ملخص
أعاد اعتقال شاب عشريني بمدينة تطوان (شمال) قبل أيام قليلة، بتهمة الإعداد لتنفيذ مخطط إرهابي وشيك وبالغ الخطورة يستهدف المساس الخطر بالنظام العام بالبلاد، وفق بلاغ للمكتب المركزي للأبحاث القضائية (مؤسسة أمنية مكلفة قضايا الإرهاب)، إلى الواجهة ملف ما يسميه البعض "الذئاب المنفردة" بالمغرب.
تعيد الاعتقالات في صفوف شباب موالين لتنظيم "داعش" في المغرب إلى الواجهة ملف الخطر الناجم عن "الإرهاب الفردي"، أو ما بات يسميه كثر "الذئاب المنفردة" الذين كثيراً ما يتشبعون بالفكر المتشدد داخل الفضاء الرقمي، قبل محاولة نقل "خططهم الدموية" إلى أرض الواقع. ويرى مراقبون أن ظاهرة "الذئاب المنفردة" تعد أحد أخطر صور التطرف العنيف، لأنها تعتمد على الفعل الفردي غير المرتبط تنظيمياً وبأساليب يصعب التنبؤ بها أمنياً، في وقت يتبنى فيه المغرب استراتيجية استباقية وشاملة تذهب أبعد من مجرد التعامل الأمني مع هذه "الظاهرة المتطرفة".
زيف الانتماء
أعاد اعتقال شاب عشريني بمدينة تطوان (شمال) قبل أيام قليلة، بتهمة الإعداد لتنفيذ مخطط إرهابي وشيك وبالغ الخطورة يستهدف المساس الخطر بالنظام العام بالبلاد، مثلما كان يروج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لتنظيم "داعش"، وفق بلاغ للمكتب المركزي للأبحاث القضائية (مؤسسة أمنية مكلفة قضايا الإرهاب)، إلى الواجهة ملف ما يسميه البعض "الذئاب المنفردة" بالمغرب.
في السياق قال الباحث في الشأن الأمني والاستراتيجي محمد الطيار "هذا النمط من المتطرفين ينشأ عادة داخل بيئات اجتماعية عادية، لكنهم يعيشون مساراً تدريجاً من العزلة الفكرية والهشاشة النفسية يجعلهم أكثر قابلية للتأثر بالدعاية الرقمية لتنظيم (داعش)، التي تعتمد على خطاب مبسط، ومباشر، وعاطفي"، ويمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء. وأضاف "في المغرب لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دوراً حاسماً في إعادة تشكيل علاقة الفرد بالفكر المتطرف، بحيث لم يعد في حاجة إلى اللقاء وسطاء أو الانخراط في خلايا"، بل يكفي تعرضه المستمر لمحتوى يحمل رسائل التحريض والتمجيد ليحدث التحول الذهني.
من التلقي إلى التنفيذ
أما عن كيفية انتقال الشاب من مرحلة التلقي إلى مرحلة التنفيذ، فلفت الطيار إلى أن الأمر يتم غالباً عبر 3 آليات مترابطة "أولها التأثر النفسي، إذ يشعر الفرد بأن الخطاب المتطرف يخاطب هشاشته الداخلية، فيمنحه هوية بديلة وحلولاً مطلقة لمشكلاته، وثانياً، التطبيع مع العنف من خلال استهلاك مضامين تجرد الضحية من إنسانيتها، مما يجعل القتل والتخريب يبدوان عملاً مشروعاً وعادياً. وثالثاً، الآليات للانتقال من التلقي النظري إلى التنفيذ العملي، وهي نفسية تفعل لدى الفرد عندما يشعر بوجود تهديد سريع ومباشر لهويته أو معتقده أو جماعته المتخيلة"، وتابع الطيار أن "هذه الحالة تنتج رد فعل اندفاعياً يتجاوز التفكير العقلاني، وتدفع إلى قرارات عنيفة تتخذ في زمن قصير، إذ يقنع الخطاب الداعشي أتباعه بأن أي فعل، ولو كان بسيطاً، يمكن أن يعد فتحاً عظيماً يكافأ عليه"، ليخلص إلى أنه "في غياب ارتباط تنظيمي مباشر، يصبح تنفيذ العملية قراراً ذاتياً يتخذ في لحظة نفسية وشعورية حادة".
بروباغندا التحريض
من جهته قرأ الباحث محمد بوشيخي مؤلف كتاب "تفكيك السلفية... من مجالس العلم إلى جبهات القتال"، هذا المعطى بقوله إن المغرب يتعرض بصورة روتينية، منذ عام 2003، لمزيج من التهديدات الإرهابية التي تشترك في "الصبغة الجهادية" من الناحية الأيديولوجية، و"الانتماء لداعش" من الناحية التنظيمية، إذ أثبتت التقارير الأمنية الرسمية المواكبة للعمليات الأمنية ارتباطات "متفاوتة" بين المعتقلين و"داعش" بصورة حصرية.
ووفق بوشيخي "يعود احتكار تنظيم (داعش) العمليات المجهضة إلى بروباغندا التعبئة والتحريض وسط الشباب المغربي، ووجود شبكات نشطة رقمية وواقعية لها امتداد في منطقة الساحل أساساً، كما يعود إلى تراجع تنظيم القاعدة في هذا الشأن"، وأكمل بوشيخي تحليله قائلاً "تراوح ارتباطات المعتقلين بتنظيم (داعش) بين أداء ولاء البيعة لخليفة التنظيم، وهنا نكون أمام أكبر ميثاق ترابط وانتماء يجعل المبايع جندياً طيعاً لأوامر قيادة التنظيم بالخارج، وبين اقتناع فكري بالتصور العقدي للتنظيم من دون أي انتماء تنظيمي أو بصورة أقل بمجرد إعجاب بخطابات قياداته المصبوغة بالطابع البطولي عبر الوسائط الرقمية غالباً، وهنا قد لا يكون المعني بالأمر ملماً بأيديولوجية التنظيم ولا حتى بالضرورات الأساسية للتدين مقابل اهتمامه بصور قيادات التنظيم ورموزه ورايته". ولا يمكن في الحالات الثلاث، وفق الباحث نفسه، "تجاهل خطورة الارتباط الذي قد يحول الشاب، بصورة فجائية، إلى الانخراط بمشروع إرهابي خطر".
أسباب هيمنة "الإرهاب الفردي"
وعزا الباحث بوشيخي هيمنة ما سماه نمط "الإرهاب الفردي" على التهديدات الأمنية التي يشهدها المغرب إلى 3 عوامل رئيسة الأول، فشل "داعش" في خلق فرع داخل التراب المغربي، فلا يمكن الحديث حتى عن مجرد مجموعة مستقرة" إنما خلايا في طور الإعداد لعمل إرهابي قبل مغادرة البلاد نحو معسكرات بالخارج. واستدرك بوشيخي في هذا الصدد بأن الاستثناء في هذا السياق مثلته خلية "أسود الخلافة في المغرب الأقصى" التي تم تفكيكها في فبراير (شباط) الماضي من قبل مصالح الأمن المغربية، وكانت تخطط لتأسيس فرع للتنظيم بالبلاد، "وكان من زود الإرهابيين بالأسلحة قيادي بارز في (داعش)، هو عبدالرحمن الصحراوي، وهو من جنسية ليبية"، وفق مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية حبوب الشرقاوي.
أما العامل الثاني، وفق بوشيخي، فهو أن ارتكاب الجريمة الإرهابية، في إطار العمل الفردي، يعكس التزام المعني أو المعنيين بالأمر بتنفيذ تعليمات صادرة من قيادة التنظيم من أجل التأكد من قدرتهم على الولوج للفعل من جهة، وعدم استسلامهم للتخاذل في مراحل لاحقة، بالتالي ضمان صدق ولائهم وعدم عودتهم إلى بلادهم في حال وصولهم لمواقع التنظيم بالخارج. والعامل الثالث "مبادرة المعني، أو المعنيين بالأمر، بالتخطيط للعمل الإرهابي، من دون أي تعليمات، للتعبير عن استعدادهم للتضحية تحت راية التنظيم، ومن ثم التطلع لقبول بيعتهم لخليفة التنظيم واحتضانهم في معاقله بالخارج".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مقاربة استباقية
وكثيراً ما يحتفي الأمن المغربي بتدخلاته الاستباقية لرصد واعتقال "الذئاب الفردية" قبل الشروع في مخططاتهم الإرهابية، وهو ما يجعل هذه المقاربة وفق خالد التوزاني أستاذ بجامعة "مكناس" ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي "مساق" "استباقية وشاملة تذهب أبعد من مجرد التعامل الأمني مع الظاهرة". وتابع التوزاني "على صعيد الرصد والتتبع، يعتمد المغرب على شبكة استخباراتية مركزية تعمل وفق استراتيجية دقيقة في ملاحقة الظاهرة الإرهابية في مختلف مظاهرها وتجلياتها، وليس داخل المغرب فقط، ولكن في المحيط الإقليمي وعبر العالم، حيث تعمل على تفكيك الخلايا النائمة ومنع تمويل الإرهاب"، ورأى أن هذه المقاربة الأمنية والاستخباراتية حققت نجاحاً باهراً بدليل أن كثيراً من الدول الأوروبية تستعين بالتجربة المغربية في محاربة هذه الظواهر، لافتاً إلى أن "المغرب يعمل على تطوير مقاربته من خلال الدمج بين الذكاء البشري والتقني، ورصد الفضاء الرقمي الذي تتسرب إليه الأيديولوجيات المتطرفة، الشيء الذي مكن المغرب من اكتشاف الخلايا المتطرفة مبكراً قبل أن تتحول إلى قوة في الميدان".
وأفادت وزارة الداخلية المغربية، قبل أيام عدة، بأن المصالح الأمنية تمكنت من تفكيك أكثر من 200 خلية إرهابية منذ عام 2002، مبينة أن معظم الشبكات التي تم تفكيكها تابعة لتنظيمات إرهابية تنتشر في بؤر التوتر، من بينها الساحل الأفريقي والصحراء.
وقاية ووسطية
وأبرز التوزاني "أن مقاربة المغرب الأمنية تعتمد الوقاية استراتيجية أساسية للحماية من الخلايا المتطرفة، حيث تعتمد هذه المقاربة على بعدين: ديني واجتماعي - اقتصادي، ومنها إصلاح الحقل الديني تحت قيادة الملك محمد السادس، عبر إعادة تأهيل الأئمة وتدريس قيم الإسلام الوسطي، وترسيخ الثوابت الدينية للمملكة، مما يشكل حاجزاً فكرياً ودرعاً تحمي عقيدة المغاربة ونموذجهم الديني الوسطي والمعتدل. إلى جانب ذلك، هناك برامج التنمية البشرية ومحاربة الفقر وفك العزلة وإدماج الشباب في التنمية والدعم الاجتماعي، باعتبار أنها برامج تسعى إلى قطع الطريق على خطاب التطرف الذي يتغذى على اليأس ويستغل بطالة الشباب"، ونبه التوزاني من أن "التحدي الحقيقي يكمن في أن طبيعة الذئاب المنفردة تجعلها عصية على الرصد الكامل والشامل، فهي هجمات منخفضة الكلفة وغير منظمة، قد ينفذها أفراد لا ينتمون إلى تنظيم متطرف أو إرهابي هرمي معروف"، ولفت الأستاذ الجامعي إلى أن "نجاح المغرب حالياً في مقاربته الأمنية لا يعني انتفاء الخطر أو الاطمئنان التام، لذلك ينبغي الاستمرار في تعزيز التماسك الاجتماعي، ومراجعة سياسات إعادة إدماج العائدين من مناطق الصراع، واليقظة الدائمة أمام تطورات الخطاب المتطرف عالمياً، بهدف الحفاظ على المكاسب الأمنية المنجزة".