Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إريتريا وإثيوبيا... جراح قديمة وأخرى محتملة

محللون: العلاقة بين البلدين محكومة بعقدة الانفصال لذا تعاني أزمات متجددة ضمن خلفيات الماضي الأليم وأسئلة الحاضر الصعبة

لعل متغيرات الواقع ولعبه أدوار التقارب والتباعد سمة غير حميدة لعلاقة شعبين تربط بينهما أواصر قرابة وتاريخ ممتد (أ ف ب)

ملخص

لعل متغيرات الواقع ولعبه أدوار التقارب والتباعد يمثل سمة غير حميدة لعلاقة شعبين تربط بينهما أواصر قرابة وتاريخ ممتد. وتفاعلت هذه السمات السالبة خلال العقود القريبة الماضية، وكان التفاعل الأول على عهد النظام السابق هو ما تسببت في حرب لمدة عامين (1998- 2000) جراء خلافات على منطقتي بادمبي وزالامبسا، إلى جانب خلافات اقتصادية تجاه استخدامات الموانئ الإريترية لعبت هي الأخرى دوراً سلبياً.

اتخذت العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أشكالاً من التباينات ما بين تنسيق وتطبيع، سلام وخلاف بلغ مستوى الحرب بين عامي 1998 و2000، لتدور الدائرة من جديد وفق المتغيرات السياسية المحيطة. فما الأسباب وراء الوضع الغريب في علاقة البلدين، وهل تمثل قضية المنفذ البحري الذي تطالب به إثيوبيا على الشواطئ الإريترية معلماً فاصلاً في هذه العلاقة، وإلى أي مدى يقود التنافس وعامل التأثر الإقليمي مسار الأحداث؟

وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموثيوس، حث المجتمع الدولي على تخليص الحكومة الإريترية من سياستها الخطأ تجاه إثيوبيا والمنطقة، وتشجيع إريتريا على أن تكون جزءاً من رؤية التكامل الإقليمي من خلال اتخاذ خطوات صغيرة وملموسة نحو مستقبل أكثر إشراقاً.

وقال الوزير في كلمته بمنتدى السياسة الخارجية حول التطورات في القرن الأفريقي، الجمعة 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، "إن المفاهيم الجامدة والمتصلبة والبالية والمعاكسة للسيادة يجب أن تفسح المجال لمستقبل اقتصادي أكثر تعاوناً وتكاملاً يعود بالنفع على كلا البلدين".

وكانت إريتريا نقلت على لسان رئيسها أسياس أفورقي تحذيره لإثيوبيا من طموحاتها بالوصول إلى البحر، واصفاً إياها بأنها "متهورة"، وقال وزير الإعلام الإريتري إن "المشكلات الحقيقية في المنطقة تنبع من داخل إثيوبيا نفسها، والأزمات الإثيوبية الداخلية هي التي تشكل تهديداً للأمن".

عقدة التاريخ

تحكم العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا عوامل عديدة بدءاً بعقدة الانفصال، الذي يمثل تاريخاً مختلفاً حوله ما بين الإنجاز لشعب أمضى نصف قرن في الكفاح المسلح، والتفريط لمن يرى في إريتريا جزءاً لا يتجزأ من التراب الإثيوبي. وإلى جانب ذلك هناك خلاف ضمن حقوق هي الأخرى لا تزال موضع جدل وتناظر ضمن معطيات الواقع المتغير في البلدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموثيوس، أشار ضمن حديثة لفعاليات المنتدى الأفريقي إلى أنه "لا ينبغي أن نكون أسرى تاريخنا، بل أسياد مصيرنا المستقبلي. لا يمكننا التراجع عما حدث حتى الآن، فالألم والمعاناة التي تحملتها أجيال لأننا غالباً ما اخترنا الصراع على الحوار. لكن بإمكاننا تغيير ما سيحدث اليوم وغداً".

وأكد استعداد إثيوبيا للحوار ولبناء مستقبل مختلف، داعياً المجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة الإريترية وتشجيعها على الكف عن الاستفزازات والانتهاكات ضد إثيوبيا، والانتظام في حوار قائم على حسن النية. مسلطاً الضوء على الأسباب الرئيسة الكامنة وراء دوامة الصراعات والتوترات بين إثيوبيا وإريتريا، لا سيما في صورتها المعاصرة.

من جهته، وفي تقرير مسبق لـ"Dawan Africa" يقول وزير الإعلام الإريتري يماني غبري مسكل، إن "بعض الخطاب الإثيوبي الحالي ليس فقط كلاماً دبلوماسياً بل مناورة لتبرير الحرب باعتبارها دفاعية".

وتعاني علاقات البلدين أزمات متجددة ضمن تنافس على خلفيات الماضي والحاضر، مشوبة بترد يغلب التحسن في مجرياتها، ولعل متغيرات الواقع ولعبه أدوار التقارب والتباعد يمثل سمة غير حميدة لعلاقة شعبين تربط بينهما أواصر قرابة وتاريخ ممتد. وتفاعلت هذه السمات السالبة خلال العقود القريبة الماضية، وكان التفاعل الأول على عهد النظام السابق هو ما تسبب في حرب لمدة عامين (1998- 2000) جراء خلافات على منطقتي بادمبي وزالامبسا، إلى جانب خلافات اقتصادية تجاه استخدامات الموانئ الإريترية لعبت هي الأخرى دوراً سلبياً.

ما لكم هو لنا

ضمن "حيثيات الاقتصاد" يشير وزير الخارجية الإثيوبي، إلى أن "الطبقة الحاكمة الإريترية تعتقد أن للإريتريين مصلحة في الاقتصاد الإثيوبي، هذا الشعور المضلل بالاستحقاق والاعتقاد بأن (ما هو لي هو لي، وما هو لكم هو لنا) هو خيط مشترك يشكل أساس تاريخنا المضطرب. كانت الممارسات التجارية غير المشروعة والاستغلالية والنهبية متفشية قبل صراع عام 1998، ويمكن سماع أصداء هذه الممارسات بوضوح حتى اليوم".

من جهتها تشير إريتريا، وفق تصريحات رئيسها أسياس أفورقي حول الحقوق المفترضة لإثيوبيا في السواحل الإريترية، إلى أن "ما يروجون له من طروحات بحرية مغامرة خلفها قوى خارجية". ويشير وزير الإعلام الإريتري في تغريدة له على منصة "إكس" إلى ما سماه war-mongering psychosis (الذهان المحرض على الحرب) الذي اجتاح بعض دوائر السياسة الإثيوبية، إذ "نرى يومياً تحريفاً صارخاً للتاريخ، ورفضاً للقانون الدولي ودعاية متفجرة".

العلاقات بين البلدين مرت بمراحل متعددة، فالاتحاد الفيدرالي بينهما، الذي فرضته الأمم المتحدة، لم يستمر طويلاً إذ ألغاه الإمبراطور هيلاسلاسي عام 1962 من طرف إثيوبيا، لتصبح إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتنشأ الجبهات الإريترية المطالبة بالاستقلال.

 

قبل الاستقلال مثلت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا حليفاً قريباً من منشدي التغيير السياسي في إثيوبيا، فاشتركت الجبهتان المتحالفتان في إسقاط نظام "الدرج" ليفسحا الطريق لتغيير يغشى البلدين لتنقسما إلى جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، ودولة إريتريا المستقلة.

ولم يكن استقلال إريتريا في القرن الماضي سوى إجراء سياسي يجمع بين الإرادة الشعبية والقانون الدولي المتعارف عليه لدى الأمم المتحدة، حينما صوت 99 في المئة من المواطنين الإريتريين في الاستفتاء على استقلال بلادهم عن إثيوبيا عام 1993، وفي حين حددت الخرائط التراب الإريتري لم يكن الصوت الإثيوبي الرافض لذلك الاستقلال بعيداً من الواقع والحجة التي يستند إليها في وحدة الأراضي الإثيوبية المطلة على البحر الأحمر، وذلك بالنظر إلى تاريخ الحبشة والممالك التي شهدتها والتاريخ الحافل لملوكها.

غشيت العلاقة بين البلدين فسحة تقارب بعد تولي رئيس الوزراء آبي أحمد السلطة في 2018، وإبرام اتفاقية السلام بين البلدين في يوليو (تموز) 2018، والتي أعادت العلاقات إلى طبيعتها بعد إغلاق ملف خلافات الحدود بعودة منطقة بادمبي إلى إريتريا، ووقف العدائيات، واستئناف العلاقات الطبيعية بين البلدين بما في ذلك عودة إثيوبيا لاستخدام الموانئ الإريترية في كل من "عصب" و"مصوع".

