Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بغداد تصوت وبيروت تراقب... التشابه الخفي بين الساحتين

رغم كل العيوب يبقى الاقتراع ممراً إلزامياً لتشكيل الحكومة وتقاسم السلطة في بلاد الرافدين

يطرح سؤال عن نقاط التشابه بين العاصمتين اللبنانية والعراقية بخاصة أن قطار الانتخابات اللبنانية لعام 2026، أطلق صفارة الانطلاق (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

ليس لانتخابات العراق تأثير كبير يغير المشهد اللبناني، لكنها تعزز قدرة إيران على الصمود في بيروت، لأنها تثبت، أن الخسائر في ساحات النفوذ الأخرى، أي سوريا وغزة واليمن، لا تؤدي إلى انهيار في بغداد، بل على العكس، تعوض إيران ذلك بتثبيت موقعها في العراق، مما يمنحها زخماً تفاوضياً وسياسياً ينعكس لاحقاً على خطابها وسلوكها في لبنان.

لم تكن الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025 مجرد استحقاق دستوري دوري، بل تحولت إلى محطة سياسية حاسمة رسمت حدود القوة داخل "البيت الشيعي"، وحددت اتجاه التوازنات الإقليمية في مرحلة يشتد فيها الصراع الأميركي – الإيراني، وتتهشم فيها ساحات نفوذ طهران الواحدة تلو الأخرى. ولهذا، حملت هذه الانتخابات أهمية تتجاوز مقاعد البرلمان، لتصبح بمثابة استفتاء سياسي غير معلن على مستقبل العراق، كجزء من "المجال الإيراني الحيوي" أو كدولة قادرة على استعادة شيء من استقلالية قرارها.

ومنذ ما قبل فتح صناديق الاقتراع، كان واضحاً أن معركة 2025 لن تدور فقط بين أحزاب سياسية، بل بين نماذج حكم، نموذج دولة المؤسسات والقانون، مقابل نموذج الدولة–الميليشيات الذي بني تدريجاً خلال العقدين الماضيين، وتكرس بعد عام 2014 مع صعود "الحشد الشعبي". وفي هذا السياق، بدا الاستحقاق الانتخابي كأنه عملية لقياس مدى ترسخ نفوذ القوى المتحالفة مع إيران داخل المجتمع الشيعي، ومدى قدرة خصومها، من تيارات مدنية و"تشرينية" (نسبة إلى ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 2019)، وسنية وكردية، على تعطيل آلة السلطة الراسخة.

وعلى رغم التنافس الشديد داخل المعسكر الشيعي نفسه، بينت هذه الانتخابات أن التشتت لا يعني الضعف حين تكون المظلة الاستراتيجية واحدة، فالقوى المنضوية ضمن "الإطار التنسيقي" للقوى الشيعية، أو القريبة منه، خاضت السباق بواجهات متعددة، لكنها التقت عند نقطة مركزية، حماية النفوذ السياسي والأمني الذي راكمته منذ عام 2018، ومنع أي اختراق يعيد التوازن إلى المشهد الوطني كما حصل لفترة قصيرة بعد انتخابات 2021. 

وعليه، فإن ما جعل انتخابات 2025 منعطفاً مفصلياً هو أنها جرت بعد ثلاثة متغيرات كبرى، الأول هو انكفاء التيار الصدري انتخابياً، مما أفرغ الساحة الشيعية من المنافس الوحيد القادر على كسر نفوذ الإطار. والثاني وهو نجاح القوى المتحالفة مع إيران في إعادة بناء حضورها المحلي قبل الانتخابات عبر بوابة مجالس المحافظات ومؤسسات الدولة. والثالث، حالة الإرهاق الشعبي التي أصابت "قوى تشرين"، وحولت الغضب إلى مقاطعة بدل تحويله إلى قوة اقتراع منظمة.

معركة "تثبيت مكتسبات"

بدا أن محور إيران يخوض في انتخابات العراق معركة "تثبيت مكتسبات" لا "تحقيق اختراق"، وأن هدفه الرئيس ليس الانتصار العددي في البرلمان فحسب، بل ضمان أن أي حكومة مستقبلية لن تتشكل من دون موافقته، أي جعل نفوذه شرطاً بنيوياً لبقاء النظام السياسي ذاته.

إضافة إلى أن البيئة الانتخابية لعام 2025 كانت أيضاً محكومة بواقع أعمق، فالعراق يعيش منذ عام 2003 في معادلة مزدوجة تجمع بين ريعية الدولة واقتصاد الميليشيات. مما أعطى هذا التزاوج القدرة على إنتاج الولاء السياسي، المرتبط بقدرة القوى الحاكمة على توزيع الوظائف والامتيازات، وعلى التحكم بمفاصل الأمن والبيروقراطية. وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات عملاً إجرائياً لشرعنة سلطة قائمة مسبقاً، لا آلية لتغييرها جذرياً. وهنا بالتحديد ظهر تفوق القوى المتحالفة مع إيران، التي تمتلك المال، والسلاح، وخبرة إدارة الدولة، وشبكات اجتماعية متراكمة، في مقابل معارضة مشتتة، ضعيفة التمويل، ومطاردة سياسياً وأمنياً. وهكذا، جاءت نتائج 2025 لتؤكد أن صناديق الاقتراع في العراق تعمل ضمن سقف محدد سلفاً، أي يمكنها إعادة توزيع التفاصيل داخل المعسكر الواحد، لكنها لا تمس البنية العمودية للنفوذ الإقليمي. لذلك بدا فوز حلفاء إيران في هذه الانتخابات ليس بالأرقام فحسب، بل بقدرتهم على فرض معادلة مفادها، أن الحكومة المقبلة ستكون "حكومة توازن" داخل البيت الشيعي، لكنها حكماً حكومة لا يمكن أن تقوم ضد إرادة طهران أو من دون موافقتها.

 

تعقيدات تشكيل الحكومة

في مقال تحليلي للدبلوماسيين، جيمس جيفري وهو زميل في "معهد واشنطن" وديفيد شينكر وهو زميل أقدم في برنامج الزمالة "توب" في نفس المعهد، وشغل سابقاً منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، بعنوان "الانتخابات العراقية: النتائج والخطوات التالية"، يقول إن رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حقق "نتائج جيدة على صعيد صناديق الاقتراع، لكن تعقيدات عملية تشكيل الحكومة الطويلة في العراق والتوزيع النهائي للمقاعد البرلمانية قد تضع التحالف الرئيس المدعوم من إيران في موقع القيادة. وللوهلة الأولى، بدت نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري مشجعة، بما فيها بالنسبة إلى العلاقات مع الولايات المتحدة. فعلى رغم مقاطعة حركة مقتدى الصدر المؤثرة، فاقت نسبة المشاركة الـ55 في المئة، بزيادة 12 نقطة عن أدنى مستوى سجل عام 2021 عند 43 في المئة. ومع ذلك فإن الفصيل الذي احتل المرتبة الأولى، وهو 'ائتلاف إعادة الإعمار والتنمية' بقيادة رئيس الوزراء الحالي، حصل على 15 في المئة فقط من مقاعد البرلمان (46 من أصل 329). ولذلك، من المرجح أن يشهد العراق فترة طويلة من المفاوضات السياسية المضنية قبل تشكيل حكومة جديدة، شبيهة بالتأخيرات السابقة بعد الانتخابات (ثمانية أشهر عام 2010، و11 شهراً في 2021– 2022)".

وجاء في قراءة لموقع "فرارو" الإيراني الإخباري التحليلي، ضمن مقال بعنوان "سياسة العراق الخارجية بعد الانتخابات... لا إيران ولا أميركا" بقلم محسن صالحي خواه، أن "نتائج الانتخابات البرلمانية في العراق وحصول الشيعة على الأكثرية حظيت بكثير من الاهتمام والتحليل من زوايا متعددة في إيران. واحتفل بعض التيارات في البلاد بالفوز غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن الشيعة يشكلون غالبية سكان العراق وأن القوى السياسية الشيعية البارزة تختلف في رؤيتها حول العلاقات بين بغداد وطهران، إذ إن بعضها أقرب إلى طهران تقليدياً على غرار التيارات التي يتزعمها نوري المالكي وهادي العامري والسيد عمار الحكيم ومن بعدها تأتي الميليشيات السياسية البارزة على غرار جماعة قيس الخزعلي "الصادقون" وبعض التيارات الشيعية المناهضة لإيران والفئة الرابعة تؤكد استقلالية العراق وإقامة علاقات خارجية مع كل دول المنطقة والقوى الكبرى".

