ملخص
يعتبر شغف جاريد إزكمان بالفضاء، وخبرته وتفانيه في دفع حدود الاستكشاف، والكشف عن أسرار الكون، تجعله الشخص الأمثل لقيادة "ناسا" مجدداً إلى حقبة جديدة وجريئة. كما أن خبرته في مجال رواد الفضاء واسعة، إذ نظم ومول وقاد بعثتين خاصتين لرواد فضاء إلى مدار الأرض، وكلاهما باستخدام معدات شركة "سبيس إكس".
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أخيراً ترشيح الملياردير ورائد الأعمال التكنولوجية جاريد إيزاكمان لقيادة وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، وذلك بعد خمسة أشهر من سحب ترشيحه للمنصب نفسه. وكتب ترمب في منشور على منصة "تروث سوشيال" التي يملكها في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أن "شغف جاريد بالفضاء، وخبرته كرائد فضاء، وتفانيه في دفع حدود الاستكشاف، وكشف أسرار الكون، وإطلاق العنان لاقتصاد الفضاء الجديد، يجعله الشخص الأمثل لقيادة ناسا إلى حقبة جديدة وجريئة".
الابن الضال
وأثارت عودة جاريد إيزاكمان ، الذي صار يعرف بـ"الابن الضال للفضاء الأميركي"، عاصفة إعلامية. فالسؤال الذي يتردد الآن في الأوساط والمجتمعات العلمية الأميركية، ويبحث الجميع عن إجابة له هو: هل يواجه إزكمان المصير ذاته ويعاد "طرده" من زعامة "ناسا"؟ أم أن الاسباب التي دعت ترمب إلى سحب ترشيحه قبل خمسة أشهر زالت الآن تماماً؟
ويأمل ترمب عبر هذا التعيين بأن يتمكن بمساعدة إيزاكمان من ترسيخ المعادلة الجديدة في الفضاء الأميركي، لتمكن "ناساً من هزيمة الصين وروسيا في مجال غزو وعسكرة الفضاء.
خبرة واسعة
وكان جاريد إيزاكمان أصبح أول رائد فضاء خاص يمشي في الفضاء في الـ12 من سبتمبر (أيلول) 2024، وخبرته في مجال رواد الفضاء واسعة، إذ نظم مؤسس شركة المدفوعات (Shift4)، ومول وقاد بعثتين خاصتين لرواد فضاء إلى مدار الأرض، وكلاهما باستخدام معدات شركة "سبيس إكس". وفي الرحلة الثانية، المسماة "بولاريس داون"، أجرى إزكمان أول عملية سير خاصة في الفضاء على الإطلاق.
لكن شغفه بالفضاء ليس العنوان الوحيد لهذه العودة، إذ تداولت المواقع العلمية الأميركية إعادة ترشيح إيزاكمان لزعامة "ناسا" تحت عناوين لافتة، فوصفت بعض المواقع عودته بـ"عودة الابن الضال"، فيما رأى كتاب وصحافيون متخوفون من هذه العودة في موقف ترمب هذا "تراجعاً حاداً" في مسيرة الفضاء الأميركي، فالمرشح بقوة لتولي رئاسة "ناسا" مجدداً معروف بولائه الشديد لإيلون ماسك، مما ينذر بانقسام قوي قادم في الفضاء الأميركي.
معادلات متقلبة للغاية
يذكر أن الفضاء الأميركي يسير منذ وصول ترمب إلى الرئاسة ضمن معادلات متقلبة للغاية، فأركان المعادلة الرئيسة التي صنعها ترمب في عام الفضاء الأميركي منذ ولايته الثانية هم: إيلون ماسك، و"ناسا" الضعيفة والمنهكة علمياً بعد إعادة هيكلتها، وجيف بيزوس الذي يتمتع اليوم بموقف قوي من خلال شركته الخاصة للفضاء "بلو أوريجين"، إلى جانب اللاعب الأحدث وهو الملياردير المرشح بقوة لزعامة "ناسا" جاريد إيزاكمان.
ماسك اللاعب الأقوى
وخلال الفترة السابقة ظل إيلون ماسك اللاعب الأقوى والأكثر حضوراً بفضل ثروته الشخصية وشركاته الخاصة العملاقة، وأهمها "سبيس إكس" و"ستارلينك"، فيما شهدنا دعم "ناسا" لجيف بيزوس الذي جعل منه مرشحاً قوياً لخلافة ماسك في زعامة الفضاء الخاص الأميركي.
ويمكن القول إن إيزاكمان يمثل في هذه المرحلة الورقة الرابحة الأخيرة بيد ترمب، إذ يراهن عليه لإعادة صياغة معادلة الفضاء الأميركي الجديد بالطريقة التي حلم بها منذ بدء ولايته الثانية، فترمب يريد أن يصنع من "ناسا" قوة فضائية ضاربة تنهي تقدم روسيا والصين على الولايات المتحدة في مجال عسكرة الفضاء تحديداً.
بدورها تترقب الأوساط العلمية الأميركية هذه العودة لتتبين ما إذا كان إيزاكمان سينقذ ما تبقى من إرث "ناسا" العلمي، أم أنه سيكمل عملية "إغراق" المراكز العلمية في الوكالة الحكومية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحديات داخلية وخارجية
يقول خبراء في شأن الفضاء الأميركي إن ترمب أعاد ترشيح إزكمان لرئاسة وكالة الفضاء الحكومية (ناسا) في ظل وضع لا يحسد الفضاء الأميركي عليه، وتعني عودة إيزاكمان في الوقت الحالي أن الملياردير الشاب المتمرس في مجال الفضاء والطيران الخاص، الذي يعد حليفاً قوياً لإيلون ماسك، سيواجه تحديات صعبة للغاية داخل وكالة الفضاء الحكومية وخارجها.
وضمن هذه التحديات الحد من طموحات جيف بيزوس الذي سمحت له "ناسا" أخيراً بقيادة جهود غزو المريخ بعد الانتهاء من مهمة إعادة أميركا للقمر في عام 2026، وهي مهمة يراد منها في الواقع إنتاج منافس قوي يطيح بإيلون ماسك عن عرش الفضاء الأميركي والعالمي.
وفي فترة غياب إيزاكمان ومنذ يناير (كانون الأول) 2025 أصبحت رحلات الفضاء البشرية التابعة لـ"ناسا" ممثلة تمثيلاً جمهورياً قوياً، بينما أصبحت مراكز "ناسا" العلمية ممثلة تمثيلاً ديمقراطياً. والسؤال هنا: هل سيتمكن إزكمان من فك هذا التناقض والموازنة بين دور "ناسا" العلمي ومهمات غزو الفضاء؟ أم أنه سينحاز إلى توجهات صديقه ماسك ويكمل مهمة "تحطيم" أجنحة الوكالة الأميركية الحكومية العلمية؟
ويرى كايسي دراير، رئيس قسم سياسات الفضاء في منظمة "جمعية الكواكب" غير الربحية، المعنية بعلوم واستكشاف الفضاء، أن "الثقافات الداخلية لمراكز ’ناسا‘ في جميع أنحاء البلاد تطورت خلال الفترة السابقة لتتوافق جزئياً - في الأقل - مع التوجهات السياسية لمناطقها".
من جهة ثانية، يعتبر إيزاكمان ديمقراطي الهوى، وتعرض نتيجة لذلك إلى هجوم عنيف من ترمب بسبب ولائه للديمقراطيين ولإيلون ماسك في الوقت ذاته، لكنه معروف أيضاً بتأييد برامج غزو الفضاء، ولو كان ذلك على حساب المهمات العلمية، وهذا توجه لا تدعمه "ناسا" ولا يوافق عليه بالكامل الرئيس ترمب في الوقت الراهن.
في قلب العاصفة
ونظراً إلى وجود مراكز علمية مرموقة لـ"ناسا"، أهمها مركز "غودارد" في ولايات ديمقراطية تحت إدارة جمهورية، يشعر كثيرون هناك وكأن مراكز الفضاء تتعرض للتمييز. وخلال بث مباشر في الـ18 من سبتمبر حول أزمة موازنة "ناسا" المستمرة، أوضح دراير تفاصيل هذا الانقسام، وقال في مؤتمر صحافي، "شهدنا انقساماً وتركيزاً ملاحظين داخل ’ناسا‘، ويعود ذلك بصورة شبه حصرية إلى حادثة تاريخية تتعلق بمديرياتها ومسؤولياتها الداخلية الرئيسة، إذ أصبحت مراكز رحلات الفضاء البشرية التابعة للوكالة ممثلة تمثيلاً جمهورياً قوياً، في الأقل على مستوى الولايات، بينما أصبحت مراكز ’ناسا‘ العلمية ممثلة تمثيلاً ديمقراطياً قوياً على مستوى الولايات".
يعد مركز "غودارد" (GSFC) عنوان الخلاف الأبرز بين الديمقراطيين والمحافظين الذي امتد إلى داخل "ناسا"، إذ أكد الصحافي الأميركي جوش دينر، وهو كاتب مختص بهذا الشأن، أن المركز الرائد لعلوم الفضاء التابع لوكالة الفضاء الأميركية يتعرض لهجوم داخلي. وأضاف دينر، "يبدو أن بعض أكبر الخسائر حدثت فعلياً خلف ستار الإغلاق الحكومي الأخير".
وأشاد معلقون في المواقع التي نشرت الخبر بعودة إيزاكمان، وبشجاعته لقبوله العودة لمنصب أبعد منه سابقاً. وقال أحد المعلقين، "لم أفهم أبداً سبب سحب ترشيحه من الأساس، وأنا أؤيده تماماً. تاريخه في دعم الديمقراطيين والتبرع لهم، لا يمكن أن يكون السبب الحقيقي". وقال معلق آخر إن "إيزاكمان هو الشخص المناسب لهذه الوظيفة، إنه ليس غبياً"، وذلك في إشارة إلى وزير النقل شون دافي الذي وصفه ماسك بـ"شون الغبي". أما سيمون ديلمونتي فشكك في نوايا إزكمان، وقال "لست متأكداً من سبب استمرار إزكمان في طلب تلك الوظيفة. من المؤكد أنه سيواجه المشكلات نفسها، التي أدت إلى طرده في المقام الأول".