لكن لم يمض وقت طويل حتى عادت العلاقات أخيراً إلى التردي بعد "اتفاقية بريتوريا" للسلام مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي تحفظت عليها أسمرة، فضلاً عن تفاعلات ما بعد السلام الإثيوبي ومترباته التي أثرت بشدة على علاقات البلدين، وما تبعها من مطالب إثيوبية في المنفذ البحري، ليشكل ذلك تأزماً حقيقياً ينذر باندلاع حرب بين الجانبين في ظل الخطاب العدائي المتبادل، والتصعيد الإريتري على حدود البلدين.

ضمن جدلية الحقوق في شأن الميناء، يشير بعض السياسيين الإثيوبيين إلى أن الحق الإثيوبي بعد انفصال إريتريا في منفذ بحري تطل أديس أبابا عبره على العالم يسنده التاريخ الذي ظلت فيه الحبشة القديمة دولة مكتملة على البحر الأحمر وخليج عدن، فثمة أدوار تاريخية لعبتها تثبت ذلك الحق، وهو ما فرطت فيه السياسة خلال العقود الثلاثة الماضية إبان النظام السابق.

سؤال العلاقة

يقول الكاتب والباحث الإريتري في شؤون القرن الأفريقي، إبراهيم قارو "نحن اليوم أمام سؤال ظل يلاحق العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا منذ ثلاثة عقود من دون إجابة مستقرة: لماذا تفشل هذه العلاقة في الوصول إلى حال طبيعية على رغم كل موجات التقارب التي مرت بها؟".

ويتابع، "عند محاولة فهم المسار الذي حكم العلاقة بين إريتريا وإثيوبيا منذ لحظة الاستقلال، تتضح حقيقة مركزية، إذ لم تنشأ موجات التقارب بين النظام في أسمرة، الذين تعاقبوا على حكم أديس أبابا عن رؤية مشتركة أو عقد سياسي متماسك، وإنما تأسست على التقاءات ظرفية في المصالح ارتبطت أساساً بتقلبات السلطة داخل كل دولة. هذا النوع من التقارب كان هشاً في بنيته، لأنه اعتمد على حسابات اللحظة لا على تصور استراتيجي مشترك للعلاقة بين الدولتين أو لطبيعة النظام الإقليمي ذاته. ومن هنا كانت لحظات الانفتاح أشبه بمحطات عابرة تبنى على موازين قوة متغيرة لا على قواعد سياسية مستقرة".

 

ويشير إلى أن "الحرب التي اندلعت بين عامي 1998 و2000 كشفت بصورة صارخة عمق الخلاف البنيوي بين الطرفين، فلقد بدأ النزاع في صورته الأولية وكأنه خلاف حول ترسيم الحدود، لكن مسار الحرب وما سبقها وما تلاها أوضح أن القضية تتجاوز نقطة جغرافية إلى صراع على معنى السيادة، وعلى الجهة التي تملك حق وضع قواعد القوة في الإقليم، وعلى الكيفية التي يعاد من خلالها تحديد موقع كل دولة داخل معادلة البحر الأحمر. هذه الأسئلة لم تكن تفصيلية، بل كانت تعبيراً مباشراً عن تناقض جوهري حول طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة وطنية مغلقة على مشروعها، أم دولة تعد المجال الإقليمي امتداداً أمنياً وسياسياً لها؟ وهذا التناقض هو الذي فجر الحرب، وهو نفسه الذي بقي يتحكم في مسار العلاقة بعد وقف إطلاق النار. وعندما جاء اتفاق 2018 ظهر في الخطاب العام وكأنه خطوة تاريخية. لكن القراءة الدقيقة لمسار الاتفاق تشير إلى أنه كان جزءاً من عملية إعادة ترتيب موازين القوة داخل إثيوبيا أكثر مما هو محاولة لبناء رؤية استراتيجية مشتركة مع إريتريا".

يوضح قارو "أسمرة رأت في صعود آبي أحمد فرصة لإضعاف القوى الإثيوبية التي عارضت مشروعها ونفوذها لعقود، خصوصاً داخل الجبهة الثورية. وفي المقابل، كان آبي أحمد يرى في استمالة أسياس مورداً سياسياً يمنحه غطاء إقليمياً يساعده على تثبيت سلطته في الداخل وتحجيم خصومه وتقديم نفسه كقائد إصلاحي قادر على كسر العزلة القديمة. ومن ثم فإن الاتفاق حمل في جوهره ملامح إعادة هندسة للسلطة لا معالجة للأسئلة التي ظلت معلقة منذ الحرب. وهذه الأسئلة ظلت قائمة لأنها كانت تمس جوهر العلاقة، وعلى رأسها سؤال المنفذ البحري، الذي يمثل بالنسبة إلى إثيوبيا مدخلاً لإعادة تعريف مركز الدولة، ويمثل بالنسبة إلى إريتريا نقطة تهديد تتعلق بأمنها الجيوسياسي، وبحدود مشروعها الإقليمي".

لغة الصراع

ويواصل الباحث الإريتري "مع تآكل التحالف بين الطرفين بعد 2020، ظهر بوضوح أن هذا التقارب لم يكن قادراً على الصمود، لأن الأسئلة الأساسية بقيت بلا إجابة، ولم يحسم معنى السيادة بين الدولتين، كما لم تحدد قواعد إدارة البحر الأحمر، أو تتضح طبيعة العلاقة التي تجمع نظاماً يرى نفسه مركزاً لمشروع إقليمي مفتوح، مع دولة تحاول إعادة بناء مركز سياسي داخلي مضطرب ومحاصر بصراعات إثنية وجغرافية. لهذا سرعان ما عادت التناقضات إلى السطح، وبدأت لغة الصراع تعود تدريجاً، خصوصاً مع إعادة فتح ملف المنفذ البحري بوصفه مدخلاً لإعادة تعريف توازنات القوة في القرن الأفريقي.

ويتابع "على خلفية هذا المشهد كله، يقف عامل أساس لا يمكن التعامل معه كعنصر ثانوي، أعني مشروع أسياس أفورقي العابر للحدود. هذا المشروع لا يمكن تصنيفه بوصفه سياسة خارجية تقليدية، فهو رؤية أمنية- سياسية تعد أن بقاء نظام الحكم في أسمرة مرتبط بإحكام السيطرة على الحلقات المحيطة بإريتريا، والعمل داخل البيئات الداخلية للدول المجاورة بطريقة مباشرة. وظهرت ملامح هذا المشروع في التدخلات العسكرية بالصومال، حيث تم استخدام أدوات القوة الصلبة لبناء تأثير سياسي طويل المدى. وبرز المشروع بصورة أوضح خلال حرب تيغراي عندما تجاوز الدور الإريتري حدود الدعم التكتيكي إلى محاولة إعادة صياغة موازين السلطة داخل إثيوبيا نفسها. كما يتضح المشروع في طريقة التعامل مع السودان، حيث يسعى النظام الإريتري إلى إبقاء البيئة السودانية في حال سيولة سياسية وأمنية تمنع ظهور مركز قوي قد يغير شكل التوازن على الحدود الغربية لإريتريا أو يفتح الباب لتمدد قوى سياسية معارضة للنظام الإريتري".

ويستطرد، "هذا المشروع الإقليمي الواسع ليس ناتجاً من رغبة عادية في توسيع النفوذ، بل هو جزء من بنية تفكير مرتبطة بطبيعة النظام نفسه، الذي يرى أن بقاءه لا يضمن إلا من خلال التحكم في البيئة المحيطة وإعادة صياغة موازين القوة داخلها، وتحويل الفضاء الإقليمي إلى امتداد للأمن الداخلي. لذلك يصبح أي تقارب بين إريتريا وإثيوبيا محكوماً بمستوى تقاطع هذا المشروع مع مسارات السلطة داخل إثيوبيا، وبمدى قدرة الطرفين على التعايش مع سؤال المركز، وحدود النفوذ، وسلطة إعادة تعريف الجغرافيا السياسية للمنطقة. بهذا المعنى، فإن فهم العلاقة بين الدولتين يتطلب قراءة أعمق من مجرد استعراض مراحل الصراع أو محطات التقارب. فالعلاقة تحكمها أسئلة تأسيسية لم يتم التعامل معها بوضوح منذ بداية الاستقلال، وهي أسئلة ترتبط بطبيعة الدولة، ومفهوم السيادة، ومعنى المركز السياسي في الإقليم. وكل محاولة لتجاوز هذه الأسئلة أو إرجائها كانت تعيد إنتاج التوتر نفسه، لأنها تتجاهل جوهر المشكلة التي تراكمت منذ خروج الدولتين من رحم الدولة الإمبراطورية، ومن تاريخ مشترك لم يتحول إلى إطار مؤسسي بل إلى ساحة صراع مفتوحة".

الأستاذة الجامعية المتخصصة في شؤون القارة الأفريقية نجلاء مرعي، تصف العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا بأنها غير مستقرة لفترات ليست بالقصيرة، وتتزايد المخاوف الإقليمية من احتمالات انزلاق منطقة القرن الأفريقي إلى حرب مفتوحة، خصوصاً مع اتهام أديس أبابا جارتها بـ"الاستعداد لحرب" ضدها من خلال تمويل وتوجيه ميليشيات "فانو" المتمردة التابعة لقومية الأمهرة، و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، لتأجيج العنف شمال البلاد مما يشكل خطراً مباشراً على "اتفاق بريتوريا" للسلام عام 2022.

 

وتوضح نجلاء، "مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على أسمرة لوقف الأعمال العدائية المباشرة وغير المباشرة"، وفقاً للرسالة التي وجهها وزير الخارجية الإثيوبية جيديون طيموتيوس في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قابلتها إريتريا بالتشكيك، مما دفع بالجانبين إلى تعزيز قدراتهما بحشود عسكرية قرب الحدود. ويشهد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا تصعيداً مقلقاً في ظل تأكيد رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا، في 25 أكتوبر الماضي أن بلاده "أصبحت في وضع استراتيجي يمكنها من ضمان حقها المشروع في الحصول على منفذ بحري". مما يحمل دلالات عدة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، منها جاهزية قوات الدفاع الوطني الإثيوبية لسيناريو الحرب في حال اندلاعها.

وتتابع "في 30 أكتوبر الماضي جاء لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بالرئيس أسياس أفورقي لتعزيز تحالفاتهما البحرية والسياسية لمواجهة التحركات الإثيوبية التي تأتي ضمن مشروع توسعي يستهدف تغيير موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلاً عن إبرام عديد من الاتفاقات، منها اتفاقات الدفاع المشترك مع إريتريا في سبتمبر (أيلول) 2023، واتفاق تعاون استراتيجي مع الصومال وإريتريا في أكتوبر 2024. والواقع أن القاهرة لا تمانع في أن يكون لإثيوبيا منفذ بحري، لكنها ترفض السلوك حول المياه والمنافذ والتهديد بالوصول إلى البحر على حساب السيادة الوطنية للدول".

تتوقع نجلاء أنه "في ظل العلاقة المرتابة وتصاعد الخطاب القومي المتبادل بين أديس أبابا وأسمرة حول "الحق التاريخي لإثيوبيا في البحر، الذي يتأرجح بين الحدة والدبلوماسية، يبرز لنا ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولها تشكيل نمط من الردع المتبادل أو التصعيد التكتيكي بين أديس أبابا وأسمرة، وربما يتطور إلى مواجهة حدودية أو بحرية محدودة لتشمل الموانئ الإريترية، خصوصاً (عصب)، بما سيهدد بصورة مباشرة خطوط الملاحة الدولية ويثير مخاوف القوى الدولية والإقليمية. وثانيهما الضغط على إريتريا للحصول على تسهيلات في الموانئ الإريترية، مع طرح فكرة تبادل الأراضي أو السيادة المشتركة القائمة على منطق براغماتي مستوحى من تجارب دولية. أما ثالث الاحتمالات فهو تكثيف التحركات المصرية الدبلوماسية والقانونية داخل المحافل الدولية والإقليمية، ومنها الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "الإيغاد" (IGAD)، لتعبئة موقف أفريقي ودولي يحمل إثيوبيا مسؤولية التصعيد ويمنع شرعنة وجودها البحري، مع تعزيز التعاون الإقليمي بالتركيز على التنمية الاقتصادية والرغبة المشتركة في استغلال الموارد البحرية".

جراح راسخة

الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية علي حسين يمر، يقول إن "العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا تعد من أكثر العلاقات تقلباً في منطقة القرن الأفريقي، فهي علاقة تجمع بين التاريخ المشترك، والحساسيات السياسية، والمصالح المتعارضة. والتباين بين فترات التنسيق وفترات الخلاف ليس حالاً طارئة بل نتيجة تراكمات طويلة تتداخل فيها عوامل الهوية والحدود والأمن القومي والإرث الاستعماري".

ويضيف، "من المهم الإشارة إلى أن السبب الجذري لكثير من هذه الإشكالات يعود إلى مرحلة الاستعمار الإيطالي والبريطاني لإريتريا بعدما كانت جزءاً من الدولة الإثيوبية. فقد أسس الاستعمار بنية حكم مختلفة، وخلق شعوراً بالتمايز القومي، مما جعل مسألة الهوية والانتماء القومي نقطة توتر دائمة بين البلدين".

ويشير إلى أن "الحرب بين البلدين التي اندلعت عام 1998 كانت واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الأفريقية أواخر القرن الـ20. وقد فقد الطرفان كثيراً من البشر، إذ تشير التقديرات إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى من الجانبين، ويُتداول رقم يقارب 80 ألفاً، إضافة إلى مئات آلاف النازحين والجرحى. وقد شهدت الحرب وقائع بارزة، منها معركة بادمي التي كانت الشرارة الأولى للصراع وتحولت إلى رمز للنزاع الحدودي، ومعارك زالمبسا وتسناي التي تبادل فيها الطرفان السيطرة أكثر من مرة، ودفعت أرتالاً من الجنود نحو خطوط النار. وهجوم إثيوبيا الواسع عام 2000 الذي أدى إلى اختراقات كبيرة في العمق الإريتري، وهو ما عجل بقبول اتفاق الجزائر عام 2000. والدمار الواسع للبنى المدنية على جانبي الحدود، وقطع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات المتجاورة. كل هذه الوقائع رسخت جراحاً سياسية وشعبية لا يزال تأثيرها حاضراً في الوعي القومي للبلدين".

ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن "قضية المنفذ البحري اليوم تمثل أحد أعقد الملفات، فهي تمس سيادة إريتريا وإثيوبيا هي الأخرى، وتعد بالنسبة إلى الأخيرة حاجة استراتيجية متجذرة تاريخياً، وهذا ما يجعلها معلماً فاصلاً يمكن أن يعمق التوتر إذا لم يُدر عبر تفاهمات مدروسة". مضيفاً "أما التنافس بين البلدين فهو يتجاوز هذا الملف ليشمل النفوذ في البحر الأحمر، وتوازنات القرن الأفريقي، والتحالفات الإقليمية المتغيرة. وفي ظل الضغوط الداخلية التي يعانيها الطرفان يرتفع احتمال التوتر ما لم تنشأ آليات مستقرة للحوار وإدارة النزاع".

ويتابع أن "استقرار العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية لأمن البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، ومعالجة الملفات العالقة تحتاج إلى مقاربة واقعية تعترف بالجذور التاريخية للعلاقة في أبعادها الشعبية المنعكسة في علاقات أسرية، بحيث تدير هذه الخلافات بما يضمن مصالح الشعبين ويمنع العودة إلى مربع الحروب".

علاقة تهميش

من جهته يقول المتحدث الرسمي باسم التنظيم الديمقراطي لعفر البحر الاحمر نصر الدين أحمد علي، إن "العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا ظلت متعثرة لما يقارب الـ60 عاماً، الـ30 الأولى منها نضال من أجل الاستقلال، والأخرى تعثر في العلاقة وعدم استقرار". مضيفاً "نحن كتنظيم لعفر البحر الأحمر نتأثر بسبب تردي العلاقة بين الدولتين نتيجة عدم الاستقرار والتهميش الذي يقع على الشعبين العفري والإريتري بصفة عامة من حكومة أسمرة".

ويوضح نصر الدين، "في رأينا أن الأزمة بين إريتريا وإثيوبيا ليست أزمة علاقات فحسب، وإنما أزمة دولة، فإريتريا لا يوجد فيها دولة حقيقية، دولة لها دستور وبرلمان كغيرها من الدول، وليست لها أحزاب ديمقراطية أو حتى وزراء، لذلك فإن العلاقة مع إثيوبيا ستظل متعثرة بصفة مستمرة ولفترات طويلة طالما لا توجد في إريتريا حلول جذرية لمشكلات الدولة. فلا بد أولاً أن تكون هناك مؤسسات طبيعية من برلمان وحكومة منتخبة حتى تتخذ قرارات مصيرية لهذا الوطن، سواء في الشأن الداخلي أو العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى وفي مقدمها الشقيقة إثيوبيا".

ويضيف، "نحن كشعب عفري إريتري لدينا علاقاتنا الأخوية مع أهلنا العفر في إثيوبيا، وهناك تواصل بين الشعبين الشقيقين، ولنا امتدادات متصلة ثقافية واجتماعية، وإسهامات في التواصل الطبيعي بين الشعبين، ونرى أن من واجب المجتمع الدولي أن يسهم في خلق العلاقة الطبيعية بين إريتريا وإثيوبيا في ظل عدالة توفر للأخيرة منفذاً بحرياً، فمن حق إثيوبيا أن تستخدم الموانئ الإريترية، وهناك ستة موانئ عفرية قرب إثيوبيا، والعفريون يعانون تعطل هذه الموانئ. وندعو المجتمع الدولي لوضع حلول وأطروحات لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة التي تشكل أهمية للاستقرار الإقليمي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير