ملخص
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن "روسيا على استعداد للرد على أي عدوان عسكري من جانب الدول الأوروبية، اعتباراً من الان".
بينما يواصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جولاته على العواصم الغربية بحثاً عن المال والمعونة، ويعجز برلمانه عن استئناف جلساته تحت وطأة محاصرة المعارضة منصة اجتماعاته طلباً لإقالة الحكومة، تتركز الأنظار على موسكو التي وصل إليها ستيف ويتكوف، المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرافقه للمرة الأولى جاريد كوشنير صهر ترمب، في انتظار ما سينجم عن زيارتهما للكرملين، ومحادثاتهما مع الرئيس فلاديمير بوتين. وجاءت هذه الزيارة في أعقاب تعالي أصداء الإشاعات التي كثيراً ما لاحقت ويتكوف منذ أول لقاءاته مع بوتين، إذ سبق واتهمه معارضو ترمب بالتأثير في الرئيس الأميركي منذ أول لقاء جمع بين الرئيسين الأميركي والروسي في العاصمة الفنلندية هلسنكي في يوليو (تموز) عام 2019. وكان ويتكوف رفض طلب زيلينسكي الاجتماع به في دبلن، كما ألغى اجتماعاً كان مقرراً معه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في تركيا.
لماذا كوشنير؟
جاء انضمام كوشنير إلى ويتكوف منذ بداية الاتصالات الروسية - الأميركية، بمثابة المفاجأة لبعض المراقبين، وإن استقبله آخرون من منظور اتساقه مع النهج الذي كثيراً ما حدد ملامح اختيار الرئيس الأميركي لمساعديه ومعاونيه وأعضاء فريقه من دائرته القريبة سواء العائلية منها أو العملية ممن يرتبط بهم في مجال نشاطه المالي والعقاري. كما هناك من اعتبر ذلك محاولة لدرء ما سبق ولاحق ويتكوف من اتهامات بوقوعه، شأنه شأن الرئيس ترمب كما يقال، في "شباك" الرئيس الروسي. غير أن الشواهد تقول إن الهدف من مشاركة كوشنر هو "تسريع وتيرة المفاوضات واستغلال قنوات الاتصال الشخصية لدفع عملية السلام التي كانت تبحث عن اختراق سريع"، كما أن ذلك يهدف إلى دفع مفاوضات السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مستفيداً من علاقات كوشنير الشخصية مع الجانب الروسي وما يتمتع به كقناة اتصال موثوقة أثبتت فعاليتها سابقاً خلال تسوية الأزمة السورية، وسط مناخ تفاؤل أميركي حول إمكان التوصل إلى الاتفاق المنشود. وذلك يعكس، كما يقول مراقبون كثر، إلى "ميل إدارة ترمب إلى الدبلوماسية المباشرة عبر ممثلين شخصيين، سعياً إلى بناء الثقة وتجاوز البيروقراطية بدل الاعتماد الكامل على الجهاز الدبلوماسي الرسمي"، فضلاً عن علاقته المباشرة مع الرئيس ترمب بما "يسمح بنقل الرسائل والحصول على تأكيدات بصورة قد تكون أسرع وأكثر وضوحاً من القنوات الدبلوماسية التقليدية". كما أن هناك من يقول إن ويتكوف وكوشنير كانا على اتصال سابق بشخصيات روسية على غرار كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمارات الأجنبية، الذي اختاره بوتين مبعوثاً شخصياً له للاستثمارات الأجنبية، بعد أول حوار مباشر جمع في الرياض بين ممثلي روسيا والولايات المتحدة في وقت مبكر من العام الحالي، وهو ما أشرنا إليه في تقرير سابق من موسكو.
وهكذا وباختصار يمكن القول إن الزج بجاريد كوشنير في أتون المحادثات وإعداد خطة السلام بين روسيا وأوكرانيا، ومعها من يريد من البلدان الأوروبية، لم يكن سوى "مجرد محاولة لتسريع وتيرة المفاوضات واستغلال قنوات الاتصال الشخصية لدفع عملية السلام التي كانت تبحث عن اختراق سريع". كما يعكس ذلك ميل إدارة ترمب إلى الدبلوماسية المباشرة عبر ممثلين شخصيين بدل الاعتماد الكامل على الجهاز الدبلوماسي الرسمي، لدرجة قد تترك لجاريد كوشنير الفرصة لإعداد ما صار يسمى بـ"خطة ترمب للسلام"، التي أعادها صهره ثانية لنقاطها الـ28.
