ملخص
على رغم أن قصة الفيلم السينمائي "محاربة الصحراء" عربية خالصة في جذورها وشخصياتها وبيئتها، إلا أن أكثر ما أثار انتباه أرباب الفن السابع، كان الخيار اللغوي الذي اعتمده صناع العمل، إذ جاءت الحوارات بالكامل باللغة الإنجليزية.
هل لك أن تتخيل أن تشاهد عملاً سينمائياً عن الملك "ألفريد العظيم"، ملك ويسيكس والمدافع عن إنجلترا ضد غزوات الفايكنغ، لكنه يظهر على الشاشة وهو يتحدث بلسان عربي فصيح لا يمت إلى تاريخه ولا إلى أرضه بصلة؟
لربما يبدو الأمر غير مألوف، وربما يثير الدهشة أو حتى الرفض لدى بعضهم، لا لأن اللغة العربية عاجزة عن التعبير، ولكن اختلاف اللسان عن الهوية والمكان يحدث فجوة يصعب تجاوزها.
بهذا الشعور خرج بعض الحاضرين بعد مشاهدة فيلم "محاربة الصحراء" في عرضه الأول بمهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي أعاد سرد معركة "ذي قار" الشهيرة، التي دارت رحاها في مطلع القرن السابع الميلادي بين القبائل العربية وجيش الإمبراطورية الساسانية بقيادة كسرى.
وعلى رغم أن الفيلم يستلهم تلك الواقعة التاريخية، فإن صانعيه اختاروا أن يقدموا الحكاية بلسان مختلف، إذ جاءت الحوارات بالكامل باللغة الإنجليزية، حتى تلك التي دارت على لسان شخصيات عربية خالصة الجذور والبيئة والانتماء.
قصة الفيلم
يفتتح الفيلم سرديته بتتبع قصة الأميرة هند بنت النعمان ووالدها النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، في مرحلة تتصاعد فيها التوترات بين العرب والفرس، وصولاً إلى الملحمة الشهيرة.
يتصاعد خط الحبكة حين يرفض النعمان الانصياع لأوامر الإمبراطور الساساني كسرى، الذي يطالب بتسليم ابنته لتكون محظية في قصره، فيتحول غضبه عليهما.
ليجد الأب وابنته نفسيهما أمام خيار واحد: الفرار إلى عمق الصحراء، لتبدأ مطاردة يقودها القائد الساساني جلابزين عبر تضاريس وعرة.
وأثناء الهرب، يلتقيان بلص غامض ينضم إليهما في تحالف فرضته الظروف، وتتصاعد المواجهات مع اقتراب القوات الساسانية، بينما تحاول هند توحيد القبائل العربية المتفرقة.
وتبلغ الأحداث ذروتها في تصوير معركة "ذي قار"، إذ يقدم الفيلم مشاهد اصطفاف القبائل العربية في مواجهة الجيش الساساني.
الفيلم من إخراج روبرت وايت، الذي شارك في كتابة السيناريو مع إريكا بيني وديفيد سيلف.
وعلى رغم استلهام العمل لتلك الملحمة، يؤكد المخرج البريطاني وايت أن الفيلم لا يقدم توثيقاً تاريخياً، بل قصة خيالية مستوحاة من الحقبة.
الخيار اللغوي
وعلى رغم أن القصة عربية خالصة في جذورها وشخصياتها وبيئتها، فإن أكثر ما أثار انتباه أرباب الفن السابع، كان الخيار اللغوي الذي اعتمده صناع العمل، إذ جاءت الحوارات بالكامل باللغة الإنجليزية، بما في ذلك الشخصيات العربية التاريخية مثل النعمان بن المنذر، وابنته هند، وزعماء القبائل العربية منها قبيلة "بني شيبان" بقيادة هاني الشيباني.
وخلال 114 دقيقة، وهي مدة الفيلم، لم تظهر اللغة العربية سوى في لقطات هامشية محدودة لا تتجاوز المرة أو المرتين، مما خلق نوعاً من "الاغتراب الشعوري"، كما وصفه بعض الحاضرين، لا سيما في المشاهد المفصلية التي تروى أصلاً في الثقافة الشفهية العربية.
وتتجلى المفارقة في أحد أبرز المشاهد، وبعد انتصار العرب في معركة ذي قار، تعلو في الخلفية أصوات رقصة "الدحة"، وهي موروث شعبي عربي عريق ارتبط تاريخياً بهذه المعركة، وتنتشر بصورة واسعة في شمال الجزيرة العربية، لا سيما في شمال السعودية والأردن وفلسطين وسوريا والعراق.
وبدا ظهور "الدحة" محاولة لإضفاء لمسة عربية على مشهد سينمائي عالمي النزعة، لكنها بدت في نظر كثير من الحاضرين غير كافية لتعويض غياب اللغة الأم عن الحكاية الأصلية.
هذا التباعد بين هوية القصة ولغة عرضها فتح نقاشاً نقدياً واسعاً بعد انتهاء العرض، إذ تساءل كثيرون عن جدوى تقديم حكاية من عمق التراث العربي بلسان لا يشبهها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المكان واللغة والإنتاج
ويتسع هذا التباين أكثر عند النظر إلى مواقع التصوير، إذ صور الفيلم في مدينة نيوم شمال غربي السعودية، ضمن تضاريس قريبة جداً من المشهد الأصلي لمعركة ذي قار، في بيئة عربية نقية من حيث الإيقاع الجغرافي والضوء والمشهد الصحراوي المفتوح.
ومع هذا الحضور العربي في المكان والإطار البصري ، ظل الحوار بلغة لا تشبه تلك الأرض ولا شخوصها، إذ تظهر المفارقة في أن الشخصيات تتنقل في صحراء الجزيرة العربية، وهي تتحدث الإنجليزية، مما دفع بعض النقاد إلى الحديث عن حالة "انفصال" بين روح الحكاية وطريقة تجسيدها.
ورأى فريق من النقاد أن تقديم حكاية عربية خالصة بلسان لا ينتمي إلى سياقها يخلق فجوة سردية كان يمكن تفاديها لو احتفظ الفيلم، ولو جزئياً، بلغته الأصلية حفاظاً على طبقته الثقافية.
مع أن الفيلم يحمل توقيع استوديوهات "أم بي سي" كجهة عربية رئيسة في الإنتاج، إلى جانب شركتي JB Pictures وAGC Studios، مما يضعه ضمن المشاريع العربية ذات الطموح العالمي.
في المقابل، اعتبر آخرون أن استخدام الإنجليزية خيار إنتاجي مقصود، يستهدف توسيع نطاق المشاهدة وإتاحة الفرصة للعمل للظهور في منصات عالمية ومهرجانات دولية، لا سيما أن حجم الإنتاج وطموحه يتجاوزان الإطار المحلي، مما يجعل اللغة جزءاً من حسابات الصناعة أكثر من كونها عنصراً سردياً فقط.
نجوم العمل
ضم الفيلم طاقماً تمثيلياً متنوعاً يجمع بين الشرق والغرب، إذ شارك عدد من الممثلين العرب إلى جانب نجوم عالميين، مما منح العمل طابعاً إنتاجياً يجمع بين المحلي والعالمي.
ولعب الممثل الأميركي أنتوني ماكي دور البطولة مجسداً شخصية لص غامض يلتقي بالأميرة هند ووالدها النعمان أثناء رحلة هرب محفوفة بالأخطار، وهو اسم معروف عالمياً من خلال مشاركته في أفلام مارفل بشخصية "فالكون".
أما شخصية كسرى، الإمبراطور الساساني، فجسدها الممثل البريطاني الحائز على الأوسكار بن كينغسلي، أحد أبرز الأسماء في السينما العالمية، الذي اشتهر بتجسيد شخصية "غاندي".
ويؤدي الممثل الجنوب أفريقي شارلتو كوبلي دور القائد الساساني جلابزين، وهو ممثل ارتبط اسمه بأفلام الخيال العلمي مثل "District 9".
ومن الجانب العربي، برز النجم السوري غسان مسعود في دور النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، مستنداً إلى خبرته الطويلة في الأعمال العربية والعالمية، ومنها مشاركته في المسلسل التاريخي "عمر".
وأدت الممثلة البريطانية ذات الأصول السعودية عائشة هارت دور هند بنت النعمان، بينما شارك في الأدوار الداعمة الممثل الفرنسي من أصل تونسي سامي بوعجيلة، والممثلة الفلسطينية لميس عمار، والممثل البريطاني من أصل مغربي نبيل الوهابي، والممثل البلجيكي من أصل مغربي سعيد بمذوغه.
ويعكس هذا التنوع في الخلفيات والجنسيات رغبة صناع العمل في تقديم رؤية واسعة النطاق لفيلم تاريخي ينتمي إلى سياق عربي، لكنه موجه ليخاطب جمهوراً عالمياً.
إلا أن المفارقة تتجدد هنا أيضاً، فعلى رغم حضور عدد من الممثلين العرب في أدوار محورية، بقيت اللغة الإنجليزية القالب الوحيد الذي تحركت فيه الشخصيات، مما أضاف طبقة جديدة من النقاش حول مدى انسجام العمل مع هويته الثقافية، وكيفية الموازنة بين الجذور العربية والطموح العالمي.
ويعد العمل السينمائي أضخم إنتاج سعودي مشترك مع هوليود، وخطوة جديدة في مسار تطور الصناعة السينمائية السعودية وانفتاحها على الأسواق العالمية، وبلغت موازنته نحو 150 مليون دولار أميركي.