في المقابل اعتبرت صحيفة "جوان" المقربة من "الحرس الثوري"، أن "المعسكر الشيعي اکتسح الانتخابات، وهذا يحمل تداعيات أمنية وسياسية مهمة للعراق. في الجانب السياسي، هذا النجاح يعزز حضور التيارات الشيعية في الحكومة، وفي اختيار رئيس الوزراء والأركان الرئيسين في الحكومة".

 

هل انتصر "محور إيران" في الانتخابات العراقية؟

في انتخابات مجالس المحافظات عام 2023، حصدت الأحزاب الشيعية المتحالفة ضمن "الإطار التنسيقي"، والكثير منها على صلة وثيقة بإيران وميليشيات "الحشد الشعبي"، الكتلة الأكبر في معظم المحافظات الشيعية، وخرجت كـ"الكتلة الحاكمة" محلياً. وهذا ما عزز قدرتها على التحكم بالحوكمة المحلية والموارد والوظائف قبل انتخابات 2025، أي تعزيز ماكينة الزبائنية.

واليوم وفي الانتخابات البرلمانية الحالية حصد السوداني، الذي وصل أصلاً عبر دعم "الإطار التنسيقي" عام 2022، أكبر كتلة في البرلمان الجديد، لكن من دون غالبية، مما يفرض تشكيل ائتلاف واسع يكون عماده القوى الشيعية المتحالفة مع إيران.
وأشارت تقارير بحثية عدة، إلى أن القوى المقربة من إيران دخلت الانتخابات وهي مهيأة لتشكيل الكتلة الأكثر تأثيراً في تشكيل الحكومة المقبلة، حتى لو تعددت لوائحها وتنافس زعماؤها في ما بينهم. وهذا يعني أن محور إيران لم ينتصر برقم سحري واحد، بل بقدرته على ضمان أن أي حكومة مقبلة لن تتشكل من دونه، وأن ثقل القرار الشيعي، ومن ثم مفاصل الدولة، يبقى في يده. وذلك بسبب بنية النظام منذ ما بعد عام 2003، أي الغلبة الديموغرافية الشيعية إضافة إلى المحاصصة. وهذا النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية ضمن إطار اتحادي-ريعي، يعطي للغالبية الشيعية وزناً حتمياً في تشكيل الحكومات. وإيران وببراغماتيتها المعهودة، استثمرت باكراً في بناء شبكة فصائل مسلحة، وأحزاب، وأذرع اقتصادية وإعلامية داخل البيئة الشيعية، فباتت الكتلة الشيعية الأقرب إليها هي الأقدر على حصد ثمرة أي تسوية حكومية، حتى لو لم تكن صاحبة أعلى الأصوات. 

أوجه الشبه بين بغداد وبيروت

ازداد وزن العراق بالنسبة إلى السلطات الإيرانية بعد حرب غزة، وتصاعد التوتر مع إسرائيل، الضربات المتبادلة مع الولايات المتحدة. ويعد العراق الممر الاستراتيجي للنفوذ الإيراني نحو سوريا ولبنان، ومنصة لإبقاء الضغط على القوات الأميركية. وفي اللحظة التي تتعرض فيها أذرع إيران في المنطقة لضغط عسكري واقتصادي كبير، يصبح الإمساك بالعراق عبر صناديق الاقتراع أولوية وجودية.

في السياق لا بد أن يطرح المراقب سؤالاً، عن نقاط التشابه بين العاصمتين اللبنانية والعراقية، بغداد وبيروت، بخاصة أن قطار الانتخابات البرلمانية اللبنانية لعام 2026، أطلق صفارة الانطلاق. والحقيقة أن هناك تشابهات عميقة تجعل المشهدين يتكلمان اللغة نفسها، وإن اختلفت المقاربات.

في العراق، هناك فصائل "الحشد الشعبي" وميليشيات مرتبطة بـ"الحرس الثوري" تتموضع بين الدولة والمجتمع، وتستخدم السياسة والانتخابات كغطاء لشرعنة نفوذها المسلح. وفي لبنان، يمسك "حزب الله" بالقرار الاستراتيجي عبر السلاح ويستخدم الانتخابات ومؤسسات الدولة كأطر لإدارة النفوذ، لا للتنازل عنه. أضف إلى اعتماد نمط الاقتصاد الريعي– الزبائني، واعتبار أن الدولة "غنيمة"، بحيث تتحول موارد الدولة في البلدين، النفط في العراق، والقطاع العام والتهريب والمصارف في لبنان، إلى شبكة محاصصة بين أحزاب المنظومة. وبطبيعي الحال، فإن القوى المدعومة من إيران جزء مركزي في هذه الشبكات، وتضمن عبرها الولاء الشعبي والانتخابي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قوانين انتخابية تعيد إنتاج الطبقة نفسها