وكان ترمب استهل نشاطه منذ دخوله البيت الأبيض باختيار معاونيه وأعضاء فريقه استناداً إلى علاقاته العائلية والشخصية، وثمة من يعزو الكشف عن مشاركة كوشنير في معالجة الأزمة الأوكرانية إلى ما ينسبونه إليه من نجاح إبان ما قام به من دور فعال خلال "تطبيع العلاقات" بين إسرائيل وبعض دول منطقة الشرق الأوسط والتوصل إلى ما سمي بـ"الاتفاقات الإبراهيمية" بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وذلك نسبة إلى النبي إبراهيم، الجد المشترك للأديان السماوية الثلاثة، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب دوره في إعداد التسوية الأخيرة حول قطاع غزة.
وإضافة إلى ذلك كله، يمكن التوقف عند ما يقال حول دوره في إعداد الخطة الأميركية الأولية ذات النقاط الـ28، وما طرأ عليها من تعديلات لاحقة، خلال محادثات الوفد الأميركي مع الجانب الأوكراني في جنيف في الـ23 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وأعلن موقع "أكسيوس" في تقرير حول دور كل من ويتكوف وكوشنير في صياغة النسخة الأولى من خطة السلام الأميركية التي نصت على استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بشبه جزيرة القرم ومقاطعتي لوغانسك ودونيتسك كأراض روسية بحكم الأمر الواقع، بينما ستمنح مناطق في مقاطعة خيرسون وزابورجيا "وضعاً مجمداً" على طول خط التماس.
كواليس ما قبل لقاء الكرملين
أسهم حرص ويتكوف على رفض لقاء الرئيس الأوكراني أكثر من مرة، كان آخرها قبيل لقائه الأخير مع الرئيس الروسي في الكرملين، برفقه جاريد كوشنير، في الكشف عن أن ما جرى التوصل إليه من اتفاق مع روسيا، يبدو كصيغة جديدة للعلاقة بين موسكو وواشنطن توصلت إليها الإدارة الأميركية عبر الاتصالات السرية بين مبعوثيها، ممن جرى تكليفهم لتطوير خطة السلام بالتشاور مع مسؤولين روس، بحسب مصادر أميركية. وذلك ما نما إلى علم الأوروبيين الذين وقفوا وراء سفر زيلينسكي إلى أنقرة "حاملاً خطة سلام بديلة" صاغها بالتعاون معهم، وحاول طرحها على ويتكوف. وثمة ما يشير إلى أن ذلك لم يكن بعيداً من علم الإدارة الأميركية التي وقفت وراء قرار ويتكوف إلغاء الاجتماع المقرر مع الرئيس الأوكراني، الذي رفض بدوره مناقشة ما جرى تسريبه من نقاط لخطة السلام الأميركية لما تتضمنه من نقاط قالت المصادر الأوكرانية والأوروبية إنها "موالية لروسيا"، وتتضمن تنازلات "مهينة" لأوكرانيا ومعها البلدان الأوروبية، تبدو معها أقرب إلى "الاستسلام" بحسب التقارير الغربية.
ولعل ذلك كله يمكن أن يكون تفسيراً لغياب وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والأميركي ماركو روبيو عن اللقاء الأخير في الكرملين بين وفدي البلدين، بعد أن كانا قد ترأسا الوفدين الروسي والأميركي في أول حوار مباشر بينهما في العاصمة السعودية الرياض في وقت سابق من العام. كما عزا إليهما مراقبون كثر، أنهما كانا من أسباب مبادرة الرئيس الأميركي إلى إعلان "تأجيل" أو "إلغاء" قمة بودابست في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وذلك ما قد يكون تفسيراً للزيارة "المفاجئة" التي قام بها كيريل دميتريف المبعوث الشخصي للرئيس بوتين للاستثمارات والتعاون مع البلدان الأجنبية إلى الولايات المتحدة، وما أجراه هناك من لقاءات واجتماعات سرعان ما ظهرت نتائجها في احتواء "الأزمة الطارئة" التي نجمت بين البلدين في أعقاب اللغط حول قمة بودابست.
ومن واقع معايشة سنوات حكم بوتين منذ مطلع عام 2000، نتذكر ما قاله في خطابه التاريخي في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ في فبراير (شباط) 2007 حين أعلن رفضه لعالم القطب الواحد وانفراد دولة بعينها بالقرار الدولي بعيداً من شرعية الأمم المتحدة، منوهاً بأن بلاده ستكون مضطرة إلى العمل على بناء قوتها المسلحة. ونذكر أيضاً أنه بدأ آنذاك بمحاولات التقارب والتعاون مع البلدان الأوروبية وقياداتها، ومنهم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرويدر، والرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو بيرلسكوني، ممن كانوا يقفون على طرفي نقيض من بعض سياسات وتوجهات الرؤساء الأميركيين، وهو ما انتهى اليوم بما هو على خلاف مع أحوال الأمس، بما آلت إليه من "غرائب وتناقضات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بوتين مستعد للحرب مع أوروبا "الآن"
بدا حرص بوتين واضحاً على لقاء الصحافة في أعقاب مشاركته في منتدى أحد كبار بنوك العاصمة الروسية تحت شعار "روسيا تناديك"، قبل استقباله ويتكوف ورفيقه كوشنير الذي تخلى عن منصبه السابق كمستشار للرئيس إبان سنوات الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترمب. وكان مقرراً لقاء "الوفد" الأميركي في الساعة الخامسة من مساء الثلاثاء الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، بحسب ما أعلن دميتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين. ووفر ذلك فرصة مناسبة ليجول الوفد الأميركي في الساحة الحمراء وتناول طعام الغذاء في أحد المطاعم القريبة، فيما كان بوتين يدلي بتصريحات نارية قبيل بدء لقائه مع ويتكوف وكوشنير، ومنها قوله إنه "إذا أرادت أوروبا فجأة شن حرب علينا وفعلت ذلك، فقد ينشأ وضع سريع جداً لن يكون لدينا فيه من نتفاوض معه"، ومضي بوتين ليقول إن "روسيا على استعداد للرد على أي عدوان عسكري من الدول الأوروبية، اعتباراً من الآن".
وأشار الرئيس الروسي إلى أن أوروبا تقف حائلاً دون توصل إدارة ترمب إلى تسوية سلمية للصراع في أوكرانيا، وأكد أن بروكسل تقدم مقترحات لخطة سلام غير مقبولة من روسيا. وأضاف أن أوروبا نفسها انسحبت من المفاوضات، واستشهد بوتين بما قاله عدد من الزعماء والقيادات الأوروبية، إضافة إلى تصريح وزير خارجية المجر بيتر سيارتو في اليوم السابق، حين كشف عن أن "أوروبا تستعد بالفعل للحرب مع روسيا"، مشيراً إلى "أن الوثائق الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي تنص على تحقيق الجاهزية القتالية الكاملة بحلول عام 2029، مما يجعل الصراع العسكري ممكناً بحلول عام 2030". ومن هنا كان ما قاله بوتين حول استعداد بلاده للحرب، اعتباراً من الآن"، وإذ صمت برهة لم تستمر طويلاً حتى استأنف حديثه بالقول "إنه في مثل هذا السيناريو، قد ينشأ وضع سريع لن يكون لدينا فيه من نتفاوض معه"، مؤكداً أن روسيا "كثيراً ما أدركت" خطر الصراع مع أوروبا، واتخذت تدابير استباقية لضمان مصالحها وأمنها. وذلك ما يدفعنا إلى تذكر ما سبق وقاله بوتين في معرض مناسبة مماثلة، ومن واقع ذكرياته في شوارع لينينغراد "سان بطرسبورغ"، حول "أن شوارع لينينغراد كثيراً ما علمته أنه ما إن تدرك أن العراك واقع لا بد منه، فعليك أن تكون أنت البادئ به". وفي ذلك تلميح يغني عن أي تصريح، وقد بدا حرص الرئيس الروسي واضحاً على تأكيد أن "أوروبا تبنت فكرة إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا". وقال إنها، وكما يبدو "لا تزال تعيش أسيرة هذه الأوهام". وأضاف أن "أوروبا ليس لديها أجندة سلام (في شأن أوكرانيا)، إنهم يقفون إلى جانب الحرب"، بحسب ما نقلته وكالة أنباء "نوفوستي" الروسية الرسمية.
على الجانب الآخر نقلت وكالة "نوفوستي" عن روبيو ما قاله في واشنطن حول أن السلام في أوكرانيا لا يمكن أن يتحقق إلا بوساطة أميركية، وأن ترمب هو الزعيم "الوحيد" في العالم الذي "يمكنه المساعدة في إنهاء" هذا النزاع، وذلك ما سافر من أجله إلى موسكو ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير.
حوار الساعات الخمس
خمس ساعات، تلك كانت المدة التي استغرقتها محادثات الجانبين الروسي والأميركي في الكرملين، التي بدأت متأخرة عن موعدها المعلن بساعتين و40 دقيقة، واقتصرت على بوتين ومساعده للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف وكيريل دميتريف ومن الجانب الأميركي ويتكوف ومعه كوشنير.
أما عن نتائج ما دار من حوار تناول مختلف جوانب العلاقات بين الجانبين، فقد وصفه أوشاكوف بأنه كان "مفيداً وبناء"، وإن لم يشر إلى أي تفاصيل حول النقاط الثلاث التي لا يزال الخلاف حولها قائماً. وكشفت عنها شبكة "إن بي سي نيوز" الأميركية بما نشرته حول أن روسيا لن تقدم تنازلات في شأن هذه النقاط الثلاث. وذكرت أن أولى هذه النقاط تتعلق بمنطقة الدونباس أو القضايا الإقليمية، فيما تتلخص الثانية في تقييد حجم القوات المسلحة الأوكرانية بـ600 ألف جندي، والثالثة باعتراف الولايات المتحدة وأوروبا بشبه جزيرة القرم التي أعلنتها روسيا في مارس (آذار) 2014 ومقاطعتي لوغانسك ودونيتسك ومعهما ما آل إلى روسيا من مقاطعتي زابوروجيا وخيرسون، وأعلنت روسيا ضمها في سبتمبر (أيلول) 2022 بوصفها أراضي روسية، استناداً إلى نتائج استفتاءات لم تعترف بها الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي. وذلك فضلاً عن الخلاف حول الموقف من طلب أوكرانيا حول عضوية "الناتو"، وما تطرحه روسيا حول ضرورة أن يكون وقف توسع الناتو شرقاً والتخلي عن ضم بلدان أخرى إلى الحلف بضمانات مكتوبة شرطاً أساسياً في خطة السلام في أوكرانيا. وكانت الإدارة الأميركية وافقت على ذلك في الصياغة الأولى، إلا أن الدول الأوروبية وأوكرانيا استطاعت إضافة صياغة جديدة لا تؤكد مطالب روسيا بهذا الشأن.
وفي تصريحاته حول نتائج "محادثات الساعات الخمس" قال أوشاكوف إنه لم تجر مناقشة تفاصيل بنود الخطة المطروحة، بل جرى الحوار حول مضمون هذه البنود التي قال إنها تتكون من 27 بنداً. وقالت المصادر إن الجانب الروسي يرفض ما طرحته الدول الأوروبية من تعديلات على الصياغة الأولى لخطة ترمب، ويرى ضرورة في المحافظة على روح ونص التفاهمات الروسية - الأميركية السابقة. وفيما أضاف أوشاكوف أن الجانبين تناولا بحث قضايا التعاون في مختلف المجالات، كشف عن أن الجانبين اتفقا حول عدم الكشف عما توصلا إليه من نتائج في شأن "خطة السلام". وقال إن الجانب الروسي انتقد ما لا يناسبه من سلبيات في نقاط هذه الخطة، وأعرب عن أمله في التوصل إلى تسويتها.
هذا واتفق الحاضرون على مواصلة الاتصالات في ما بينهما، وتوجه ويتكوف وكوشنير عقب اللقاء إلى السفارة الأميركية في موسكو حيث استغرق وجودهما هناك نحو ساعة، كانت كافية على ما يبدو لإبلاغ ترمب في عجالة بموجز ما توصلا إليه في حوارهما مع الجانب الروسي. وقالت المصادر إن ويتكوف وكوشنير غادرا العاصمة الروسية في وقت متأخر من الليل، قاصدين واشنطن مباشرة، وليس كييف كما كان الجانب الأوكراني يريد.