ملخص
تضارب تصريحات الرئيس الأميركي في شأن الحرب مع إيران بين تأكيده اقتراب نهايتها وتعهده بمواصلة القتال حتى تحقيق النصر النهائي، يعكس صعوبة تحديد الهدف الفعلي للعملية العسكرية التي تراوحت مبرراتها ما بين تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين أو إسقاط النظام في طهران، وبينما يرى مراقبون أن الرسائل المتناقضة قد تكون جزءاً من تكتيك سياسي أو عسكري، يبقى السؤال الأهم هل يسعى ترمب إلى إنهاء التهديد الإيراني فقط أم إلى تغيير النظام؟
رسائل متضاربة وكلمات متناقضة وعبارات غير مترابطة شكّلت خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الإثنين حول حرب إيران، لكنها تعكس نهج المعركة التي كافحت إدارته لتقديم مبررات كافية لها، أو تحديد الهدف النهائي الذي اختلط كثيراً بين تدمير البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية، أو الإطاحة بالنظام الإيراني، ففي بداية خطابه قال الرئيس الأميركي إن الحرب مع إيران قاربت على نهايتها، معلناً أن الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا بالفعل شل جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية، ثم عاد وتعهد بأن بلاده ستواصل القتال إلي أن تلحق هزيمة ساحقة بالنظام، قائلاً إن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى تحقيق "النصر النهائي".
وأثناء حديثه مع أعضاء الكونغرس وصف ترمب الحرب مراراً بأنها "حملة قصيرة المدى"، وقال إن الولايات المتحدة دخلت المنطقة "للتخلص من بعض الشر" متوقعاً أن تنتهي الحملة بسرعة، ومضيفاً "مع شركائنا الإسرائيليين نحن نسحق العدو بعرض هائل من المهارة التقنية والقوة العسكرية، وقدرات إيران من الطائرات المسيّرة والصواريخ تتعرض للتدمير التام، والبحرية دُمرت بالكامل وكلها مستلقية في قاع المحيط 46 سفينة، هل تصدقون ذلك؟" متابعاً أن الولايات المتحدة "تخلصت من نحو 80 في المئة من منصات إطلاق صواريخ إيران".
وسبق حديثه إلى الكونغرس لقاءات مع وسائل إعلام أميركية حملت السمة نفسها من التضارب والتناقض، ففي اتصال مع شبكة "سي بي إس نيوز" في اليوم نفسه قال ترمب إن الحرب في مراحلها الأخيرة، مشيراً إلى تدمير البحرية الإيرانية والقوة الجوية والاتصالات، لكن هذه التصريحات سرعان ما تبخرت بعدما قال في مؤتمر صحافي عندما سُئل عما إذا كان يعني بتلك التصريحات أن الحرب ستنتهى الأسبوع الجاري فرد قائلا "لا، لكن قريباً، أعتقد قريباً، قريباً جدا"، من دون إعطاء أي مدى زمني، وحتى عندما سأله الصحافيون عما إذا كانت الحرب "قاربت على نهايتها" أو أنها كما يقول وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بأن "هذه هي البداية"، فرد الرئيس الأميركي "أعتقد أن بإمكانكم اعتبار كلا الأمرين صحيحين، إنها البداية لبناء بلد جديد"، وقد أعلن هيغسيث اليوم الثلاثاء أن "الضربات على إيران ستكون الأشد".
غياب السردية
تعكس التصريحات حالاً من التخبط داخل إدارة ترمب بينما تدخل الحرب أسبوعها الثاني، فمنذ اندلاع المعارك في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي، قدّم مسؤولو إدارته سلسلة من التفسيرات غير المتوائمة حول الهجمات الأولى على إيران، وفي بعض الأحيان أشاروا إلى ضرورة القضاء على الطموحات النووية للنظام الإيراني، وفي أحايين أخرى تحدثوا عن التهديد الملّح والحاجة إلى حماية القوات الأميركية والحلفاء في المنطقة.
ووفق المراقبين في واشنطن فإن التباين الذي هيمن على تصريحات الرئيس الأميركي أمس الإثنين يعكس الضغوط السياسية والعسكرية المتصاعدة بسرعة على رئيس راهن بميراثه على حرب أطلقت أزمة عالمية في الطاقة والجغرافيا السياسية، إذ يبدو أن ترمب يسعى إلى إعلان نجاح الحرب سريعاً عبر خطاب سياسي يؤكد أن طهران ضعفت عسكرياً، وفي الوقت نفسه يسعى إلى تجنب الضغوط الداخلية بما في ذلك من حزبه، فتدهور الأسواق المالية وارتفاع أسعار النفط أثارا مخاوف متزايدة من أن صراعاً طويل الأمد قد يهز الاقتصاد العالمي، وقد أثارت أيام من الضربات الإيرانية الانتقامية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج مخاوف من اندلاع مواجهة أوسع، إضافة إلى أن هناك قلقاً داخل معسكر ترمب والحزب الجمهوري من أن التبعات ستزيد ارتفاع كُلف المعيشة، مما يهدد فرص الحزب خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والمقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
أسعار النفط
وخلال خطاب حال الاتحاد الشهر الماضي، بدا ترمب حريصاً على الإشارة إلى أسعار الوقود عندما كان يستعرض تقدم إدارته على صعيد الاقتصاد، وقال بفخر بعد دقائق من بدء خطابه الذي استمر قرابة ساعتين إن "البنزين الذي وصل إلى ذروة تزيد على ستة دولارات للغالون في بعض الولايات تحت رئاسة سلفي السابق، وكان بصراحة كارثة، أصبح الآن بأقل من 2.30 دولار للغالون في معظم الولايات"، وبعد أسبوعين تهدد حربه مع إيران بإضعاف هذا الطرح، فقد ارتفعت أسعار النفط أمس الإثنين إلى مستويات لم تشهدها منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، بينما قفزت أسعار البنزين في محطات الوقود نحو 50 سنتاً مقارنة بالأسبوع الماضي، وبلغ سعر البرميل نحو 120 دولاراً، قبل أن ينخفض إلى أقل من 90 دولاراً بنهاية اليوم بعد أن ألمح ترمب إلى أن الحرب مع إيران قد تنتهي قريباً.
ومع تأكيد البيت الأبيض أن الارتفاع في الأسعار سيكون موقتاً فقد أصبح واضحاً أن ترمب سعى خلال خطابه إلى الحد من التداعيات السياسية، وفي منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت متأخر أمس الإثنين، حذر الرئيس الأميركي من أن إيران ستتعرض لضربات "أقوى بـ 20 مرة" إذا قامت بأي شيء لإيقاف تدفق النفط في مضيق هرمز.
قلق الجمهوريون
تركت هذه التقلبات بعض أعضاء حزبه قلقين من التداعيات السياسية والاقتصادية وبخاصة مع إعلان إيران استمرار الضربات الانتقامية، وقال زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ جون ثون إن "سعر الوقود دائماً ما يكون معياراً، إنه شيء يولي الجميع اهتماماً به"، فيما اعتبرت السيناتور شيلي مور كابيتو أن "احتمال ارتفاع أسعار الوقود هذا الصيف وخلال الأشهر المقبلة أمر سيئ دائماً، فالناس يسافرون وقد بدأوا بالسفر الآن، والطقس أصبح أخيراً جيداً".
ووفق موقع "ذا هيل" الأميركي فإنه عندما سُئل السيناتور تشاك غراسلي عما إذا كان بإمكان الرئيس أو الكونغرس القيام بأي شيء لخفض كُلف الوقود والمحاصيل الأساس في ولايته، رد بشكل صارم "إنها الحرب في إيران"، وكذلك أعربت السيناتور ليزا موركوفسكي عن استيائها من الوضع الأسبوع الماضي، منتقدة الإدارة الأميركية لعدم أخذ أسعار الطاقة في الاعتبار عند الدخول في الحرب قائلة "يا إلهي، هل تقولون لي إنكم لم تحسبوا هذه الخطوة؟ أعتقد أنهم لم يحسبوها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤدي المعركة حول النفط أيضاً دوراً في النقاش المستمر حول القدرة على تحمل الكُلف في الولايات المتحدة، والذي يأمل الديمقراطيون بأن يستفيدوا منه لتحقيق مكاسب انتخابية كبيرة، فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة "إن بي سي نيوز" نهاية الأسبوع الماضي أن 36 في المئة فقط من الناخبين راضون عن تعامل الرئيس مع كلفة المعيشة والتضخم، بينما أعرب 62 في المئة عن عدم رضاهم، في تراجع ملاحظ عن العام الماضي.
ووسط قلق من ارتفاع الأسعار وغياب خطة واضحة للحرب، أشار الجمهوريون إلى أنهم يريدون أن تنتهي الحرب في أسرع وقت ممكن وبخاصة مع الوضع الاقتصادي القائم.، وقال السيناتور مايك راوندز المرشح لإعادة الانتخاب خلال الخريف المقبل "يجب أن نكون دائماً على دراية بالتأثيرات الاقتصادية في أي وقت تحدث فيه أعمال عدائية في أي مكان في العالم، لأن الأسواق ستستجيب".
خداع العدو
محللون لدى شبكة "سي إن إن" طرحوا تفسيراً مختلفاً لتضارب رسائل ترمب حول الحرب مع إيران، إذ قالوا ربما يسعى الرئيس الأميركي إلى تضليل العدو والتصعيد المحتمل في المستقبل، وقد أفادت الشبكة الأميركية أمس الإثنين بأن البيت الأبيض كان يدرس مهمة معقدة ومحفوفة بالأخطار للاستيلاء على اليورانيوم المخصب بدرجة عالية من إيران، أو أن تكون تلميحاته إلى قرب وقف العمليات القتالية خطوة ذكية للتخفيف من الضغوط السياسية والاقتصادية، وبالفعل تراجعت أسعار النفط وقلصت أسواق الأسهم خسائرها عقب تصريحاته بأن الحرب شارفت على الانتهاء.
لكن مع استمرار الغموض في شأن أفق انتهاء الحرب يظل السؤال ليس ما إذا كان ترمب يريد إنهاء الحرب بل حول ما إذا كان قادراً على إنهائها، وهو ما يحتاج إلى تقييم حول ما إذا كانت الضربات الأميركية قد أضعفت بما فيه الكفاية قدرة إيران على تهديد جيران وحلفاء الولايات المتحدة والمصالح والأراضي الأميركية، وفي هذا الصدد تشير "سي إن إن" إلى أن ترمب قد تكون لديه حجة لإنهاء الحرب وهي أن الهجوم أضعف برامج إيران الصاروخية والنووية والطائرات المسيّرة والبنية التحتية العسكرية لنظامها القمعي.
تغيير النظام
و يبقى سؤال ملّح آخر عما إذا كان ترمب مستعداً للتخلي عن هدف تغيير النظام، ولا سيما في ظل الضغط الإسرائيلي وإصرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على التخلص من النظام الإيراني، لكن الرد على هذا السؤال يبقى مرهوناً بما إذا كان هدف الرئيس الأميركي من هذه الحرب هو إسقاط النظام أو فقط إنهاء التهديد الذي يمثله، وفي حين بدا ترمب في كثير من الأحيان راغباً في التخلص من نظام قمعي قام بقتل آلاف الإيرانيين وعمل طويلاً على زعزعة استقرار المنطقة، لكن مراقبين يعتقدون أن مثل هذه الاحتمالات بدت دائماً غير واقعية إلى حد كبير، وتكشف عن سوء فهم لديناميكيات السلطة الداخلية في بلد قد يكون خاضعاً للسلطة القمعية لكنه يتمتع أيضاً بنزعة قومية قوية، ووفق المحلل السياسي لدى "سي إن إن" ستيفن كولينز فإن الواقع السياسي الحالي في طهران لا يزال بعيداً جداً عن أهداف ترمب، والنظام الإسلامي لم يتردد يوماً في التضحية بشعبه كما حدث خلال الحرب العراقية - الإيرانية في الثمانينيات.