ملخص
خلال الأيام الأخيرة، علت موجة تضامن واسعة مع دول الخليج العربي بين كتاب وإعلاميين مصريين، لتصحيح ما سموه "المفاهيم المغلوطة" وتأكيد التضامن "غير الملتبس فيه" مع الدول العربية ضد الاستهدافات الإيرانية غير المبررة.
على وقع تزايد موجة الانتقادات للدور المصري على المستويين الداخلي والخارجي في ما يتعلق بالتعاطي مع الحرب الإيرانية، وبخاصة مدى تفاعلها مع "استهداف طهران لدول عربية وخليجية"، خرجت وزارة الدولة للإعلام لتأكيد متانة العلاقات التاريخية والراسخة التي تربط القاهرة بالدول العربية، مؤكدة رفضها القاطع لـ"أي ممارسات إعلامية سلبية من شأنها الإضرار بهذه الروابط أو المساس بوحدة الصف العربي".
بيان وزارة الدولة للإعلام اليوم الأربعاء، الذي جاء بمشاركة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، وهي أعلى هيئات إعلامية وصحافية في مصر، قالت فيه إنها "تتتابع ما تشهده الساحة الإعلامية المصرية والعربية خلال الفترة الأخيرة من ظواهر وممارسات إعلامية سلبية، تسيء وتضر بالعلاقات الأزلية والراسخة بين مصر وبعض الدول العربية الشقيقة"، وذلك بعد أيام من تعالي الأصوات سواء في الدول الخليجية أو حتى في بعض منها على المستوى الداخلي للدور المصري في الأزمة الراهنة.
وجاء البيان بعد يومين من اختتام وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي جولةً عربيةً واسعةً شملت كلاً من قطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن والسعودية، أكد خلالها عبدالعاطي تضامن بلاده الكامل مع الدول العربية ورفضها القاطع وإدانتها الصريحة للاعتداء على أراضيها، مؤكداً "أنه لا يوجد أي مبرر لتلك الاعتداءات الآثمة، وأن المساس بسيادة تلك الدول هو مساس مباشر بالأمن القومي المصري والعربي".
علاقات أخوة راسخة
وفق ما جاء ضمن البيان الإعلامي والصحافي المشترك في مصر، أكد المشاركون فيه أن ما بين مصر والدول الشقيقة التي تتعرض للعدوان الإيراني (السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان والعراق والأردن) يُعد علاقات أخوة راسخة على المستويات القيادية والرسمية والشعبية، وعلى مستوى الروابط الأسرية والمصاهرة ووحدة المصير والمستقبل. وأشار البيان إلى أن "هذه العلاقات رسختها أحداث التاريخ البعيد والقريب، وصهرتها المواقف والأزمات التي مرت بها المنطقة العربية على مدى ثمانية عقود، والتي أثبتت أن هذه العلاقات تمثل الركيزة وحجر الأساس للحفاظ على مصالح الأمة العربية والمصالح الحيوية للدول العربية".
وذكر البيان أنه ومن هذا المنطلق فإن "محاولات المساس بهذه العلاقات تعد جريمة تستهدف الإضرار بمصالح هذه الدول فرادى وبالمصلحة القومية للأمة العربية، وهي محاولات آثمة ومرفوضة من الوجوه الأخلاقية والقومية والوطنية كافة"، مناشدين الإعلاميين في مصر والدول العربية كافة "التوقف الفوري عن هذه السجالات التي لا تستند إلى أي واقع أو حقائق، والامتناع عن الأفعال وردود الفعل التي لا ترقى إلى الروح الأخوية العميقة التي تربط شعوبنا، مع ضرورة تغليب لغة العقل والحرص على الروابط الأزلية التي كانت وستظل قائمة بين الأشقاء".
كذلك عدت وزارة الدولة للإعلام أن "ما يجري هو أحداث طارئة لن تؤثر بأي حال في المسار التاريخي للتلاحم والتماسك بين شعوبنا وبلادنا".
دعوة لوأد الفتنة
وعلى وقع تعالي الأصوات التي رأت في القاهرة أنها "تدعو للفتنة"، ناشدت وزارة الدولة للإعلام بصفة خاصة إلى نخب المثقفين وقادة الرأي في مصر والدول العربية، "القيام بدورهم في وأد هذه الفتنة وقطع الطريق على الدسائس ومحاولات الوقيعة التي لا يستفيد منها سوى أعداء الأمة، وفي مقدمتهم قوى الشر والجماعات الإرهابية التي تستغل هذه الأجواء لبث الفرقة بين مصر والشعوب العربية الشقيقة"، على حد وصفها، كما دعت كذلك "جميع المواطنين في مصر والدول العربية إلى توخي الحذر مما يُروَّج عبر وسائل التواصل الاجتماعي من إشاعات وأكاذيب وإساءات متبادلة، واختلاق مواقف ووقائع تستهدف إشعال الفتنة بين الأشقاء، مع ضرورة عدم الانسياق وراء هذه الحملات والامتناع عن المشاركة في مثل هذه الملاسنات".
وشدد المشاركون ضمن البيان "على أهمية الاعتماد على البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية في مصر والدول العربية في شأن تطورات الأحداث، وتجاهل أي مصادر مشبوهة تروج الأكاذيب"، معلنة أنها قررت "استخدام ما تتيحه نصوص القانون العام في مصر كافة، وكذلك القوانين واللوائح المنظمة لعمل كل جهة لضبط الأداء الإعلامي وفق القواعد القانونية والمهنية، بما يضمن وقف أي ممارسات تضر بمصالح الوطن أو تسيء إلى الدول الشقيقة أو المسؤولين فيها أو تؤثر سلباً في علاقات مصر بها".
وخلال الوقت نفسه، ناشد المشاركون الجهات المعنية في الدول الشقيقة اتخاذ إجراءات مماثلة، وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل دولة، لوأد هذه الفتنة والحفاظ على المصالح المشتركة، ومنع الإساءة إلى مصر أو أي من مسؤوليها، وصون العلاقات الأخوية بين الدول العربية.
أمن الخليج من أمن مصر
وخلال الساعات الأخيرة، علت موجة تضامن واسعة مع دول الخليج العربي بين كتاب وإعلاميين مصريين، لتصحيح ما سموه "المفاهيم المغلوطة" وتأكيد التضامن "غير الملتبس فيه" مع الدول العربية ضد الاستهدافات الإيرانية غير المبررة.
وتحت عنوان "لماذا نؤيد العواصم العربية وننحاز إلى أهلنا وإخوتنا في الخليج؟"، كتب الإعلامي والصحافي خالد صلاح على صفحته على "فيسبوك"، لـ"تفكيك الثنائية المضللة، العداء لإسرائيل لا يبرر مطلقاً العدوان الإيراني على الأشقاء العرب"، قائلاً إن "هذه ثنائية مضللة وليست خياراً حقيقياً"، وذلك في ظل وجود "خطاب متعمد يحاول حصر الوعي العربي في معادلة زائفة، إما أن تكون مع إسرائيل أو مع إيران، هذه ليست سياسة بل تضليل، الحقيقة أن العربي ليس مجبراً على الاختيار بين نموذجين عدائيين، ويمكن أن يرفض الاثنين معاً دون أي تناقض".
واعتبر صلاح أن "العداء لإسرائيل لا يمنح إيران صك براءة، إذ رفض السياسات الإسرائيلية لا يعني تلقائياً تبرئة أي طرف آخر، المعيار الحقيقي ليس من يعادي إسرائيل بل من يحترم العرب، ومن يعتدي على العرب يسقط أخلاقياً وسياسياً مهما كانت شعاراته"، واعتبر أن "التناقض الأخلاقي الفج، لا يمكن أن تدين قتل العربي إذا جاء من إسرائيل ثم تبرره إذا جاء من إيران، الدم العربي لا يتغير بتغير هوية الصاروخ، العدوان هو العدوان مهما كان مصدره"، مضيفاً أن "إضعاف دول الخليج لا يضر إسرائيل بل يضر العرب، ويعني إضعاف التوازن العربي كله، وفتح المجال لفوضى لا يستفيد منها إلا خصوم المنطقة".
ورأى صلاح أن إيران "تنقل الصراع إلى المدن العربية كورقة ضغط، وأن ما تفعله ليس مواجهة مباشرة مع خصومها فحسب، بل هو نقل للمعركة إلى أراضي العرب، ضرب الموانئ والمطارات وتهديد الملاحة ليس عملاً دفاعياً، بل استخدام للعرب كأداة ضغط في صراع لا يخصهم"، رافضاً أن يكون العرب "ساحة لتصفية الحسابات، لأي قوة إقليمية"، واصفاً إياه أنه "اعتداء على مفهوم الدولة العربية". وذكر صلاح أن "المشروع الإيراني هو مشروع نفوذ لا مشروع تحرير"، موضحاً أنه "طوال العقود الماضية لم تقدم إيران نموذجاً لتحرير أرض عربية، بل قدمت نموذجاً لبناء نفوذ داخل الدول عبر أذرع سياسية وعسكرية، وعبر تحويل بعض الدول إلى ساحات صراع مفتوحة، هذا ليس مشروع تحرير بل مشروع توسع" على حد وصفه، مشيراً إلى أنها استخدمت القضية الفلسطينية "كشعار وليس كهدف". وأوضح أن "الخلط بين الشعوب والأنظمة خطأ خطر، إذ إن الحديث هنا ليس عن الشعب الإيراني بل عن سياسات نظام يستخدم القوة خارج حدوده، والتمييز مهم حتى يظل الخطاب عقلانياً لا انفعالياً"، مشيراً إلى أن "الشعارات لا تحجب الوقائع، إذ يمكن لأي طرف أن يرفع شعارات كبيرة، لكن الوقائع على الأرض هي الفيصل، والوقائع تقول إن هناك تهديداً مباشراً لأمن دول عربية، وهذا لا يمكن تبريره بأي خطاب".
واختتم صلاح حديثه بالقول إن "رفض إسرائيل لا يعني تبرئة إيران، ودعم القضية الفلسطينية لا يعني قبول الاعتداء على العرب، والسياسة الرشيدة لا تقوم على الشعارات بل على حماية المصالح، والعرب ليسوا مجبرين على الاختيار بين طرفين يعتديان عليهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الموقف الصحيح هو موقف واضح مع سيادة العرب، ومع أمن العرب، ضد أي عدوان مهما كان مصدره العسكري".
وتفاعل رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور مع ما كتبه صلاح، إذ رأي في ما كتبه الأخير "طرحاً واعياً ومسؤولاً يعكس فهماً عميقاً لما يجري في منطقتنا، ويبتعد من الانفعال والشعارات التي لا تبني موقفاً ولا تحمي مصلحة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكتب الحبتور أن "هذا النوع من الخطاب هو ما نحتاج إليه اليوم، خطاب واضح صريح قائم على العقل والحكمة، لا على إثارة العاطفة أو جر الناس إلى مواقف غير مدروسة"، مؤكداً أن "أي ضرر يمس أي عربي هو ضرر يمس الجميع. أمننا كعرب واحد، ومصيرنا مشترك. لا يمكن قبول أن تستهدف أي دولة عربية وكأن الأمر يعني فريقاً ولا يعني الآخر. قوتنا كعرب كانت وستبقى في وحدتنا وتعاضدنا"، ودعا إلى عدم الانسياق "وراء من يحاولون خلق الفتن أو ركوب الموجة عبر مواقع التواصل، مما يصنع من "ترند" لا يمثل بالضرورة وعي الشعوب ولا يعكس حقيقة مشاعرها. شعوبنا العربية في جوهرها مترابطة، وتعرف من يقف معها ومن يضرها".
وشدد على أن "قوة العرب كانت وستبقى في وحدتهم، وفي قدرتهم على اتخاذ موقف مشترك يحمي مصالحهم ويحفظ استقرارهم"، معتبراً أن "ما يجمعنا كعرب أكبر بكثير من أي اختلاف، ووحدتنا ليست خياراً، بل ضرورة".
من جانبه، حذر الكاتب الصحافي عماد الدين حسين في صحيفة "الشروق" المصرية من "الفتنة بين مصر ودول الخليج"، قائلاً في مقالة له إن "المستفيد من أي توتر في العلاقات العربية – العربية، خصوصاً المصرية - الخليجية، هو إسرائيل أولاً، ومعها الولايات المتحدة وثالثاً إيران، ومعها أيضاً إثيوبيا، وأخيراً بعض اللوبيات (جماعات الضغط) المستفيدة من الطرفين من أحداث الانقسام".
وأوضح حسين أن "كل من لا يريدون خيراً للأمة العربية يستفيدون من أي توتر حقيقي أو مصطنع في العلاقات العربية - العربية"، متسائلاً "هل يمكن أن تلجأ الأطراف المرشحة للاستفادة إلى اصطناع أخبار مزيفة حتى توتر العلاقات؟". وأضاف "على وسائل التواصل الاجتماعي رأينا حسابات قليلها معلوم وكثيرها مجهول تحاول إثارة فتنة بين مصر والخليج تحت قضية زائفة عنوانها أن مصر تخلت عن أشقائها الخليجيين، وخلف هذا الافتراء تبارت هذه الحسابات في محاولة النفخ في نار هذه الفتنة".
وبحسب حسين، فـ"من الطبيعي أيضاً أن تكون هناك خلافات وتباينات بين العرب حول هذه القضية أو تلك، وهو أمر طبيعي جداً، ما دام هناك إمكانية للنقاش والحوار والوصول إلى حلول توافقية، لكن المشكلة تكبر وتتحول إلى كارثة حينما يتحول النقاش إلى سب ولعن وكفر بالعروبة"، مضيفاً "من الوارد جداً أن تكون هناك رؤى مختلفة بين النخب العربية حول تحديد أولويات العمل العربي، وتحديد من العدو ومن الصديق، وليس عيباً بالمرة أن يكون هناك نقاش دائم حول أفضل السبل لحماية الأمن القومي العربي، لكن المصيبة تحدث حينما يتحول هذا الخلاف الطبيعي إلى حرب داحس والغبراء والتشكيك في العمل العربي من الأساس". وأضاف "مبدئياً وفى القضية التي نحن بصددها يجب أولاً ومن دون أي تبريرات إدانة العدوان الإيراني على الدول العربية بصورة واضحة لا تقبل التأويل أو المساومة، مع إدانة العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران أيضاً الهادف إلى إعادة رسم المنطقة على أسس إسرائيلية"، موضحاً أن "الخطاب السياسي المصري الرسمي من أول يوم يؤكد إدانة الاعتداءات الإيرانية على الخليج، إضافة إلى الدعوة الدائمة إلى وقف التصعيد وتغليب الحلول التفاوضية، ووزير الخارجية بدر عبدالعاطي يكرر نفس الموقف طوال الوقت، وزار خلال الساعات الأخيرة دول مجلس التعاون بشعار أساس هو التضامن المصري معهم. والرئيس السيسي يتصل بصفة مستمرة مع قادة الخليج والعراق والأردن، مؤكداً دعم مصر الدائم للدول العربية".
وشدد حسين على أن "هذا هو موقف مصر الرسمي، وهناك في المقابل أصوات مصرية غير رسمية لها موقف يوازن بين التضامن العربي مع الخليج، وفي الوقت نفسه يحذر من إغفال الدور الإسرائيلي الهادف إلى إغراق المنطقة العربية في حروب أهلية أو حرب دائمة مع إيران. فهل يعقل أن يتعامل بعضهم مع هذه الأصوات باعتبارها تمثل الموقف المصري الرسمي بأكمله".
من جانبه، وبعدما غرد على صفحته على منصة "إكس" منتقداً سردية بعضهم بتبرير "العدوان الإيراني الغاشم على الدول العربية"، تحت أي ذريعة أو حجة، كتب الإعلامي المصري عمرو أديب على صفحته يقول إنه تلقى اتصالاً من وزير الخارجية المصري، حرض خلاله الأخير على "شرح وضع العلاقات المصرية - الخليجية الحالية، وتأكيد قوة العلاقات"، مضيفاً أن الوزير عبدالعاطي سرد له "عدداً من المواقف المصرية في عدد من المحافل الدولية والإقليمية، مستفيدة من وضع مصر التاريخي المهم في تلك المنظمات. وشدد أيضاً على أن مصر دائماً وأبداً مستعدة لتقديم كل أنواع الدعم لأشقائنا في الخليج العربي"، مشيراً إلى أن "التنسيق بين الطرفين على أعلى مستوى وأن المرحلة القريبة القادمة ستشهد بصورة واضحة ثمار هذه التنسيقات".
وكان أديب ذكر ضمن تغريدة سابقة أن "في أوقات تاريخية، مسك العصا من المنتصف ليس وجهة نظر وإنما تأييد واضح للتعدي والقتل والتدمير، هذا وقت التضامن الكامل مع الخليج كله والأردن والعراق. عدو إيران يا سادة معروف، إنما ما يحدث هو نوع من أخذ المنطقة كلها رهينة لتخفيف الأمر على طهران. من ليس معنا فهو مع إيران قلباً وقالباً"، في انتقاد لبعض الأصوات التي تسعى لإيجاد "حجة لإيران في تبرير عدوانها على دول الخليج".