثقافي إلى مجرد خطابات ومؤتمرات وبيانات وأجوبة جاهزة، يطلق عليها اسم "الفضيلة التصريحية" التي لا وقع أو ترجمة لها على أرض الواقع، لكونها بعيدة من منطق السؤال المؤسس للوعي.

يؤكد رزق أن المثقفين هجروا "اليونسكو" منذ الخضة الفكرية التي أثارها عالم الأنثروبولوجيا وعضو الأكاديمية الفرنسية كلود ليفي ستروس بمحاضرته الشهيرة "العرق والثقافة"، وأن قاعات المنظمة لم تعد تشهد أي نقاش أو مساءلة، وهو ما لاحظه أيضاً المفكر الفرنسي روجيه بول دروا، الذي رأى أن القائمين على هذه الهيئة الأممية فضلوا راحة البال والابتعاد من كل مساءلة قد تعرضهم لخطر وقف التمويل، ولا سيما من الولايات المتحدة الأميركية. فكانت الخلاصة التي انتهى إليها قاسية، مفادها بأن "اليونسكو" لم تعد "مختبراً كونياً للأفكار" ولا واحة لحوار الثقافات بل فضاء خشبياً وواجهة تكرر الخطاب الرسمي للدول.

في هذا التحليل للعلاقة المتوترة والملتبسة بين السياسي والثقافي، بين الهوية كعنصر انتماء وجودي والسياسة كإدارة واقعية لمصالح اقتصادية متصارعة، يرى الكاتب أن هذه الازدواجية تكاد تكون غير قابلة للحسم. على سبيل المثال، تسعى الثقافة إلى الشمول والاعتراف المتبادل، في حين أن السياسة تنزع نحو المنافسة والسيطرة. وفي هذا التعارض الجذري بين السياسي والثقافي تكمن بحسبه جذور معظم الأزمات. فلا يمكن مثلاً الحديث عن "حوار الثقافات" من دون الاعتراف بـ"تداخلها وصدامها" المرتبط بالعولمة، الذي يسكن في عمق التجارب البشرية. في هذا الصدد ينتقد رزق محاولات تغليف الواقع بلغة توافقية فارغة، معتبراً أن مواجهة الحقيقة شرط لأي مشروع سلام ثقافي.

مساهمات فكرية

 أحد أهم مساهمات بهجت رزق الفكرية في هذا الكتاب التذكير بأول تعريف في التاريخ أعطاه هيرودوتس لمفهوم الأمة وللعناصر الثابتة التي تشكل هيكل الهوية الثقافية الجماعية، وقد سبق له أن عالجها في كتابه "معايير هيرودوتس – أو الهويات الثقافية الجماعية" الذي ضمه أيضاً إلى هذا الكتاب، أي الدين، واللغة، والعرق، والعادات. هذه المعايير الأربعة، ليست مجرد عناصر إضافية للثقافة، بل نقاط ارتكاز للهوية تحدد كيفية تشكل الجماعات وكيفية تفاعلها وصراعها، ولعل تفعيلها كأداة لفهم الصراعات المعاصرة ضروري في زمن العولمة.

 ولئن أصر الكاتب على أن أية محاولة لإدارة التنوع الثقافي من دون فهم هذه المعايير محكوم عليها بالفشل، فلأن هذه العناصر تحرك بحسبه اللاوعي الجمعي وتستجيب لغرائز الخوف والبقاء، وقد تتحول بسهولة إلى أدوات تعبئة عنيفة.

بالتوازي مع هذه التحليلات، يذكرنا رزق بالمقاربات المختلفة لمفهوم الأمة والهوية كما تبدت في كتابات يوهان غوتليب فيخته وإرنست رينان، مستعيداً مفارقة وجودية أساسية قوامها أن الإنسان مفطور على الانتماء إلى جماعة محددة ذات إرث ثقافي، لكنه يطمح في الوقت عينه إلى الانفتاح على إنسانية شاملة. هذه المفارقة تخلق توتراً دائماً بين التمسك بالخصوصية، وبين الرغبة في التواصل مع الكل الإنساني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ويرى رزق أن "اليونسكو" فشلت لأنها تبنت خطاباً عالمياً طوباوياً يتجاهل هذا التوتر البنيوي، بدل أن يبني آليات تفاوض حقيقية بين الثقافات. من هذه الزاوية، يحلل تراجع نموذج الدولة الأمة في ظل العولمة، وصعود الهويات الجزئية والطائفية والإثنية في مختلف أنحاء العالم، موضحاً أن العولمة لم تؤد إلى خلق فضاء بشري موحد، بل أدت إلى تفكيك الانتماءات التقليدية وإثارة القلق الوجودي، مما جعل الأفراد أكثر تمسكاً بهوياتهم الثقافية.

 متكئاً على مجموعة من الأمثلة، يشير رزق إلى الحرب القائمة في أوكرانيا والصراع الكردي - التركي، وإلى النقاشات الدائرة في فرنسا حول الهجرة والإسلام والهوية والعلمانية وسواها، معتبراً أن هذه الأزمات انعكاس طبيعي لعدم القدرة على إدارة التعدد على أسس عقلانية.

تنبع أهمية هذا الكتاب من جوانب عدة: أولها أنه شهادة داخلية من قلب المنظمة الأممية، فالكاتب لم يراقب الأزمة من الخارج، بل عايشها، هو الذي شهد تحولات "اليونسكو"، وهي تفقد قدرتها على التأثير. ولعله دمج بين تجربته المعيشة إبان الحرب في لبنان والتحليل الفكري بطريقة منحت النص عمقاً وجودياً جعل القارئ يشعر بأن "الهوية" ليست مسألة نظرية، بل مسألة حياة وموت.

 كتاب بهجت رزق نقد جريء للخطاب العالمي حول التعددية الثقافية، وفي الوقت عينه دفاع عن ضرورة بناء آليات تفاوض واقعية بدل الاكتفاء بالشعارات ولو تبنى في بعض المقاطع نبرة رثائية، وهو أمر مفهوم من رجل عاش خيبات كبيرة. ليس هو مجرد كتاب عن "اليونسكو" أو عن الهوية، إنه في جوهره، وبلا أدنى شك، تأمل طويل في معنى الانتماء ومعنى الإنسان ومعنى الاعتماد على الثقافة كجسر للعلاقات بين الأفراد والحضارات  بغية عيش الاختلاف في عالم مضطرب. وإنه أيضاً محاولة جادة للكشف عما يجري خلف خطاب التعددية والتسامح وإعادة التفكير في معنى الثقافة كقوة تكوينية يمكنها أن تبني أو أن تدمر، لكنه قبل كل شيء دعوة إِلى استعادة منظمة "اليونسكو" جوهر رسالتها التأسيسية وتصويب مسارها، مثلها مثل مجمل منظومة الأمم المتحدة، في وقت تتفاقم فيه الصراعات الثقافية وتتسارع ضمن سياق العولمة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة