ملخص
المسلسل، على رغم طاقم تمثيل متقن الأداء، لا يخرج عن إطار الملل الفاخر: إثارة بلا مفاجآت، ودراما نفسية تختزل تعقيدات النفس البشرية في حكمة واحدة متكررة "حتى الطيبون يحملون وحشاً داخلياً، ولذلك تستهويهم قصص القتلة".
في عالم التلفزيون خلال العقود الثلاثة الماضية، يمكن القول إن وجه كلير دينس بات أيقونياً. غالباً ما يظهر مبتلاً بالدموع، كأنه مرآة لحالة الإنسانية في لحظات انكسارها الكبرى والصغيرة.
ذلك الوجه المرتجف، بخطوطه الدقيقة وذقنه المرتعشة، أصبح رمزاً لكل صور الانكسار: الحزن الرومنسي، اليأس المهني، الانهيارات النفسية الكاسحة، وحتى الخيبات اليومية الصغيرة التي تصيبنا من دون رحمة.
هو وجه لا شبيه له، وربما لا يمكن مقارنته إلا بوجه الغضب لدى إليزابيث موس، الذي يحمل شحنته الخاصة، لكنه يظل بعيداً من القدرة على التعبير عن اليأس المرهف الذي تجسده دينز.
ساعد هذا الوجه أعمالاً مثل Homeland وFleishman Is in Trouble في بلوغ الذروة، وأتاح تبرير وجود أعمال لم يعد أحد يذكرها مثل The Essex Serpent وFull Circle، التي لم تجد إلا مكاناً عابراً في ذاكرة المشاهد.
ومن علامات الجرأة الفنية، أن تبدأ سلسلة نتفليكس الجديدة The Beast in Me، المكونة من ثماني حلقات، بلقطة لوجه دينس الباكي، كأنها تقول لنا منذ اللحظة الأولى: استعدوا، فهذا الوجه سيستحوذ على كل المشهد تقريباً، لأنه يمثل قلب العمل النابض بكل معانيه. المسلسل، على رغم طاقم تمثيل متقن الأداء، لا يخرج عن إطار الملل الفاخر: إثارة بلا مفاجآت، ودراما نفسية تختزل تعقيدات النفس البشرية في حكمة واحدة متكررة "حتى الطيبون يحملون وحشاً داخلياً، ولذلك يستهويهم قصص القتلة".
ربما يحمل كل منا وحشان: أحدهما يتلهف للقصص المظلمة عن الأثرياء الذين يقتلون ويخفون جرائمهم في ضواحي لونغ آيلاند، والآخر سئم تماماً هذا النوع من الدراما. وإذا كان الوحش الأول قد استيقظ في داخلي يوماً، فقد أصبح الآن متخماً، مترنحاً على حافة الانفجار.
تظهر دينس في دور آغي ويغز، بعد خمس سنوات من حادثة أودت بحياة ابنها، ودمرت زواجها من شيلي (ناتالي موراليس)، تاركاً إياها وحيدة في منزل واسع مترهل. وعلى رغم شهرتها ككاتبة سير ذاتية حائزة على "بوليتزر"، فإنها غارقة في العجز الإبداعي والفواتير المتراكمة والمواسير التي تنفث ماء بنياً كئيباً، كما لو أن كل زاوية في بيتها تحاكي وجعها الداخلي، وكل سقطة ماء أو صرير باب هي صدى لصوت دموعها.
الرجل الغامض
يدخل إلى هذه العزلة، نايل جارفس، الملياردير العقاري الذي يجسده ماثيو ريس، الرجل الغامض الذي يعتقد الجميع أنه قتل زوجته الأولى. يحمل نايل ما يمكن تسميته وجه من قتل زوجته الأولى، الذي ليس بمرعب فقط، بل مكتنز بالغموض والحضور الطاغي، يفرض نفسه على المكان قبل أن يتحدث. طلبه شق مسار للركض في الغابة المجاورة لممتلكاته يضع آغي في موقع المعارضة الوحيدة، متوقعة الأسوأ، ومشدودة إلى حد الانبهار في مواجهته المباشرة
تبدأ اللعبة النفسية بينهما: الغداء المشترك، النظرات الحادة، التوتر الممتد بين الفضول والتحفظ، ومن ثم الاقتراح المثير أن تكون قصته موضوعها التالي، وهو تحد يوقظ الوحش الكامن داخلها. في هذه اللحظات، يتحول المسلسل إلى استكشاف معقد للغرابة الإنسانية، مثل سيناريو خيالي: ماذا لو انتقل القاتل المتسلسل روبيرت دورست للعيش بجوار كاتبة مرموقة قررت كتابة بورتريه عنه؟".
تحت إدارة المخرج أنطونيو كامبوس، يراوح الإيقاع بين الهوس والبارانويا الخفيفة، وتبدأ آغي في البحث عن الحقيقة، بينما يلوح في الخلفية والد نايل (جوناثان بانكس)، رمزاً للإرث العائلي الطويل للسلطة والشر المحتمل، الذي يشي بأن ما نراه ليس وليد اللحظة بل ثمرة تراكم سنوات من الغموض والسيطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يتكثف النفس البوليسي مع دخول مكتب التحقيقات الفيدرالي، وتتصاعد الأسئلة حول تطوير عقاري ضخم قد يغرق كل شيء في موجة فساد جديدة، بينما تبقى العلاقة المتوترة بين الشخصيات الأساسية محوراً مركزياً، لا سيما تلك بين نايل وآغي ووالد نايل، التي تمنح المسلسل طبقة إضافية من التعقيد النفسي والاجتماعي.
لكن المفارقة أن عناصر الجذب الأكثر إثارة تتعلق بما لا يحدث بالضرورة: كل حوار يكتنفه شعور كل طرف بأن الآخر أحمق، التوتر بين الرجال في العمل يضيف عمقاً لم يستثمر كما يجب، واللقطة الختامية، التي قد تبدو مضحكة من دون قصد، تكشف عن مدى فقدان السيطرة على النبرة والسرد.
الحبكة نفسها قليلة المفاجآت إلى درجة تجعل المشاهد يتوقع كل خطوة قبل حدوثها، وحتى انعطاف درامي مهم يتم إضعافه بحلقة الفلاشباك التي تعيد كل شيء لنقطة الصفر، تاركة العمل على حالة من الجمود النفسي الدائم.
تكرار
تظل دينس أسيرة نغمة واحدة طوال الوقت، تؤديها ببراعة لا شك فيها، لكن التكرار ينهك أية ممثلة مهما بلغت مهارتها، بينما يكرر ريس توتره الذكوري المبتسم بخبث، كما لو أن كل ابتسامة ماكرة ما هي إلا إعداد للعبوس القادم.
وعلى رغم بريق بريتاني سنو وعذوبة موراليس، يبقى المشاهد أمام حقيقة واحدة: لا شيء يتحرك فعلياً. يمكن تخيل المسلسل كفيلم إثارة من 100 دقيقة في منتصف التسعينيات، كانت ستؤديه جوليا روبرتس أمام مايكل دوغلاس، لكن تحويله إلى ثماني ساعات من "البكاء المرموق" يجعل الوحش فينا يتثاءب. ومع ذلك، نجح الكاتب غيب روتر في بناء حبكة مشدودة، وشخصيات ثرية، ومواجهة نفسية مذهلة بين دينس وريس.
بينهما تشتعل كيمياء معقدة، تكشف عن لعبة القوى الداخلية، وتسائل فكرة: من هو الشخص الذي يرى حقيقتك كاملة، ويظل قادراً على البقاء بجانبك على رغم كل الظلال والوحوش؟
The Beast in Me لا يمنحنا نشوة الإمساك بقاتل حقيقي، ولا يصل إلى مستوى المبارزات النفسية الخالدة مثل "كلاريس" و"هانيبال"، لكنه يمتلك دهاء السرد، وحرفية الإيقاع، ووهج الأداء، ليبقي المشاهد مأخوذاً، متأملاً لحظة الانفلات التي يتحرر فيها الوحش من قفصه الداخلي.