ومن الجدير ذكره هنا أن تقسيم الدوائر وطريقة احتساب الأصوات في العراق ولبنان صمما بطريقة لا تسقط الأحزاب الكبيرة بسهولة، بل تترجم التشتت المعارض إلى مقاعد إضافية للمنظومة الحاكمة. وكلما انقسمت القوى السيادية والمدنية، ازداد وزن حلفاء إيران. وهذا ما حدث إبان الثورات الاحتجاجية، التي أجهضت، ثم أعيد تدوير خطابها، أي "حراك تشرين" العراقي عام 2019، وانتفاضة "17 تشرين" اللبنانية في نفس العام. وفي الحالتين، قمعت، واغتيلت معنوياً أو فعلياً عبر التهديد، ثم تم استيعاب بعض شعارات مكافحة الفساد في خطاب قوى السلطة. وكانت النتيجة، تحويل الزخم إلى إحباط وعزوف انتخابي بدلاً من أن يترجم إلى بديل منظم.

أضف إلى أن المعادلة الإقليمية، تجعل من بغداد وبيروت، خط تماس أساسي بين واشنطن وطهران. وكل تسوية داخلية تقاس بمدى انسجامها مع "هندسة النفوذ الإقليمي" أكثر مما تقاس بمصالح المواطنين.

ولكن ومع كل هذا التشابه، هناك فروق حاسمة تمنع إسقاط النموذج العراقي بالكامل على لبنان. ففي العراق، الغالبية السكانية هي من الشيعة، والموارد النفطية الضخمة تسمح للنظام بإعادة توزيع بعض الريع وشراء قدر من السلم الاجتماعي. وهذا يعطي القوى الموالية لإيران هامشاً لتقديم خدمات فعلية، فينتج تعايشاً مصلحياً بين جزء من المجتمع والدولة–الميليشيات. أما في لبنان فإن التوزيع الطائفي أكثر توازناً، والاقتصاد منهار، والدولة مفلسة، مما يجعل قدرة "حزب الله" على شراء الولاء أصعب وأغلى، وأي توسع إضافي في نفوذ الحزب سيترجم فوراً في انهيار أوسع، فينعكس غضباً على المنظومة كلها.

أيضاً من الجدير ذكره هنا، أن بنية "البيت الشيعي" في العراق، تشمل تعددية شيعية واضحة (المرجعية النجفية التقليدية، والصدر، والإطار التنسيقي، وقوى مدنية شيعية)، وتتعامل إيران مع شبكة لاعبين لا مع وكيل وحيد. وإضافة إلى كل ما سبق فإن العراق هو عمق جغرافي، وممر لوجيستي، وخزان بشري واقتصادي، ودولة مفصلية، في الهلال الإيراني.

 في حين أنه في لبنان وكما هو معلوم، أن الثنائية الشيعية تضم كلاً من "حزب الله" وحركة "أمل"، مع هيمنة شبه مطلقة للحزب في القرار الأمني والعسكري، مما يجعل قناة النفوذ الإيراني أوضح وأحادية أكثر. وتعد طهران الحزب منصة صاروخية–حدودية في مواجهة إسرائيل، ذات وزن رمزي وإعلامي وعسكري، لكن من دون القدرات الاقتصادية والنفطية للعراق. بالتالي، في العراق، فإن انتصار "محور إيران" يعني الإمساك بالدولة نفسها، وفي لبنان، يعني الإمساك بقرار الحرب والسلم والبنية الأمنية، مع ترك الدولة في حالة "الشلل المدروس".

 

 

الدور الإيراني انتهى

يقول النائب في البرلمان اللبناني أشرف ريفي، إن "الانتخابات النيابية في لبنان لا يزال أمامها نحو السبعة أشهر، والمنطقة تشهد تطورات متسارعة جداً، لذلك فإنه من الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات سيكون المشهد قد اختلف إقليمياً ولبنانياً وعراقياً. ولا يجوز الحكم على هذه اللحظة، لأن الخط العريض هو انحسار النفوذ الإيراني، ولكن في حاجة إلى القليل من الوقت كي يترجم على الأرض". ويتابع ريفي "أن الأحداث الضخمة والمتسارعة القادمة ستفرض مسارها على المشهد، ولكني على قناعة تامة أن الدور الإيراني انتهى في المنطقة والذي كان أداة للفوضى، ومن ينتهي دوره في اللعبة الدولية، سينتهي وجوده حكماً، اليوم ما تبقى هو بقايا 'حزب الله' في لبنان، ومن الحوثيين في اليمن، ومن 'الحشد الشعبي' في العراق، وهذا لا يعني أن دور إيران سينتهي على الفور، ولكنه سينتهي عاجلاً أم أجلاً في الإقليم".

ويشير النائب في البرلمان اللبناني إلى أنه "وعلى رغم النقاط المشتركة بين بيروت وبغداد ولكن هناك اختلافات، ولا يمكن ربط المسارين في البلدين ببعضهما بعضاً، ولكن مصير كل الأذرع الإيرانية هو الانتهاء، ذلك أنه في سوريا انتهوا بالضربة القاضية، وفي لبنان ينتهون بالنقاط، وفي اليمن والعراق أيضاً".  

وزن الانتخابات في إنتاج السلطة

في العراق، تبقى الانتخابات ممراً إلزامياً لتشكيل الحكومة وتقاسم السلطة، ولا يمكن تجاهل النتائج كلياً. أما في لبنان، وعلى رغم أهمية الانتخابات البرلمانية، لكن السلطة الفعلية غالباً ما تحسم على طاولة التسويات، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، كالتسوية الرئاسية، والتفاهمات الأمنية، وغيرها، أي إن صندوق الاقتراع أقل تأثيراً مباشراً في إنتاج القرار الاستراتيجي.

أضف إلى ذلك أن طبيعة الحضور الأميركي في العراق متمثلة بوجود عسكري مباشر، وقواعد، واتفاقات أمنية، مما يجعل بغداد أكثر حساسية حيال أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة. أما في لبنان فإن الحضور الأميركي، مالي– سياسي– دبلوماسي، مع نفوذ أمني غير مباشر، بينما ساحة الاشتباك المباشر هي الحدود مع إسرائيل أكثر من الداخل اللبناني نفسه.

هل تنعكس نتائج العراق على لبنان؟

قد يكون ذلك وارداً، ولكن بصورة غير مباشرة ومحدودة، وباتجاه واحد فحسب، أي إن انتخابات العراق لا تغير المشهد اللبناني، لكنها تعزز قدرة إيران على الصمود في بيروت، لأنها تثبت، أن الخسائر في ساحات النفوذ الأخرى، أي سوريا وغزة واليمن، لا تؤدي إلى انهيار في بغداد، بل على العكس، تعوض إيران ذلك بتثبيت موقعها في العراق، مما يمنحها زخماً تفاوضياً وسياسياً ينعكس لاحقاً على خطابها وسلوكها في لبنان.

كما أن نموذج السيطرة عبر الانتخابات يعمل بفعالية في بيئة الطوائف المنقسمة، وضعف الدولة، وهو النموذج نفسه المستخدم في لبنان منذ عام 2005، أي منطق "الأكثرية والأقلية" داخل طائفة واحدة يحسم شكل الدولة ككل. من هنا فإن العراق يبقى قاعدة ارتكاز استراتيجية لـ"حزب الله"، وكلما كانت بغداد مستقرة تحت سقف القوى القريبة من إيران، ازداد هامش الحزب في لبنان لفرض شروطه أو تعطيل أي مسار لا يناسبه.

لكن التأثير ليس انتقالاً آلياً، ولبنان ليس عراقاً مصغراً، وميزان القوى الداخلي اللبناني أضعف بكثير من القدرة على إنتاج "حكومة هيمنة" على الطريقة العراقية.

كما أن النظام اللبناني قائم على التعطيل أكثر مما يقوم على الاحتواء، أي إن "حزب الله" يستطيع أن يمنع القرارات، لكنه لا يستطيع أن يحكم البلد منفرداً كما تحكم بغداد.

من هنا قد تكون الانتخابات العراقية 2025 كرست نفوذ إيران داخل العراق، لكنها لم تفتح الباب لنسخة لبنانية من هذا النمط. وما حصل في بغداد يعزز موقع طهران إقليمياً، ويمنح حلفاءها في لبنان شعوراً بالثبات، لكنه لا يغير البنية اللبنانية المعقدة التي تمنع أي مشروع سيطرة كاملة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل