Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة تغرق بالهواتف الذكية… هل هي أدوات حرب؟

شكوك حول انفجار بعضها واستخدامها كمنصات مراقبة بعدما سمحت إسرائيل بدخول كميات كبيرة منها على رغم أنها تضع قيوداً على المواد الغذائية

كانت إسرائيل طيلة فترة الحرب، تمنع إدخال الهواتف الذكية الحديثة لقطاع غزة، ونتيجة لهذه القيود ارتفعت أسعار الأجهزة المحمولة بشكل جنوني (رويترز)

ملخص

هل انفجرت هواتف ذكية جديدة في أيدي الغزيين؟

أثناء شراء منتصر لهاتف ذكي من نوع iPhone 17 pro max، حدث انفجار ضخم، سقطت بسببه الديكورات داخل معرض الأجهزة المحمولة الذكية، على الفور هرع الناس ذعراً من المكان، وأخذوا يتداولون أنباء عن انفجار هاتف في أحد المحلات، وكالنار في الهشيم انتشر الخبر، وبدأت الأحاديث الشعبية والتحليلات الفردية بتداول هذا الموضوع.

بسرعة قال الغزيون إن الهواتف الذكية التي تدخل لغزة مخترقة وتحمل متفجرات وأنها وسيلة للتجسس والمراقبة والاستهداف، وباتوا يتداولون الخشية من أن يكون السماح المفاجئ بدخول هذه الموبايلات جزءاً من خطة إسرائيلية لقتلهم على غرار حادثة تفجير أجهزة "البيجر" التي استهدفت عناصر "حزب الله" في لبنان العام الماضي.

المشهد تعقد بعد ارتفاع حرارة الأجهزة

لم يوضح صاحب الـ iPhone ما حدث معه وإذا كان هاتفه الجديد قد انفجر بالفعل، ولم ينف حامل الهاتف البرتقالي الجذاب الحادثة، ومن الأساس لم يعر أي اهتمام لما يتداوله الغزيون بينهم. أما صاحب معرض الموبايلات فأغلق محله ليومين متتاليين وبعد استئناف عمله تجاهل الواقعة، فيما ظل الناس يرددون تحليلات غير مبنية على أي معلومات من مصادرها.

وما زاد من تعقيد المشهد وعزز مخاوف الغزيين، كان ظهور عدد من أصحاب معارض الهواتف في مقاطع فيديو، يفيدون بأنهم تلقوا شكاوى من مستخدمي الهواتف الذكية الجديدة التي دخلت القطاع وبخاصة من شركة "أبل" Apple، تفيد بأن بعض الأجهزة ترتفع حرارتها بشكل كبير عند التشغيل والاستخدام وإجراء المكالمات.

زادت البلبلة في غزة لدرجة كبيرة، حتى حققت وزارة الداخلية التابعة لحكومة غزة والتي تديرها حركة "حماس" في ذلك الموضوع، وأصدرت بياناً توضيحياً جاء فيه أن "لا صحة لما يتم تداوله من إشاعات حول انفجار هاتف خلوي في محل للأجهزة المحمولة، ما حدث أن إسرائيل كانت تجري عمليات نسف خلف الخط الأصفر ونتيجة للانفجارات القوية سقطت ديكورات الجبس داخل المعرض، حينها ظن المواطنون أن الأجهزة مفخخة".

 

تدفق بعد منع

وكانت إسرائيل طيلة فترة الحرب، تمنع إدخال الهواتف الذكية الحديثة لقطاع غزة، ونتيجة لهذه القيود ارتفعت أسعار الأجهزة المحمولة بشكل جنوني حتى وصل إلى 10 أضعاف ثمنها، مقارنةً بأسعارها في إسرائيل والمناطق المجاورة.

لكن بعد وقف إطلاق النار وإعادة فتح معبر كرم أبو سالم، سمحت إسرائيل للتجار باستيراد الهواتف المحمولة إلى قطاع غزة، وتدفقت الأجهزة الذكية بكميات ضخمة، وانخفض سعرها قليلاً حتى أصبحت تباع بضعفَي ثمنها الحقيقي عند شرائها من تل أبيب.

تدفق كميات كبيرة من الهواتف المحمولة لغزة بشكل غير معتاد ولا منطقي، أثار خوفاً وتوجساً عند الغزيين، بخاصة أنها تدخل يومياً وبكميات أكبر من الطعام المسموح دخوله للقطاع الذي لم يتعاف بعد من المجاعة.

وللمفارقة، بينما تسمح إسرائيل بدخول هواتف "أبل" (Apple) و"سامسونغ" (Samsung)، إلا أنها لا تزال تمنع 350 صنفاً من السلع الأساسية، منها بيض المائدة واللحوم والخيام والمواد الأساسية، وتسمح بدخول سلع ذات قيمة غذائية منخفضة.

وما يثير الشكوك أيضاً هو أن إسرائيل تبدو متناقضة، إذ كانت قبل الحرب تفرض قيوداً صارمة على استيراد الأجهزة الإلكترونية، ومنعتها كلياً خلال الحرب، والآن تسمح بدخولها بكميات مبالغ فيها.

أسعار نار

دفع هذا التدفق الغزيين إلى التساؤل حول التوقيت والكمية التي تتجاوز الجانب التجاري، مرجحين احتمال وجود أبعاد أمنية وراء إدخال هذه الأجهزة، وبدأت المخاوف تزيد من احتمال استخدام بعض هذه الأجهزة كوسائل للتجسس أو التخريب، وظنوا أنه "مشروع بيجر جديد" وربما تنفيذ عمليات تفجير عن بعد، لأن إسرائيل لا تسمح بشيء بلا مقابل.

على رغم هذه التوجسات، فإن سكان غزة تهافتوا بأعداد كبيرة على اقتنائها، على رغم أن سعرها لا يزال مرتفعاً، إذ يباع iPhone 17 pro max بقيمة 2300 دولار، وجهاز SAMSUNG ULTRA S25 بسعر 2200 دولار، وبقية الفئات يتراوح سعرها ما بين 700 حتى 1800 دولار.

بعد اقتصادي

يقول الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر إن "السماح بدخول الهواتف الأكثر تطوراً خطوة لإعادة هندسة مقصودة للمشهد، تهدف لإظهار غزة وكأنها تعيش حياة طبيعية على رغم تدهور كل مقومات العيش، بخاصة وأن الواقع الاقتصادي في غزة كارثياً غير مسبوق". ويضيف، "هناك بعد اقتصادي من الموضوع، إذ تريد إسرائيل سحب جزء من الأموال المتراكمة في حسابات المواطنين، هذه السياسة تشكل إدارة ممنهجة للتجويع، ضمن هندسة اقتصادية تصنع صورة مزيفة بأن الأسواق تعمل بشكل طبيعي".

ويوضح أبو قمر أن غالبية أهالي غزة لا تملك ثمن الطعام اليومي، والفئة التي تشتري الهواتف محدودة جداً، وبعضها حصل على الأموال في ظل الفوضى التي رافقت نهب الشاحنات والمساعدات خلال الإبادة"، لافتاً إلى أن "هذه الفئة لا تمثل الواقع الاقتصادي في غزة، حيث يعيش السكان تحت خط الفقر".

مصلحة اقتصادية إسرائيلية لا تخلو من المراقبة

أما الباحث السياسي محمد دياب فيجيب على سؤال "لماذا تفتح بوابة الهواتف على مصراعيها فيما تغلق بوابة الاحتياجات الإنسانية؟"، قائلاً إن "تحليل هذا السلوك يقود إلى ثلاثة مسارات رئيسة تتقاطع فيها الحسابات الاقتصادية مع الأهداف الدعائية والبعد الأمني".

ويشرح "تسعى تل أبيب لاستنزاف السيولة المالية داخل القطاع، لأنها تدرك أن الحرب أدت إلى تدفق مبالغ مالية إلى غزة، سواء من التبرعات الفردية أو المبادرات الإغاثية أو تحويلات المغتربين. وبالسماح بدخول الهواتف وهي سلع ذات طبيعة استهلاكية ومرتفعة الثمن تخلق سوقاً جاذبة تستنزف الأرصدة المحدودة المتاحة لدى السكان". ويضيف أن "إغراق السوق بالجوالات لا يهدف فقط إلى توجيه الناس نحو إنفاق ما تبقى في أيديهم، بل يحقق للاقتصاد الإسرائيلي منفعة مباشرة، باعتبار معظم هذه الأجهزة تمر عبر سلاسل توريد خاضعة لتل أبيب أو مستفيدة منه، هكذا يتحول الهاتف المحمول إلى أداة تعيد تدوير السيولة من غزة نحو الاقتصاد الإسرائيلي".

وبحسب دياب فإن "إسرائيل تسعى لتوسيع مساحة المراقبة وجمع البيانات، إذ في العمق الأمني، يشكل انتشار الهواتف المحمولة داخل قطاع غزة مساحة خصبة للمراقبة والاستخبار، حتى وإن كانت الأجهزة غير مهيأة مسبقاً كما جرى مع البيجر، إلا أن الهاتف الذكي نفسه يبقى منصة مفتوحة أمام تقنيات التجسس الحديثة".

لماذا يشتري الغزيون الهواتف؟

على رغم المخاوف، فإن الأسباب الحقيقية التي تدفع الغزيين لشراء الهواتف الذكية أعمق بكثير من مجرد الرفاهية أو الاستهلاكية، وهي مرتبطة بصميم الحياة اليومية في ظل الحرب والحصار، ويلخص الباحث الاجتماعي مؤمن الشرفا ذلك بـ "الحاجة الماسة للاتصال والتواصل بعد تدمير أكثر من 50 في المئة من البنية التحتية للاتصالات".

ويقول الشرفا "أصبح الهاتف الذكي أداة حيوية للنازحين للبحث عن أقاربهم، وللحصول على معلومات عن مواقع التوزيع الإغاثي، وللتواصل مع المنظمات الإنسانية، وفي ظل انهيار الشبكات المحلية، برزت شرائح eSIM كحل بديل، وهذه الخاصية تتطلب هواتف ذكية حديثة، ما دفع كثيرين إلى شراء أجهزة جديدة على رغم أسعارها المرتفعة". ويضيف، "أصبحت الهواتف الذكية أداة توثيق أساسية لتسجيل جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، كذلك في ظل انهيار الاقتصاد وارتفاع البطالة إلى أكثر من 80 في المئة، يعتمد كثير من الغزيين على الهواتف الذكية للعمل عن بعد أو للتجارة الإلكترونية أو لتقديم خدمات رقمية تدر دخلاً ولو محدوداً، فالهاتف الذكي أصبح أداة عمل وليس مجرد وسيلة ترفيه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من يشتري الهواتف؟

بعد البحث عن الأشخاص الذين يقتنون هواتف بآلاف الدولارات، تكشف النتيجة عن تركيبة طبقية معقدة تشكلت في غزة خلال سنوات الحصار والحرب، وفق أستاذ الدراسات المجتمعية مازن الريس الذي يقول "الطبقة الأولى تجار الحروب، هؤلاء تمكنوا من تكديس ثروات هائلة من خلال احتكار السلع النادرة وبيعها بأسعار خيالية، أما الطبقة الثانية فهم بقايا الطبقة المتوسطة هؤلاء يرون في الهاتف الذكي استثماراً ضرورياً للبقاء والعمل وليس ترفاً".

ويوضح الريس أن "الطبقات الاجتماعية في غزة تغيرت جذرياً، إذ انسحقت الطبقة المتوسطة، وظهرت طبقة جديدة من تجار الحروب، بينما غرقت الغالبية الساحقة في فقر مدقع لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلاً".

لا تحذيرات أمنية

وسط كل ذلك لا يزال الغزيون يتخوفون من الهواتف الجديدة من ناحية أمنية، ولكن ماذا تقول الجهات الرسمية؟ يرد مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة، "لا نمتلك الإمكانات التقنية لفحص جميع الأجهزة المستوردة ولم تصدر تحذيرات رسمية بشأنها، لا يوجد دليل قاطع يؤكد أن الهواتف المحمولة المسموح بإدخالها إلى غزة تنفجر بشكل متعمد أو جماعي، الروايات حول انفجار الهواتف هي في الغالب جزء من مخاوف وإشاعات مرتبطة بالظروف الأمنية المعقدة في القطاع والتدفق المفاجئ والكبير لتلك الأجهزة، ولم يتم تأكيدها رسمياً كحوادث انفجار متعمدة أو ممنهجة".

ويضيف أن "هناك ضرورة ملحة للانتباه واليقظة عند التعامل مع الأجهزة الذكية، بخاصة أنها دخلت القطاع في ظروف أمنية صعبة ومعقدة". 

أما في إسرائيل، فيقول منسق أعمال الحكومة في المناطق الفلسطينية غسان عليان، "يطلب تجار غزة توريد الهواتف ونسمح بذلك بناء على طلبهم ليس أكثر".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير