ملخص
تُعد "أفريكوم" التي تتخذ من جيبوتي مركزاً رئيساً لعملياتها في القارة السمراء لدعم جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي، واحدة من القيادات العسكرية الموحدة التابعة لوزارة الحرب الأميركية، ويقع مقرها في معسكر "ليمونييه" بجيبوتي، وهو القاعدة الأساسية للقوات الأميركية في منطقة القرن الأفريقي، حيث يتمركز الجنود ويجري تنسيق العمليات العسكرية والأمنية.
أكدت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في بيان رسمي اعتبار إقليم صوماليلاند جزءاً لا يتجزء من الدولة الصومالية، في تطور يعكس دعم وحدة الأراضي الصومالية وسلامتها الإقليمية أمام جهود حكام الإقليم للانفصال.
جاء البيان الأميركي بالتزامن مع زيارة قائد "أفريكوم" الجنرال داغفين أندرسون، إلى إقليمي صوماليلاند وبونتلاند، إذ التقى رئيسا الإقليمين، بجانب المسؤولين المحليين لمناقشة تعزيز التعاون الأمني والإجراءات المشتركة لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن دعم جهود الاستقرار الإقليمي.
وبحث الجنرال أندرسون خلال زيارته سبل حماية المصالح الأميركية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، اللذان يُعدان ممرين استراتيجيين مهمين للتجارة والطاقة على المستوى الدولي.
يأتي ذلك بعد زيارات متكررة لمسؤولين أميركيين (عسكريين وسياسيين وأعضاء كونغرس) إلى العاصمة هرجيسا، بالإضافة إلى ميناء "بربرة" الاستراتيجي الواقع بالقرب من خليج عدن.
وتُعد "أفريكوم" التي تتخذ من جيبوتي مركزاً رئيساً لعملياتها في القارة السمراء لدعم جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي، واحدة من القيادات العسكرية الموحدة التابعة لوزارة الحرب الأميركية، ويقع مقرها في معسكر "ليمونييه" بجيبوتي، وهو القاعدة الأساسية للقوات الأميركية في منطقة القرن الأفريقي، حيث يتمركز الجنود ويجري تنسيق العمليات العسكرية والأمنية.
وكان رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله عرو، استقبل قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين أندرسون، ونائب السفير الأميركي لدى الصومال جاستن ديفيس، الأربعاء الماضي في القصر الرئاسي بهرجيسا، ودارت مباحثات حول سبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين. وخلال اللقاء شدد الرئيس على الدور الذي تلعبه حكومته في حفظ الأمن الإقليمي، مؤكداً أن التجربة الطويلة للإقليم في الاستقرار السياسي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود تجعل منه شريكاً أساسياً في الجهود الهادفة إلى حماية ممرات الملاحة الدولية.
بادرة مهمة
يرى الباحث الصومالي عيدي محمد، أن البيان الصادر عن "أفريكوم" يعد وثيقة مهمة تعزز وحدة الصومال وسلامة أراضيه، بخاصة أنها تتزامن مع مؤشرات عدة ظلت توحي بإمكانية اعتراف الولايات المتحدة باستقلال الإقليم الصومالي المطالب بالانفصال، وذلك ضمن سياق إقليمي يتعلق بمخرجات الحرب في غزة، بالإضافة إلى الاضطرابات الأمنية في حوض البحر الأحمر.
ويضيف عيدي أن حكومة صوماليلاند السابقة، وكذلك الحكومة الحالية التي يقودها عرو، ظلت تعرض على الولايات المتحدة والقوى الغربية الاعتراف باستقلال الإقليم مقابل خدمات أمنية وعسكرية واستخباراتية تعرض الأمن القومي الصومالي لمخاطر عدة، مشيراً إلى التسريبات المتعلقة بإمكانية قبول هرجيسا تهجير الفلسطيين من غزة إلى الإقليم مقابل الاعتراف الأميركي.
ونوه إلى تقرير صادر عن "المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي"، الذي كشف عن رغبة صوماليلاند في إقامة علاقات تعاون مع إسرائيل والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. وقد وصف التقرير سكان الاقليم بأنهم موالون للغرب بشدة وكارهون للتطرف، مشيراً إلى أن التقرير نصح بضرورة استفادة تل أبيب من الوضع الإقليمي الراهن، بخاصة الاستقرار الذي يشهده الإقليم الصومالي المطالب بالانفصال وموقعه الجغرافي، لاتخاذ خطوات عملية في اتجاه إقامة علاقات تخدم مصالحها.
ويضيف عيدي أن التقرير الإسرائيلي الأخير أشار إلى أن الولايات المتحدة زادت في الفترة الأخيرة من زياراتها الرفيعة المستوى للإقليم، موحياً بوجود رغبة أميركية للاعتراف باستقلال صوماليلاند. ويتابع أن صدور بيان "أفريكوم" في هذا التوقيت بالذات يعد انتصاراً لمقديشو في ظل تعاظم التهديدات في شأن الوحدة الترابية للصومال.
وأوضح عيدي أن بيان القوة التابعة لوزارة الحرب الأميركية، سيقطع الطريق أمام القوى الإقليمية والمحلية التي تحاول استباحة السيادة الصومالية، بخاصة الدول التي ترتبط بعلاقات متقدمة مع الولايات المتحدة، وعلى رأسها إثيوبيا التي سبق أن وقعت مذكرة تفاهم مع هرجيسا تمكنها من إيجاد منفذ بحري على السواحل الصومالية مقابل الاعتراف باستقلال صوماليلاند.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أنه على رغم تراجع التهديدات الناتجة عن تلك المذكرة غير القانونية نتيجة توقيع اتفاقية أنقرة بين أديس أبابا ومقديشو، فإن سعي إثيوبيا إلى رفع تمثيلها الديبلوماسي في هرجيسا، بالإضافة إلى التنسيق الأمني والاستخباراتي مع حكومة عرو، بما ينتهك سيادة وسلامة الصومال، ظل يمثل هاجساً يؤرق الصوماليين، سيما بعد إعلان حكومة صوماليلاند عن قرارات تتعلق بمنع عبور أية طائرات مدنية لمجالها الجوي من دون الحصول على إذن مسبق من هرجيسا، عوض مقديشو.
وأكد أن هذه القرارات، بعيداً من عدم قانونيتها، أثرت سلباً على مداخيل الحكومة الصومالية، إذ إن شركات الطيران التجارية لا يمكنها تجاهل تحذير أو إعلان رسمي صادر عن جهة تتحكم في مجالها الجوي، مضيفاً أن "شركات التأمين ترفع فوراً تغطيتها التأمينية عن أية طائرة تخالف تلك التحذيرات، إذ يُعد ذلك مجازفة غير محسوبة تعرض حياة الركاب والطائرة نفسها لمخاطر جسيمة".
نقاط ارتكاز
من جهته يرى الكاتب المتخصص في الشأن الصومالي عبد الرزاق فارح، أن واشنطن تعتبر ميناء "بربرة" الواقع في إقليم صوماليلاند نقطة ارتكاز يمكن أن تسهم في تحقيق توازن بين دول المنطقة، بخاصة في ظل التوترات القائمة في خليج عدن ومداخل البحر الأحمر التي تعد ممرات استراتيجية للمصالح الغربية، وبوجه خاص للولايات المتحدة، سواء على المستوى التجاري أو العسكري والجيوسياسي، مؤكداً أنه على رغم تكرار الزيارات الرسمية لمسؤولين أميركيين لعاصمة الإقليم المطالب بالانفصال فإن الحكومة المركزية في مقديشو لم تبد قلقاً في شأنها، لجهة تنسيقها مع واشنطن في ما يخص تواجدها في المناطق الاستراتيجية الواقعة تحت إدارة حكومة هرجيسا، لا سيما وأنها تتم بالتنسيق المباشر معها.
وأشار إلى أن "مقديشو تدرك جيداً أن زيارات الوفود السياسية والعسكرية الأميركية إلى صوماليلاند تأتي في إطار إعادة رسم المشهد الاستراتيجي في المنطقة عموماً، وبما يضمن تحييد أي تدخل من قبل أطراف إقليمية مثل إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة".
يوضح فارح أن تأكيد "أفريكوم" في بيانها الأخير على احترام سيادة الصومال براً وبحراً، واعتبار الإقليم جزءاً لا يتجزء من السيادة الصومالية يمثل انتصاراً مهماً لدبلوماسية مقديشو خلال العامين الماضيين، على رغم أن المعلومات المتواترة حول إمكانية اعتراف إدارة ترمب بهرجيسا.
ونوه إلى ما رافق زيارة قائد "أفريكوم" الجنرال داغفين أندرسون إلى أديس أبابا، إذ تم الترويج بشكل واسع في وسائل الإعلام الإثيوبية إلى أن القائد العسكري الأميركي، خلال لقائه بنظرائه الإثيوبيين، أبدى تفهماً للأطماع الإثيوبية في التمدد إلى سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، ليأتي بيان "أفريكوم" الأخير لينفي تلك المعلومات.
يشير فارح إلى أن البيان سيحدث وقعاً إيجابياً لدى مقديشو ويسهم في بناء جدار من الثقة بينهل وواشنطن، بجانب إسهامه في تقليل الأطماع الإقليمية تجاه السواحل الصومالية، كذلك قد يمثل رسالة للدول الأخرى في الجوار، بخاصة إريتريا، التي تواجه المشاريع الإثيوبية الطامعة في موانئها، فتأكيد "البنتاغون" على ضرورة احترام سيادة الصومال، يعني بشكلٍ آخر احترام حدود وسيادة كافة الدول في الإقليم، إذ إن الموقف مبني على مبدأ أساسي ثابت في ميثاق الأمم المتحدة.
ويضيف أن القانون الدولي يمنح الدول الحبيسة حق الوصول إلى المنافذ البحرية، بشرط أن يتم ذلك عبر التفاهم مع الدول الساحلية المجاورة، وبما يحترم سيادتها. منوهاً إلى أن بيان "أفريكوم" يعد تأكيداً مباشراً لهذا المبدأ، ومن ثم نفياً لكافة الأخبار التي روج لها الإعلام الإثيوبي خلال الأسبوع الماضي.
ويرجح الباحث الصومالي، أن يسهم البيان في رأب الصدع بين أسمرة وواشنطن، بخاصة إذا ما استغلت الأولى البيان لبناء علاقات تعاون مثمرة، ترتكز على مبدأ احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، بعيداً من نذر الحرب القائمة، التي تنطلق من سحب الاعتراف بالحدود الموثقة في المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
ويضيف أن أمام مقديشو فرصة مهمة للعب أدوار للتقريب بين واشنطن وأسمرة من خلال استغلال العلاقة المتنامية مع واشنطن، سيما بعد لقاء الرئيس الصومالي بدونالد ترمب، وبيان "البنتاغون" الذي يدعم السيادة الصومالية.
استقلال ذاتي
من جهة أخرى يقرأ المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون، أن بيان "أفريكوم" يعد إعلاناً إجرائياً روتيني الطابع أكثر منه "موقف سياسي جديد للولايات المتحدة"، مشيراً إلى أنه يمثل وسيلة طمأنة لحكومة مقديشو عن أن تنامي العلاقات بين هرجيسا وواشنطن لا يستهدف وحدة الصومال، إذ لم تعترف الولايات المتحدة باستقلال الإقليم، وإن كانت الزيارات المتكررة لمسؤولين أميركيين إلى هرجيسا توحي بشكل أو بآخر أن الولايات المتحدة مهتمة بتفهم الوضع الخاص للإقليم الذي تمارس حكوماته المتعاقبة منذ 1991 جزءاً من شروط السيادة، من حيث بسط قواتها على كافة أراضي صوماليلاند، وإجرائها انتخابات برلمانية ورئاسية منتظمة، فضلاً عن استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي والمالي، بما في ذلك صك عملتها الخاصة، وجميع هذه الشروط تعد جزءاً من ممارسة السيادة.
ويضيف غيدوان أنه على رغم تأكيد بيان "أفريكوم" أن صوماليلاند جزء لا يتجزأ من السيادة الصومالية، فإن من الضرورة بمكان ملاحظة تنامي علاقات واشنطن بهرجيسا في الملفات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، بالإضافة إلى تطوير العلاقات التجارية معها بشكل مستقل عن مقديشو، مما يوحي بأن علاقات التعاون متطورة، وأن الخطوة المتبقية لتكليل العلاقات الدبلوماسية قد تكون الاعتراف باستقلال الإقليم.
ويختم غيداون بأن واشنطن تتعاطى مع الإقليم باعتبار أنه يتمتع باستقلال ذاتي، ولا ينقصه إلا الاعتراف الدولي العلني، ومن ثم فإن البيان الأخير لا ينفي بالضرورة اللجوء لخطوة الاعتراف في وقت لاحق، بخاصة أن علاقات التنسيق الدبلوماسي والأمني والعسكري والتجاري تبدو في وضع غير مسبوق بين واشنطن وهرجيسا، بما في ذلك دعوة الرئيس عرو لزيارة الولايات المتحدة.