Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديفيد رايْك يتأمل: "من نحن وكيف وصلنا إلى هنا؟"

الخليط السكاني أساسي في الطبيعة البشرية ولا وجود لما يسمى العرق النقي

المستقبل الغامض للبشرية (غيتي)

ملخص

في كتابه "مَن نحن وكيف وصلنا إلى هنا؟"، الذي صدرت طبعته الإنجليزية عام 2018، يراجع عالم الوراثة الأميركي ديفيد رايْك David Reich، التاريخ السحيق للجنس البشري، ويكشف زيف ما يسمى العرق النقي، ويبرز الروابط بين الشعوب المعاصرة، ويدعو إلى تحويل "الحمض النووي القديم" إلى مجال؛ ليس من اختصاص علماء الوراثة فقط، ولكن أيضاً لعلماء الآثار لإدراك إمكاناته غير العادية في الكشف عن هويتنا.

في مقدمة كتاب "من نحن وكيف وصلنا إلى هنا: الحمض النووي القديم والعلم الجديد لماضي البشرية"، يؤكد أستاذ علم الوراثة في جامعة هارفارد ومعهد هوارد هوبز، ديفيد رايْك، أنه انطلق من رؤى لوكا كافالي سفورزا، مؤسس الدراسات الوراثية لماضي البشر. والكتاب صدرت طبعته العربية عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، بتوقيع طارق فراج. ويعتبر رايْك رائداً في تحليل الحمض النووي البشري القديم للتعرف على الماضي، وأنتج مختبره الخاص بحلول شهر أغسطس ( آب) عام 2017، بيانات حول الجينوم لأكثر من ثلاثة آلاف عينة قديمة. وعمل رايْك مع سفانتي باوبو، بدءاً من عام 2013، في "معهد ماكس بلانك" للأنثروبولوجيا التطورية" في لايبزيغ في ألمانيا لإنتاج الكثير مما يخص الثورة الجديدة للحمض النووي القديم على مستوى الجينوم، والتي تم تطويرها لدراسة عينات قديمة جداً، مثل البشر البدائيين والدينيسوفان.

وتمثَّل إسهام مختبر رايْك في هذا الصدد في زيادة الطرق التي يمكن من خلالها دراسة عدد كبير من عينات حديثة نسبياً، "رغم أن هناك عينات ترجع إلى آلاف السنوات لم تمس بعد". ويعتبر مختبر رايك هو الأول في الولايات المتحدة الأميركية الذي يركز على دراسة الجينوم الكامل للحمض النووي لدى الإنسان القديم. وعمل رايك في هذا المختبر مع نادين رولاند على تخليق الحمض النووي القديم صناعياً، لبناء مصنع لعلم الجينوم الأميركي، على أساس التقنيات المتطورة في أوروبا لدراسة العينات الفردية.

عودة إلى الأسلاف

سطع نجم لوكا كافالي سفورزا، عام 1994، عندما نشر كتابه "تاريخ وجغرافيا الجينات البشرية"، الذي يرى رايك أنه كان مبنياً على ما كان معروفاً في ذلك الوقت. وبالتالي – يضيف رايك - فقد عانى هذا الكتاب من قلة البيانات الجينية المتاحة، والتي كانت محدودة جداً ومن ثم عديمة الجدوى تقريباً؛ مقارنة بالمعلومات الأكثر شمولاً لعلم الآثار واللغويات. في عام 2008 بدأ دق مسمار في نعش نموذج الانتشار العشوائي الذي اعتقد سفورزا والعديد من العلماء في السابق أنه دمج مثالي للرؤى بين علمي الآثار والوراثة. لكن أظهر جون نوفيمبر وزملاؤه أن التذبذبات زيادة ونقصاناً في أعداد السكان من الصيادين وجامعي الثمار والمزارعين التي لوحظت في أوروبا يمكن أن تنشأ دون هجرات. بعد ذلك أظهروا أن التوسع الزراعي الذي انتقل من الشرق الأدنى إلى أوروبا قد يسببه بشكل غير مباشر الأسلوب الرياضي الذي استخدمه سفورزا لإنتاج تدرج عمودي على اتجاه الهجرة، وليس بالتوازي معها، كما شوهد في البيانات الحقيقية.

استغرق الأمر فترة الثورة الناجمة عن القدرة على استخراج الحمض النووي من العظام القديمة، والتي أثبتت – كما يقول رايك - أن المزارعين الأوائل حتى في أقصى المناطق النائية في بريطانيا والدول الإسكندنافية والإيبيرية، كانت لديهم نسبة ضئيلة جداً من جينات الآلاف المرتبطين بالصيادين (جامعي الثمار). في الواقع، كان ارتباطهم بأسلاف الصيادين – جامعي الثمار أقل مما هو موجود في محتلف السكان الأوروبيين اليوم.

دحض العنصرية

ولاحظ رايك أن أعلى نسبة من أسلاف المزارعين الأوائل في أوروبا، ليست اليوم في جنوب شرق أوروبا؛ المكان الذي اعتقد لوكا كافالي سفورزا أنه الأكثر موثوقية؛ استناداً إلى بيانات فصائل الدم، والذي يقع في جزيرة سردينيا. وخلص إلى أن "في عصرنا لا تترك نتائج الحمض النووي القديم عزاءاً للتفسيرات العنصرية أو القومية الخاطئة". كما لاحظ رايك أن الحمض النووي المستخرج من بقايا بشر عاشوا مثلاً قبل 10 آلاف سنة، يدل على أن النسبة السكانية للمجموعات البشرية في ذلك الوقت كانت مختلفة نوعياً، ومن ثم فإن السكان الحاليين هم مزيج من السكان السابقين، الذين كانوا بطبيعة الحال ممتزجين، واعتبر أن السكان الأميركيين من أصل أفريقي، واللاتينيين في الأميركتين؛ "هم فقط الأحدث في سلسلة طويلة من الخلطات السكانية الرئيسة".

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء؛ الأول: "التاريخ السحيق للجنس البشري"، ويصف كيف أن الجينوم البشري لا يوفر فقط جميع المعلومات التي تحتاجها البويضة البشرية المخصبة لتتطور، بل يتضمن أيضاً تاريخ جنسنا البشري. يناقش الفصل الأول كيف يشرح الجينوم من نحن. ويقول  رايك في هذا الصدد إن ثورة الجينوم علمتنا من نحن كبشر؛ ليس من خلال الكشف عن السمات المميزة للبيولوجيا البشرية مقارنة بالحيوانات الأخرى، بل من خلال الكشف عن تاريخ الهجرات وأخلاط السكان التي شكَّلتنا.

يكشف الفصل الثاني عن لقاءات مع البشر البدائيين، وكيف أتاحت التكنولوجيا المتقدمة للحمض النووي القديم بيانات عن البشر البدائيين، أبناء عمومتنا من ذوي العقول، وأظهرت كيف تزاوجوا وتم تهجينهم مع أسلاف جميع البشر المعاصرين الذين يعيشون خارج أفريقيا، يشرح الفصل أيضاً كيف يمكن استخدام البيانات الجينية لإثبات حدوث الاختلاط القديم بين السكان. الفصل الثالث يسلط الضوء على كيف يمكن للحمض النووي القديم أن يكشف عن الملامح المميزة للماضي والتي لم يتوقعها أحد؛ بدءاً من اكتشاف الـ "دينيسوفانيين" – وهي مجموعة قديمة لم تكن معروفة من قبل ولم يتنبأ بها علماء الآثار – وصولاً إلى هذا المزيج من أسلاف الغينيين الجدد اليوم، أطلق تسلسل "دينيسوفان" سلسلة من الاكتشافات الخاصة بالسكان الأصليين والأخلاط القديمة وأظهر بشكل لا لبس فيه أن الخليط السكاني أساسي في الطبيعة البشرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجزء الثاني: "كيف وصلنا إلى حيث نحن الآن؟"، يدور حول كيفية قيام ثورة الجينوم والحمض النووي القديم بتغيير فهمنا للأسباب الخاصة بنا اليوم، ويتضمن جولة حول العالم مع أخلاط السكان كموضوع موحد. يقدم الفصل الرابع "أشباح الإنسانية" أو "الأسلاف المتخيَّلون"، فكرة أنه يمكننا إعادة بناء المجموعات المختلطة، فيعتمد على أجزاء من المادة الوراثية التي تركت آثارها في الأشخاص الحاليين. يشرح الفصل الخامس "مولد أوروبا الحديثة"، كيف ينحدر الأوروبيون الحاليون من ثلاثة مجتمعات متباينة للغاية، اجتمعت على مدى التسعة آلاف سنة الماضية بطريقة لم يتوقعها علماء الآثار قبل ثورة الحمض النووي القديم.

آسيا وأوروبا

الفصل السادس: "التصادم الي شكَّل الهند"، يشرح كيف أن تكوين سكان جنوب آسيا يوازي نظيره من الأوروبيين: في كلتا الحالتين، هجرة جماعية للمزارعين من الشرق الأدنى، قبل 9 آلاف سنة، احتلطت مع مجموعة "جامعي الصيد البدائيين" التي كانت موجودة منذ أمد طويل، ثم هجرة جماعية ثانية من السهوب الأوراسية، قبل 5 آلاف سنة، جلبت نوعاً مختلفاً من الأصول، وربما اللغات الهندوأوروبية أيضاً. يُظهر الفصل السابع، كيف أظهر تحليل الحمض النووي القديم والحديث أن الأميركيين الأصليين – قبل وصول الأوروبيين – يستمدون أصولهم من تذبذبات الهجرات الرئيسية المتعددة من آسيا.

ويصف الفصل الثامن مقدار ما ينحدر من أصل شرق آسيوي من التوسعات الرئيسة للسكان في قلب الأراضي الزراعية الصينية. ويسلط الفصل التاسع الضوء على الكيفية التي بدأت بها دراسات الحمض النووي القديم في إزالة الحجاب السميك للتاريخ السحيق للقارة الأفريقية، والذي رسمته هجرات المزارعين الكبرى والتي اجتاحت أو اختلطت بالسكان المستقرين، في آلاف السنوات الأخيرة.  في الجزء الثالث وعنوانه "الجينوم التخريبي"، يتم التركيز على آثار ثورة الجينوم على المجتمع، وطرح اقتراحات حول كيفية تصور مكاننا الخاص في العالم، ومدى صلتنا بأكثر من سبعة مليارات شخص يعيشون على الأرض معنا، والأعداد الأكبر من البشر الذين يعيشون في ماضينا ومستقبلنا.

ويظهر الفصل العاشر وعنوانه "جينات عدم المساواة"، كيف كشفت دراسات الحمض النووي القديم عن التاريخ السحيق لعدم المساواة في القوة الاجتماعية للسكان بين الجنسيْن وبين الأفراد داخل مجتمع ما، بناءاً على كيفية تحديد عدم المساواة هذا لنجاح أو فشل الإنجاب. ويخبرنا الفصل الحادي عشر "علم الجينوم العرقي والهوية"، أن العقيدة التي ظهرت خلال القرن الماضي – فكرة أن جميع البشر الذين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً ببعضهم البعض، تتناقص معدلات الاختلافات البيولوجية بينهم – لم تعد محتملة، مع إظهار أن الأشكال العنصرية في العالم والتي تم تقييمها منذ وقت طويل كحلول بديلة، تتعارض أكثر مع دروس البيانات الجينية. ويقترح ذلك الفصل طريقة جديدة لإدراك الاختلافات بين البشر، "وهي طريقة أبلغتنا بها ثورة الجينوم". الفصل الثاني عشر يناقش أن ثورة الجينوم بمساعدة الحمض النووي القديم حققت حلم لوكا كافالي سفورزا الذي ظهر كأداة للتحقيق في المجموعات السكانية الماضية، لا تقل فائدة عن الأدوات التقليدية لعلم الآثار واللغويات التاريخية.  

اقرأ المزيد

المزيد من كتب