Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أنقاض الحرب السورية جذبت "ذبابة الرمل" المؤذية

يقول متخصصون إن "المخيمات كانت المكان الذي عشقته تلك الحشرات وفيها يتوافر المأوى وبخاصة مع ازدحام اللاجئين داخل خيم متلاصقة لا تتوافر فيها الشروط الصحية"

تترك الذبابة الصفراء الناقلة لليشمانيا ندوباً وتقرحات تكبر وتتسع وتحفر عميقاً (اندبندنت عربية)

ملخص

تشكل "الذبابة الصفراء" مصدر أذى كبيراً للناس في سوريا ما بعد الحرب، إذ يقول الأستاذ الجامعي في قسم علم الحياة الحيوانية الدكتور أحمد اللاحم إن "المناطق المدمرة تشكل بؤرة وبيئة مناسبة لتكاثر هذه الحشرات، فالمعروف أن أناث هذه الحشرات تضع بيضاتها في الأماكن الرطبة والشقوق في المنازل وبين الحجارة أو الرمل، ولعل الدمار الذي حصل نتيجة البراميل المتفجرة والقصف الذي نتج منه تهديم البيوت زاد من تكاثر هذه الحشرات".

لسعة واحدة كفيلة أن تشوه وجه أو جسد إنسان وتخلف وراءها ندبة لا تندمل، إنها ذبابة الرمل أكثر البعوض أذى، ذات لون يميل للأصفر وحجم لا يتجاوز ثلث حجم البعوضة العادية، تتنقل قفزاً من غير أن تصدر صوتاً، ولهذا تلسع بلا رحمة وتمضي دون حتى أن يشعر المصاب بها لا سيما أنها تنشط ليلاً.

ناقل للطفيليات

وما يجعل ذبابة الرمل خطرة لهذه الدرجة هو كونها ناقلة لمرض "الليشمانيا"، تمتص أنثى الذبابة الدم محملة بالطفيليات من أجساد الجرذان أو الكلاب والقطط والثعالب، وهذه الطفيليات المسببة لمرض الليشمانيا بدورها تتكاثر في معدة الذبابة ثم تمتزج بلعابها وتنتقل عند لدغها إنساناً، إذ تظهر الإصابة على صورة تقرحات جلدية تسمى بالعامية "حبة السنة" أو "حبة حلب". وتوجد تلك الذبابة في حظائر الحيوانات وسقوف المباني والأماكن المظلمة أو المهجورة، والكهوف.

ولوحظ زيادة تلك الحشرة على خلفية عوامل تتعلق بالتغير المناخي من جهة، ومن جهة ثانية بسبب ما خلفته المعارك خلال عقد من الصراع المسلح داخل سوريا، نتج منه دمار واسع في المباني والبنى التحتية.

الفريق الدولي المتخصص في تغير المناخ (سي سي بي أي) أكد ارتفاع الحرارة وتغير أنماط الأمطار، وبذلك طال موسم نشاط ذباب الرمل وزادت فرص العدوى. ويحذر متخصصون من ظهور مقاومة دوائية ضد مضادات الطفيليات في حين أن اللقاحات غائبة، وتبقى الوسيلة الوحيدة للوقاية هي المعالجة بالمبيدات.

وضمن تقرير للفريق الدولي المتخصص في تغير المناخ، أكد أن ما سببه ارتفاع حرارة الأرض والجفاف المتكرر في سوريا من اختلال النظم البيئية زاد من تكاثر الذبابة قرب المناطق السكنية، وأسهمت الفيضانات الموسمية في خلق بيئات رطبة مثالية لتكاثر الناقلات، بينما تسبب تراجع الغطاء النباتي أيضاً في اقتراب الذباب من البشر.

خلال وقت تشير التقارير الميدانية لمنظمة الصحة العالمية إلى أن التشخيص في سوريا ما زال يعتمد على الفحص المجهري التقليدي في غياب تقنيات حديثة، أما العلاج فيتوزع بين الحقن الموضعية والأدوية الفموية لكن نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار يحدان من العلاج.

الحرب والتكاثر

زاد الأمر سوءاً صعوبة الوصول إلى المعالجة منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2013، وأشار تقرير للأمم المتحدة بأن منظمة الصحة العالمية تحاول وقتها نقل شحنات إلى المناطق المتضررة في سوريا ولكن تسبب الوضع الأمني في من صعوبة وصولها، وكانت عمليات رش المبيدات لمكافحة الحشرة تُنفذ بصورة متقطعة داخل المناطق الساخنة، أما المناطقة الآمنة فإنها لم تسلم من انتشار الذباب فيها إثر دمار شبكات الصرف الصحي والأبنية المهدمة، والتي تزيد من فرص انتشار الذبابة.

في الأثناء يعد الأستاذ الجامعي في قسم علم الحياة الحيوانية، الدكتور أحمد اللاحم أن "المناطق المدمرة تشكل بؤرة وبيئة مناسبة لتكاثر هذه الحشرات، فالمعروف أن إناث هذه الحشرات تضع بيضاتها داخل الأماكن الرطبة والشقوق في المنازل وبين الحجارة أو الرمل، ولعل الدمار الذي حصل نتيجة البراميل المتفجرة والقصف الذي نتج منه تهديم البيوت زاد من تكاثر هذه الحشرات".

ويجزم بأن "المخيمات كانت المكان الذي عشقته تلك الحشرات، وفيها يتوافر المأوى وبخاصة مع ازدحام اللاجئين داخل خيم متلاصقة لا تتوافر فيها الشروط الصحية، وهذا كله وفر لها وجبات وافرة من الدم وأمنت لها كثرة الأوساخ مكاناً للعيش، فتكاثرت وازدهرت على حساب الشعب المسكين ونقلت له طفيليات ’الليشمانيا‘ التي سببت ’حبة السنة‘ عند هؤلاء اللاجئين". ويضيف "بالنسبة إلى رش المبيدات أعتقد أن تأثيره محدود لسببين، الأول يتعلق بموعد رش المبيدات العشوائي وغير المدروس، إذ إن بالدراسة حددنا الزمن الذي يكون فيه غزاة ذباب الرمل مرتفعة تمتد منذ نهاية مايو (أيار) وبداية يونيو (حزيران) وحتى منتصف سبتمبر (أيلول). والسبب الثاني هو تشكل سلالات من هذه الحشرات مقاومة للمبيدات، وهناك خطط مستقبلية لمكافحة هذه الحشرات مكافحة حيوية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقنيات حيوية

ويشرح الدكتور اللاحم عن استخدام تقنيات حيوية لكشف الجريمة التي ترتكبها حشرات ذباب الرمل بنقلها الطفيليات المسببة لداء الليشمانيا الجلدي، ويعد التحليل الجيني الدليل القاطع والحد الفصل. وكشف عن المادة الوراثية الـ"دي أن أي" لطفيليات الليشمانيا داخل إناث ذباب الرمل كدليل جزئي على نقلها هذه الطفيليات.

وتبين للباحث في العلوم الحيوانية أنها تنقل نوعين من طفيليات الليشمانيا، الأول الليشمانيا "المدارية" التي تسبب النمط المدني لداء الليشمانيا الجلدي والنوع الثاني الليشمانيا "الكبيرة" وتسبب النمط الريفي للداء الجلدي. وحدد مع مساعديه تخصص أنواع ذباب الرمل الناقلة لهذين الطفيلين، فالنوع الأول "الليشمانيا المدارية" يُنقل من طريق أنثى ذبابة الرمل السرجنتية، أما النوع الثاني فيُنقل من طريق ذبابة الرمل الباباتاسية.

وأردف "هذه التقنيات الحيوية موجودة في الغرب وأنا جلبتها لدى عودتي من ألمانيا خلال عام 2005 وأدخلتها إلى المناهج العملية والنظرية في قسم علم الحياة بكلية العلوم وقمت بتشعيب استخداماتها، من الكشف عن المسببات المرضية إلى التفريق بين الأنواع الحيوانية المتشابهة جزئياً، والكشف عن الأنواع الجرثومية التي تنقلها الحشرات من طريق كشف المادة الوراثية لهذه الجراثيم داخل الحشرات، وتحديد سلالات من الطفيليات المرضية وكذلك تحديد مدى إمراضية كل سلالة".

في المقابل تحاول الفرق الطبية التابعة لوزارة الصحة السورية التصدي لمرضة الليشمانيا، ويتحدث مصدر طبي متخصص عن اكتظاظ مراكز مكافحة الليشمانيا والعيادات المتنقلة التي تجوب الريف، حيث تمتد الحالات المرضية لأكثر من أسبوعين حسب درجة أذية المصاب بـ"حبة السنة". وفي حلب وحدها يوجد 49 حياً سكنياً داخلها بؤر "وباء الذبابة"، التي زاد من انتشارها الدمار الواسع الذي شهدته حلب في الحرب. وقبلها كانت الذبابة محدودة الانتشار داخل حلب، لكن على رغم ذلك تصنف الأولى بين المحافظات السورية.

تترك الذبابة الصفراء الناقلة لليشمانيا ندوباً وتقرحات تكبر وتتسع وتحفر عميقاً، ولعلها ليست ندوباً جلدية فحسب بل ندبات نفسية واجتماعية تعرض صاحبها للتنمر لا سيما بين الأطفال، أو بين الكبار وبخاصة الفتيات والنساء حين تكون الندبة في الوجه.

البعوض المنزلي

وبالعودة للبروفيسور الجامعي في كلية العلوم الدكتور اللاحم فإنه يتطلع في الأبحاث القادمة لاستخدام بعض الأحياء الدقيقة في مكافحة ذباب الرمل، لا سيما بعد بحثه مع الدكتورة ريم العجمي من جامعة الملك سعود حول الجراثيم في نمط حيوي من نوع البعوض المنزلي.

وتبين أنه داخل البعوض يوجد نوع من الجراثيم يتحكم به ويسبب عقماً له، ويردف قائلاً "أتطلع لعزل هذا النوع من الجراثيم واستخدامه في مكافحة ذباب الرمل، وتركزت تجاربنا العلمية بأن حددنا النوع شكلياً ثم استخلصنا الـ’دي أن أي‘ الكلي وما يحوي من فيروسات وجراثيم وطفيليات، وأجرينا عليه تجارب عدة".

ومع هذا يستعرض اللاحم أنه أجرى تجارب "لتحديد إلى أي نمط حيوي من الأنماط الحيوية للبعوض باستخدام تقانة الـPCR المتعدد، وتجارب أخرى للتحري عن الأنواع الجرثومية الموجودة داخل البعوض باستخدام ذات التقنية، وباستخدام ’برايمرات‘ متخصصة لكل نوع جرثومي، وهكذا وجدنا نوعاً جرثومياً مهماً يؤثر في البعوض ويمنع إخصابه البعوض وتطور البيضات مما يحد من تكاثره، هو جراثيم الولبيخيا".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير