ملخص
أزمة التسجيل المدني في سوريا ليست مجرد خلل إداري قابل للحل بتعميم أو قرار وزاري، بل هي تهديد وجودي لمفهوم الدولة نفسها. سوريا اليوم تقف أمام ملايين الأشخاص الذين ولدوا وتزوجوا وماتوا، من دون أن تلتقطهم دفاتر النفوس. ويرى حقوقيون أن غياب البيانات يمنع أي إحصاء سكاني موثوق، ويعطل التخطيط الاقتصادي والخدماتي.
منذ اندلاع النزاع السوري في عام 2011 تغيرت بنية الدولة والمجتمع، لكن أحد أخطر الآثار الخفية وغير المرئية هو انهيار منظومة السجلات المدنية، أو في أقل تقدير فقدان إمكان الوصول إليها بصورة موثوقة. آلاف الأطفال ولدوا في شمال سوريا من دون تسجيل قيودهم المدنية، وآلاف آخرون سجلت ولاداتهم أو وثائقهم في دول اللجوء من دون توثيقها أو تثبيتها رسمياً في سجلات الدولة السورية. النتيجة ليست مجرد ورقة لا تطبع، إنها فقدان حق أساس في الهوية وتعقيد قانوني واجتماعي هائل وإعاقة لعمليات التخطيط القومي، بما في ذلك إجراء أي إحصاء سكاني موثوق. في هذا التقرير تحاول "اندبندنت عربية" تجميع الأرقام المتاحة، وتوثيق الشهادات، وتحليل الأسباب والنتائج، وطرح أسئلة واضحة ومحددة على الجهات المسؤولة في سوريا عن كيفية التعامل مع هذه الأزمة المصيرية.
في جميع دول العالم، التسجيل المدني ليس أمراً بروتوكولياً فحسب، بل هو مدخل أساس للحصول على الحقوق الإنسانية والمدنية، مثل الحق في التعليم والصحة والحماية القانونية وبقية الحقوق، لذلك عندما يفقد طفل حق تسجيل ولادته، يتحول إلى "غير مرئي" أمام النظام الرسمي، فلا وجود قانونياً له، ويواجه صعوبة في الحصول على وثائق ثبوتية لاحقة، وبالتالي هو معرض لخطر التهميش أو حتى انعدام الجنسية عبر الأعوام. لهذا فإن أزمة التسجيل تضرب بعمق في قدرة أية دولة على التخطيط، فمن دون سجلات موثوقة لا يمكن إجراء إحصاء سكاني دقيق، وفي سوريا هناك ملايين من اللاجئين سجلوا في دول الجوار، وكثير منهم لم يجر تثبيت قيدهم المدني داخل سجلات الدولة السورية.
قوى متباينة والضحية واحدة
في الأعوام التي سبقت سقوط نظام الأسد، كان الشمال السوري تحت سيطرة مختلف قوى المعارضة، التي كانت تنتشر في مدينة إدلب وأجزاء من ريف اللاذقية الشمالي وأجزاء واسعة من أرياف محافظة حلب، ولم تكن قوى المعارضة طرفاً واحداً، فكانت هناك "الحكومة السورية الموقتة" التي كانت تتبع للائتلاف الوطني، وكانت "هيئة تحرير الشام" في مدينة إدلب، وبين هاتين القوتين الرئيستين هناك فصائل متعددة متباينة، تفرقها التوجهات ويجمعها العداء المشترك للنظام السابق. ومع وضع أمني غير مستقر وقصف متكرر من النظام السابق على مناطق سكنية واسعة تضم أكثر من 4 ملايين مدني، كان وضع السجلات المدنية يعاني مشكلات بنيوية، أولها عدم ربطها بالنفوس العامة بدمشق، وآخرها توزع مناطق السيطرة بين مختلف الفصائل.
وبين هذا وذاك، مئات المخيمات التي تحوي على مئات الآلاف، خيم على امتداد البصر لا تقي حر صيف ولا برد شتاء، يولد فيها أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى الخيمة، لا نفوس ولا قيود ولا وثائق، وإذا ما بلغ أحدهم السادسة من عمره يجد مدرسته عبارة عن خيمة أكبر حجماً تنتظره.
من شمال، إلى شمال شرقي سوريا، حيث مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وجسمها الخدماتي المسمى بـ"الإدارة الذاتية"، قد يبدو الأمر هنا أقل صدمة مقارنة بإدلب وريف حلب، إذ تتضمن مناطق سيطرة "قسد" ما كان يسمى "المربع الأمني للنظام"، وهو مناطق محدودة يسيطر عليها النظام في مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي. وعلى رغم ذلك كانت قضية تسجيل المواطنين وتوثيق السكان إحدى القضايا التي كانت آخر اهتمام السلطات، وواجهت هذه القضية عوائق كبيرة منها وجود سلطات غير مركزية (الإدارة الذاتية)، مما أدى إلى وجود قواعد بيانات منفصلة أو إجراءات بديلة، الميزة في بعض الأحيان هي المرونة المحلية، لكن العيب الآخر هو عدم الاعتراف المتبادل، مما يجعل التثبيت في سجل مركزي أمراً متعذراً.
في مناطق سيطرة النظام السابق، لم يكن الأمر أفضل حالاً من بقية المناطق، فعلى رغم وجود المؤسسات المركزية لديه، إلا أن البيانات التي تسجلها هذه المؤسسات تعاني مشكلات بنيوية، أبرزها تكرار نزع السيطرة من بعض المراكز التي يجري فيها تسجيل المواطنين، وكذلك تهجير آلاف من السكان في مناطق سيطرة النظام إلى مناطق سيطرة القوى الأخرى أو إلى خارج النظام، يضاف إلى ذلك ملف الفساد المستشري، الذي برز بصورة أكبر في التقارير التي وردت عن تسجيل الآلاف بأسماء وهمية، وعلى إثرها قامت السلطات الجديدة باعتقال وزيرتي الشؤون الاجتماعية السابقتين كندة شماط وريما القادري، إلى جانب عدد من الموظفات في مؤسسات الرعاية.
المواليد السوريون في الخارج
في دول الشتات الكثيرة التي لجأ إليها السوريون، تختلف آلية تسجيل المواليد الجدد من أبناء اللاجئين من دولة إلى أخرى. تعد تركيا الدولة التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، إذ وصل عددهم وفق الإحصاءات الرسمية إلى أكثر من 4 ملايين نسمة، فيما قدرت إحصاءات غير رسمية العدد بأنه أكثر من 5 ملايين.
اعتمدت تركيا قانونياً على منح اللاجئين بطاقة الحماية الموقتة، التي تسمى "كملك"، وكلما يولد مولود يسجل على الفور في المستشفى، ويحصل بصورة تلقائية على الـ"كملك"، ويتم تسجيله لدى دائرة النفوس التركية، وتلك الأخيرة بطبيعة الحال غير مرتبطة بدائرة النفوس السورية، لذلك من الصعوبة بمكان تحويل هذا التسجيل إلى قيد نفوس سوري، إذ يتطلب الأمر إجراءات معقدة ووثائق متعددة يجب الحصول عليها حصراً من القنصلية السورية في إسطنبول، أو من دائرة النفوس في مناطق سيطرة النظام بسوريا، أما الخدمات في قنصلية إسطنبول فكانت شبه معدومة، إذ يضطر اللاجئون إلى حجز مواعيد عن طريق سماسرة بتكاليف عالية، ويضطرون بعدها إلى الانتظار أشهراً عدة للحصول على الموعد، وكثير من المعاملات يجري إرجاعها أو رفضها بسبب "نقص في الأوراق"، لذلك كان للسوريين حكاية خاصة مع القنصلية في إسطنبول.
أما في لبنان والعراق، فكانت السلطات تصدر للاجئين "شهادات ولادة وطنية"، وتمنحهم الإقامة وفق الوضع القانوني لوالديهم، وكان يمكن تسجيل غالبية الولادات عند البعثات القنصلية للنظام، لكن سوء الخدمات ووجود البيروقراطية، إضافة إلى عدم انتظام التواصل بين تلك الدول والنظام، كلها كانت تسبب مشكلات في تسجيل قيود السوريين، مما ترك مئات من دون سجلات، أو بسجلات فقط في دول اللجوء من دون أن تحويلها إلى دوائر النفوس السورية.
بحسب تقديرات الأمم المتحدة، هناك 5.6 مليون لاجئ سوري مسجل في دول الجوار (تركيا ولبنان والأردن والعراق)، لكن لا يوجد إحصاء دقيق لعدد من ولد في الخارج، إلا أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن هناك آلاف المواليد ولدوا في دول الجوار ولم يجر تسجيلهم في النفوس السورية.
قاعدة بيانات مفقودة وأرقام تكهنية
الصحافي السوري أسامة الأحمد يقول إن "ملف تسجيل وتوثيق السوريين في غاية التعقيد في ظل غياب الإحصائيات الرسمية، على سبيل المثال فإن أية محاولة لإعطاء رقم محدد للمواليد السوريين غير المسجلين، مثلاً 100 أو 200 ألف، ستكون تكهنية ما لم تجر عملية تقدير منهجية مبنية على بيانات موثوقة من مكاتب الأحوال المدنية المحلية وإعادة احتساب للوصول إلى تقدير إجمالي. هذا ما نفتقده الآن على المستوى الوطني بسبب تشتت قواعد البيانات وتوقف التعدادات الوطنية، لكن يمكن القول بثقة إن الفجوة كبيرة ومؤثرة".
ويضيف الأحمد أن "من أسباب تفاقم الأزمة هو تدمير بنية السجلات وإتلاف الملفات الورقية مثل عدد من مكاتب النفوس والأحوال المدنية التي تعرضت لأضرار مباشرة خلال المعارك أو لنهب وإتلاف أرشيفها، حتى أن مبنى الجوازات في العاصمة دمشق تعرض للاحتراق قبل ساعات من سقوط النظام، سبق ذلك كله النزوح الداخلي والخارجي واسع النطاق، وخصوصاً العائلات التي نزحت أو لجأت ولم تتابع إجراءات التسجيل أو فقدت المستندات الأساسية. السبب الآخر في تشتت هذا الملف هو أنه خلال الأعوام السابقة كانت هناك سلطات محلية متعددة وغير موحدة، فالإجراءات التي كانت تجري في الشمال لا تتطابق مع الإجراءات المعتمدة في دمشق، والإجراءات في مناطق سيطرة ’قسد‘ لا تتطابق مع الإجراءات في مناطق سيطرة المعارضة، هذا كله داخل حدود البلاد فما بالك بخارجها".
سوريون بلا أسماء ولا حقوق
ويرى الصحافي السوري أنه "من غير المقبول أننا بعد سقوط نظام الأسد، وبعد كل ما قيل عن سوريا الجديدة، ما زلنا عاجزين عن حل أبسط الملفات وأكثرها حساسية، وهو ملف الإنسان والوثيقة. هناك آلاف السوريين ولدوا في مخيمات شمال البلاد من دون قيد رسمي، وعشرات الآلاف في دول اللجوء لديهم وثائق صادرة عن حكومات أجنبية، لكنها غير معترف بها في السجلات السورية، ومع ذلك تتحدث الحكومة عن إحصاء سكاني مرتقب، كيف ذلك ونحن لا نملك مؤهلات إجراء مثل هذا الإحصاء".
ويتساءل "كيف سنبني دولة أو نخطط لاقتصاد أو نرسم خريطة خدمات، إذا كنا لا نعرف عدد أطفالنا؟ كيف يمكن لسوري شردته الحرب وفقد بيته وهويته أن يصبح مواطناً كامل الحقوق إذا كانت الدولة نفسها لا تعترف بوجوده الورقي؟ الخطاب الرسمي مليء بالوعود، لكن الإجراءات بطيئة ومترددة وبيروقراطية، إذا لم تبدأ الحكومة فوراً بحل أزمة الوثائق، فهي تعيد إنتاج المشكلة نفسها التي تركها النظام السابق. سوريون بلا أسماء، بلا أرقام، بلا حقوق".
يوضح الصحافي السوري حجم المشكلة، ليؤكد أنها "ليست مجرد أوراق لم يتمكنوا من الحصول عليها، بل هناك نتائج كارثية ومباشرة، منها على سبيل المثال لا الحصر الانقطاع عن التعليم، فمن دون قيد أو هوية ثابتة تواجه العائلات صعوبات في تسجيل أبنائها في المدارس الرسمية، خصوصاً عند العودة أو الانتقال، وأيضاً عدم وجود وثيقة يعد حاجزاً أمام الحصول على الرعاية الصحية، كما أن الأطفال بلا قيود معرضون ببساطة لصعوبات في إثبات العمر. هذه النتائج تمس الفرد بصورة مباشرة، لكن هناك نتائج أخرى تمس الدولة، أبرزها استحالة إجراء إحصاء سكاني موثوق، نظراً إلى غياب السجلات المحدثة، مما يجعل أية محاولة جادة للحصر السكاني غير دقيقة، وهو فشل يؤثر في خطط التنمية وتوزيع الموارد وإعادة الإعمار، بما في ذلك مشكلات في التخطيط الصحي والتعليمي، إذ إن التخطيط للمستشفيات والمدارس وتقدير أعداد الأطفال في سن معينة يعتمد على سجلات ولادات دقيقة، وهو ما نفتقده على نطاق واسع".
وفيات بلا شهادة وفاة
المحامي خالد سرحان يقول إن "الوجود القانوني للشخص يكون عبر الوثائق القانونية الرسمية، وفي حال عدم وجود هذه الوثائق فإن الشخص موجود في الواقع لكنه غير موجود إحصائياً. هناك عدد كبير جداً ممن توفوا خلال فترة الانتفاضة وغالب هؤلاء لم يجر تسجيل وفياتهم، وأيضاً هناك عدد كبير من الزيجات والولادات التي حدثت في الشمال السوري، وتلك التي حدثت في بلاد اللجوء، يعني هناك عوائل كاملة نشأت ولم تسجل، والمحاكم اليوم تعاني من هذا الموضوع".
ويرى سرحان أن "عملية تسجيل هؤلاء الأشخاص تعد عبئاً على الدولة، وتحتاج إلى عدد هائل من الموظفين والإداريين المتخصصين، إضافة إلى أن هذه العملية كلفتها باهظة. وبالنسبة إلى موضوع التعداد السكاني هذا أمر متعلق أيضاً بموضوع الانتخابات، فعند حصول انتخابات في سوريا سنجد أن هناك عدداً كبيراً ممن يحق لهم التصويت لا يمكنهم التصويت بسبب عدم تسجيل قيودهم، وهذا يقلل من ديمقراطية الانتخابات".
ما يقوله القانون؟
على الصعيد القانوني، يتضمن القانون السوري آليات لتسجيل المواليد والزواج والوفيات في دفاتر نفوس مركزية، لكن التطبيق العملي خلال أعوام الحرب تأثر بشدة نتيجة تدمير البنى ونقص الموظفين وعمل السلطات البديلة، وحتى اليوم إذا توفرت الرغبة السياسية لإصلاح المشكلة، سيواجه التطبيق قيوداً، منها نقل قواعد بيانات رقمية أو رقمنة السجلات الورقية وما يتطلبه من استثمارات وحماية بيانات ومعايير توحيد بين قواعد بيانات تم إصدارها سابقاً من سلطات متباينة. والحل وفق ما يراه الحقوقيون هو أن تعلن الحكومة سياسة وطنية فورية وتقنية للتعامل مع قضايا التسجيل، وإطلاق حملة تسجيل شاملة تتضمن فرق متنقلة للنفوس تعمل في المخيمات ومناطق النزوح الداخلي، ومع قنوات دولية للتعاون مع بعثات في دول اللجوء، إضافة إلى رقمنة وترميم الأرشيف، وأيضاً تبسيط إجراءات تثبيت المولود والتخفيف من قيود اشتراطات الإدخالات البيروقراطية، مع ضمان آليات تحقق لاحقة لمنع إساءة الاستخدام.
خطوات حكومية ترى النور
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، يقول في تصريحات خاصة لـ"اندبندنت عربية"، إن "عملية إصدار الهويات والأوراق الرسمية الأخرى مرتبطة بتحديث الهوية البصرية للدولة، وإجراء إحصاء شامل لجميع السكان على أراضي البلاد، وذلك بهدف ضمان دقة قاعدة البيانات الوطنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف البابا أن "النظام السابق كان يتعمد حرمان ملايين من السوريين من الحصول على الوثائق الرسمية التي تيسر حياتهم، لكن منذ تحرير البلاد أصدرت وزارة الداخلية أكثر من مليون جواز سفر، وأصدرت ملايين الوثائق الرسمية التي تسهل شؤون المواطنين، وخلال أشهر قليلة سننتقل إلى المرحلة الرقمية، وسيتم التخلص من المعاملات الورقية بصورة نهائية".
وزارة الخارجية: تغيير جذري
مصدر في وزارة الخارجية السورية، يقول في حديث لـ"اندبندنت عربية"، "خلال الأشهر القليلة الماضية قمنا بعملية تغيير جذري للخدمات القنصلية المقدمة للمغتربين السوريين، فقد قام رئيس الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية محمد العمر بترؤس وفد تقني وفني، وأجرى زيارات عمل إلى عدد من القنصليات، أبرزها قنصليتا إسطنبول وبرلين. وجرى تنظيم العمل وتسهيل الخدمات المقدمة للمواطنين، كما ألغي دور السماسرة كلياً، إضافة إلى ذلك أطلقنا نظام حجز إلكترونياً كتعديل عاجل على الخدمات بهدف التسهيل على المواطنين للحصول على الوثائق التي يحتاجون إليها".
ويضيف المصدر "لقد أطلقت الوزارة تطبيقاً هاتفياً رسمياً اسمه (MOFA SY) لتيسير الوصول إلى عدد من الخدمات القنصلية عالمياً بعد مرحلة تجريبية في بعثة بيروت، مما يقلل الحاجة إلى الحضور المباشر ويسرع الإجراءات الإدارية. ولدينا خطة لتوسيع نطاق الخدمات عبر ولايات ألمانية مختلفة وتسهيل الوصول إلى المواطنين السوريين في أماكن بعيدة من السفارة في برلين. كما شملت التعديلات التي أجريناها تجهيز مكاتب بإجراءات تنظيمية وتقنية بهدف تقليص أوقات الانتظار وتحسين تجربة المواطن".
بالمحصلة، أزمة التسجيل المدني في سوريا ليست مجرد خلل إداري قابل للحل بتعميم أو قرار وزاري، بل هي تهديد وجودي لمفهوم الدولة نفسها، فإذا كانت الدولة الحديثة تقوم على معرفة مواطنيها وضمان حقوقهم القانونية، فإن سوريا اليوم تقف أمام ملايين الأشخاص الذين ولدوا وتزوجوا وماتوا من دون أن تلتقطهم دفاتر النفوس. فلا يمكن لحكومة ما بعد الحرب أن تتحدث عن إعادة إعمار أو انتخابات أو خطط تنموية، فيما القاعدة الأساسية - معرفة عدد السكان وتثبيت هوياتهم - لا تزال مفككة ومهملة. أما بالنسبة إلى الخطوات التي اتخذتها الحكومة، وعلى رغم إيجابيتها، إلا أنها لا تفي بالغرض الكامل ما لم تتحول إلى مشروع وطني شامل يضمن لكل سوري في الداخل والخارج حقه الطبيعي في الوجود القانوني، فالأمر لم يعد أزمة أوراق، بل أزمة هوية وطن كامل.